عودة الإرهاب إلى فرنسا... و«داعش» يتبنى العملية

مقتل 4 بينهم مغربي احتجز رهائن في سوبر ماركت

انتشار أمني في محيط  مبنى سكني في  كاركاسون أثناء عملية مداهمة أمس (إ.ب.أ)
انتشار أمني في محيط مبنى سكني في كاركاسون أثناء عملية مداهمة أمس (إ.ب.أ)
TT

عودة الإرهاب إلى فرنسا... و«داعش» يتبنى العملية

انتشار أمني في محيط  مبنى سكني في  كاركاسون أثناء عملية مداهمة أمس (إ.ب.أ)
انتشار أمني في محيط مبنى سكني في كاركاسون أثناء عملية مداهمة أمس (إ.ب.أ)

عاد شبح الإرهاب ليخيم مجدداً على فرنسا وليضرب هذه المرة مدينة صغيرة تقع جنوب غربي فرنسا اسمها «تريب» ولا تبعد كثيراً عن مدينة كاركاسون التي تأوي قاعدة عسكرية كبيرة للجيش. كذلك، فإن هذه العملية الجديدة، الأولى من نوعها هذا العام، تبرر التخوفات التي دأب المسؤولون الأمنيون الفرنسيون، وعلى رأسهم وزير الداخلية الذين يحذرون من استمرار التهديد الإرهابي، ومن «يقظة» الخلايا النائمة، ومن عودة «المتطرفين» من ميادين القتال في سوريا والعراق وبلدان الساحل.
العملية التي بدأت صباح أمس عبّأت أعلى السلطات في الدولة بدءا من رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون الذي كان في بروكسل لحضور القمة الأوروبية إلى رئيس الحكومة إدوارد فيليب الذي قطع زيارته للعودة إلى باريس وصولاً إلى وزير الداخلية جيرار كولومب الذي سارع في التوجه إلى المدينة المستهدفة. وحصيلة العملية التي قام بها، وفق كولومب، مواطن من أصول مغربية اسمه رضوان لقديم وانتهت بمقتله، كانت ثلاثة قتلى والكثير من الجرحى.
وسارع تنظيم داعش إلى تبني العملية التي كانت في الواقع من ثلاثة فصول، ومرتكبها واحد ظهر أمس سريعاً أنه كان معروفاً لدى الأجهزة الأمنية. وسريعاً، عمدت النيابة العامة في باريس المتخصصة في المسائل الإرهابية إلى فتح تحقيق قضائي عهدت به إلى المخابرات الداخلية والشرطة المتخصصة.

