سفراء أوروبيون في صنعاء للضغط على الانقلابيين بالتنسيق مع الشرعية

ابتهاج حوثي بالزيارة ومحاولات لاستثمار القضايا الإنسانية سياسياً

TT

سفراء أوروبيون في صنعاء للضغط على الانقلابيين بالتنسيق مع الشرعية

طغت حالة غير مسبوقة من الابتهاج لدى قادة ميليشيا جماعة الحوثيين الانقلابية، على خلفية وصول بعثة رفيعة من دول الاتحاد الأوروبي إلى صنعاء تضم عددا من السفراء، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات من العزلة الدولية والدبلوماسية المفروضة على الميليشيا الموالية لإيران.
وعلى الرغم من أن الغرض المعلن من زيارة أعضاء الوفد الدبلوماسي الذي وصل أول من أمس مطار صنعاء برئاسة سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن أنطونيا كالفو، يحمل طابعا إنسانيا، فإن قادة الجماعة الحوثية اعتبروه انتصارا سياسيا ودبلوماسيا يقرب من اعتراف العالم بهم على حد زعمهم.
في غضون ذلك، كشفت الحكومة اليمنية الشرعية عن أن زيارة الوفد الأوروبي لصنعاء تمت بالتنسيق معها، وسخرت في بيان لمصدر مسؤول في وزارة الخارجية، مما روج له الانقلابيون الحوثيون بخصوص الزيارة التي قال المصدر إنهم يحاولون استثمارها على أنها نوع من التضامن معهم. وكشف المصدر الحكومي في البيان الذي نقله الموقع الرسمي لوزارة الخارجية، عن أن الزيارة «تهدف إلى الضغط على الانقلابيين للقبول بمتطلبات عملية السلام والتعاون مع المبعوث الدولي الجديد، وعدم إعاقة الأعمال الإنسانية وجهود الإغاثة، إضافة إلى الاتفاق على إطلاق عدد من المعتقلين من حاملي الجنسيات الأوروبية كان قد صدر بحق البعض منهم أحكام بالإعدام».
وأكد المصدر، أن زيارة الدبلوماسيين الأوروبيين إلى صنعاء تمت بالتنسيق مع الحكومة اليمنية وأنه تم منحهم تأشيرات الدخول من قبلها. وكانت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، كشفت في تصريح لوسائل الإعلام لدى وصول السفراء إلى مطار صنعاء، عن أن الزيارة تستغرق ثلاثة أيام وهدفها إنساني، في سياق الاطلاع على معاناة اليمنيين في ظل الحرب.
ولم يستبعد مراقبون يمنيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن يكون السفراء الأوروبيون في مهمة غير معلنة في صنعاء لطرح مشروع مقترح غربي للسلام على قيادات الميليشيا الحوثية تم التوافق بشأنه سلفا مع الحكومة الشرعية في الرياض، ضمن الجهود الدولية التي تمهد لعمل المبعوث الأممي الجديد مارتن غريفيثتس. وقبل وصول الوفد إلى صنعاء غرد القيادي في الجماعة المعين نائبا لوزير الخارجية في حكومة الانقلاب غير المعترف بها حسين العزي، على «تويتر» مبشرا بوصول من وصفهم بـ«الوفد الأوروبي الدبلوماسي الرفيع» وكاشفا عن أسماء أعضائه.
ويضم وفد السفراء إلى جانب سفيرة الاتحاد الأوروبي، كلا من سفيرة هولندا، يرما فان دورين، وسفير فرنسا كريستيان تيستوب، والمبعوث الخاص لوزير خارجية السويد هانس بيتر سبمتاباي. وشددت الجماعة الانقلابية إجراءات الأمن في المطار ومحيطه وعلى الطرق القريبة، إذ حشدت المئات من عناصرها على متن عربات أمنية، قبيل وصول السفراء.
وفي معرض توظيف الزيارة الأوروبية سياسيا، قال وزير خارجية الانقلاب الحوثي هشام شرف في تصريح نقلته وسائل إعلام الميليشيا، إن الوضع في اليمن أصبح يمثل أولوية على أجندة الاتحاد الأوروبي ودوله التي تسعى للحد من الكارثة الإنسانية. وزعم الوزير الحوثي أن «الاتحاد الأوروبي ودوله تحظى باحترام وتقدير زعيم الجماعة»، الذي أشار إليه بوصف «القيادة السياسية»، وذلك بسبب مواقف دول الاتحاد التي قال إنها «عبرت عنها في أكثر من مناسبة بأنه لا حل عسكري للوضع الحالي وأن الحل في اليمن حل سياسي».