وأفاد كولومب بأن لقديم كان يبلغ من العمر 26 عاماً وهو من مدينة كاركاسون القريبة، مضيفاً إنه «كان معروفاً (لدينا) لارتكابه جرائم صغيرة، وكنا نراقبه واعتقدنا أنه لم يكن متطرفاً». وما أورده الوزير الفرنسي جاء مناقضاً لما سارعت بعض الأجهزة الفرنسية إلى تأكيده بخصوص وجود اسم رضوان لقديم على سجل بيانات مكافحة الإرهاب لدى الأجهزة الأمنية الفرنسية. فضلاً عن ذلك، يبدو أن كولومب كان متأكداً من أن المهاجم «تحرك بشكل منفرد»، مستنداً على الأرجح إلى المراقبة الأمنية التي كان يخضع لها هذا الشخص. وقال كولومب ما حرفيته: إن الأجهزة الأمنية «كانت تراقبه، ولم نكن نعتقد أنه ذو ميول راديكالية، ثم إنه فجأة قام بعمليته رغم أنه كان مراقباً». وبانتظار أن تنجلي تماماً ملامح شخصية المهاجم، وفي حال بينت الاستقصاءات اللاحقة أنه كان معروفاً بتشدده، فلن يكون أول من يرتكب أعمالاً إرهابية رغم وجوده على لائحة الأشخاص الخطرين على الأمن في فرنسا والذين تضمهم اللوائح المصنفة تحت حرف «إس». الخلاصة التي ركز عليها وزير الداخلية مفادها، أن التهديد الإرهاب في فرنسا ما زال «قوياً جداً»، وهو ما شدد عليه أيضاً الرئيس ماكرون من بروكسل؛ إذ أشار إلى أن فرنسا «تواجه منذ عدة أشهر تهديداً (إرهابياً) داخلياً». وكان كولومب كشف قبل أقل من ثلاثة أسابيع عن أن الأجهزة الأمنية عطلت، منذ بداية عام 2018، ثلاث محاولات إرهابية، وأن ما تم تعطيله في عام 2017 هو 12 عملية.
ككل مرة تعيش فيها فرنسا مأساة من هذا النوع، يطرح سؤال عن الجهة المسؤولة. وجاء الجواب سريعاً من خلال وكالة «أعماق» المروجة لدعايات وعمليات «داعش»؛ إذ أفادت بأن «الرجل الذي نفذ الهجوم في مدينة ترمب جنوبي فرنسا جندي من جنود (داعش) وأنه (استجاب) لنداء التنظيم (لاستهداف أعضاء التحالف الدولي) الذي حارب (داعش) منذ عام 2014، ومن بينهم فرنسا». غير أن «أعماق» لم تنقل عن «داعش» دليلاً مادياً يثبت علاقته بالعملية أو وجود رابط بين منفذها والتنظيم الإرهابي. وسبق لهذا التنظيم أن تبنى عمليات إرهابية في فرنسا وفي غيرها من البلدان ليثبت لاحقاً أنه لم يكن على علاقة بها.
تذكر فصول عملية رضوان لقديم في مدينتي كاركاسون وترمب بما عرفته فرنسا في بداية عام 2015 لجهة مهاجمة رجال أمن ثم احتجاز رهائن وسقوط قتلى، وانتهاء ذلك كله بمقتل المهاجم على أيدي الوحدات الخاصة التابعة للشرطة والدرك. ويبين شريط الأحداث، أن المهاجم كان ساعياً لإحداث أكبر عدد من الضحايا. فقد بدأ نهاره، وفق المعلومات التي كانت متوافرة حتى مساء أمس، بأن عمد إلى توقيف سيارة في مدينة كاركاسون بغرض سرقتها لارتكاب فعلته، فأصاب سائقها وأردى راكباً فيها. وبعد ذلك وفي المدينة نفسها، أصاب بالرصاص أحد رجال الشرطة الذي كان يمارس رياضة الجري مع مجموعة من زملائه بعد أن حاول دهسهم بالسيارة المسروقة. ومن كاركاسون، توجه الجاني إلى مدينة تريب القريبة التي لا تبعد عن الأولى سوى عشرة كيلومترات، وهناك قام باقتحام مخزن «سوبر ماركت صغير» حيث احتجز عدداً من الزبائن وعاجَل اثنين بإطلاق النار عليهما وأرداهما قتيلين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن شاهد عيان، أن المهاجم كان يحمل سلاحاً نارياً وقنبلة يدوية وسكاكين، كما أنه صاح «الله أكبر» لدى دخوله إلى المخزن، في حين قالت امرأة إنها وعدداً من الزبائن لجأوا إلى غرفة التبريد، ومن هناك خرجوا من باب خلفي. وسريعاً جداً، وصلت الوحدات الأمنية المتخصصة إلى محيط المخزن، وضربت طوقاً أمنياً حوله، وكان التخوف أن يكون المهاجمون الذين أخذوا الزبائن رهائن كثراً. ونقلت القناة الإخبارية الفرنسية «بي إف إم» نبأ مفاده أن المهاجم طالب بإطلاق سراح المغربي صلاح عبد السلام الذي يخضع للمحاكمة في باريس وبروكسل لدوره في عملية نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015، وهو الوحيد الذي ما زال حياً من بين المرتبطين مباشرة بها. ونجحت القوى الأمنية في إقامة قناة اتصال مع المهاجم الذي قبل بإخلاء محتجز مدني في المخزن ومبادلته برجل «متطوع» من رجال الدرك. وبعدها جاءت عملية اقتحام المخزن التي قتل نتيجتها رضوان لقديم في حين أصيب الدركي بجروح، وفق ما أعلن وزير الداخلية الذي أكد أن الإرهابي هو «من بادر إلى إطلاق النار»، وأن القوى الأمنية ردت على ذلك وقتلته.
هكذا، عادت فرنسا لتعيش أجواء الإرهاب التي لم تعرفها منذ الأول من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث قتل مواطن تونسي طعناً بالسكين امرأتين في محطة القطارات في مدينة مرسيليا الساحلية. وقتها أيضاً، تبنى «داعش» العملية إلا أن المحققين لم يعثروا، بعد أسابيع من البحث عن علاقة تربط الجاني بالتنظيم الإرهابي. ومنذ عام 2015، سقط في فرنسا 241 شخصاً ضحايا عمليات إرهابية، أبرزها ما عرفته باريس في خريف عام 2015، وما شهدته مدينة نيس الساحلية في شهر يوليو (تموز) من عام 2016.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.