وكانت الجماعة الانقلابية حشدت في صنعاء كل طاقاتها قبل أيام للتأثير على فريق الخبراء الدوليين المكلفين من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقصي الحقائق، ومحاولة تقديم نفسها في ثوب الضحية. وكان الفريق الحقوقي الذي يرأسه الوزير التونسي السابق محمد جندوبي، غادر صنعاء بعد ثلاثة أيام، بعد أن دشن مهمته من العاصمة المؤقتة عدن بلقاء مسؤولين في الحكومة، قبل أن ينتقل أول من أمس للقاء هادي في الرياض.
وعلى رغم تأكيدات فريق الخبراء أن مهمتهم في اليمن ستتسم بالحياد والشفافية في جمع المعلومات المتعلقة بانتهاكات كل الأطراف، فإن قادة الميليشيا حرصوا خلال لقاءاتهم بأعضاء الفريق على تقمص دور «الضحية» ملقين باللائمة على الحكومة الشرعية والتحالف العربي الداعم لها. ومع أول يوم لوصول الوفد الدولي إلى صنعاء، عاد إليها أيضا على جناح السرعة، القيادي في الجماعة وابن عم زعميها محمد علي الحوثي للقاء الفريق، قاطعا بذلك مهمته في محافظة الحديدة (غرب) لحشد المقاتلين وشراء مواقف أعيان المحافظة للدفع بأتباعهم إلى معسكرات التجنيد التي أنشأتها الميليشيا لإسناد جبهتها المتهاوية في الساحل الغربي.
وعلى رغم وجود القيادات الحوثية في الحكومة الانقلابية غير المعترف بها دوليا، إلى جانب رئيس مجلس حكمها الانقلابي صالح الصماد، فإن محمد الحوثي كان أول المستقبلين للوفد، في خطوة أظهرته الحاكم الفعلي للمؤسسات الحكومية التي تسيطر عليها الجماعة الانقلابية. وبث الحوثي الذي يرأس ما تسمى «اللجنة الثورية العليا»، صورا عدة على قناته في «تليغرام» تظهره مع أعضاء الوفد، ومن بينها صورة أظهرت مائدة في الهواء الطلق أقامها لأعضاء الوفد، يرجح أنها في نادي ضباط القوات المسلحة وسط العاصمة.
وفي حين تجاهلت وسائل إعلام الجماعة الرسمية لقاء الحوثي بالوفد، تسود ترجيحات بأن ذلك التجاهل يأتي في سياق الصراع الخفي الحاصل بين سلطات الجماعة الظاهرة بقيادة صالح الصماد، وسلطة الظل المتحكمة في القرار بقيادة محمد الحوثي والجناح الذي يتزعمه مع عبد الكريم الحوثي عم زعيم الجماعة. وسلمت الميليشيا الحوثية فريق الخبراء إحصائية مزعومة للانتهاكات التي قالت إنها وثقتها، في سياق سعيها للتأثير على مسار التحقيقات، إلا أن رئيس الفريق محمد الجندوبي، رفض التعامل مع الوثائق الحوثية، بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط».
وخاطب الجندوبي قادة الجماعة، طبقا للمصادر، بأن فريقه «لا يتعامل مع المعلومات التي تقدمها أطراف الصراع وأنه سيقوم بجمع المعلومات بشكل مستقل».
وكان الجندوبي أفاد لدى وصوله مطار صنعاء مع فريق الخبراء الذي يضم في عضويته كلا من تشارلز غاراوي وميليسا ياركي، بأن مهمتهم التي وصفها بـ«الصعبة» تشمل التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن منذ 2015 من خلال الاستماع لكل الآراء والشهادات بشكل مستقل، وصولا إلى تضمين ذلك في تقرير محايد يقدم لمجلس حقوق الإنسان في سبتمبر (أيلول) المقبل. وفيما يستمر عمل الفريق كما هو مقرر لشهور، بحسب الجندوبي: «من أجل تقصي الحقائق ومشاهدتها من كثب»، كشف الوزير التونسي السابق عن أن زيارة فريقه لليمن «تهدف لأخذ صورة واسعة أولية».
وقال إن «هناك فريقا آخر سيصل إلى اليمن خلال أسبوع وسيلتقي الأطراف الرسمية بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني» مؤكدا أن فريق الخبراء سيقوم بزيارة ميدانية إلى كل مناطق الصراع، على حد قوله. وكانت الميليشيا الانقلابية سمحت للفريق الحقوقي بعد استقباله من قبل الحوثي، بلقاء القيادي في حزب «المؤتمر الشعبي» يحيى الراعي، إلى جانب لقاء رئيس حكومة الانقلاب عبد العزيز بن حبتور ووزير خارجيتها هشام شرف.
ويبدو أن الميليشيا الحوثية تسعى لإيهام الفريق الحقوقي، باستقلالية قرار وموقف النسخة التي تشكلت من حزب «المؤتمر الشعبي» في صنعاء تحت إرادتها عقب مقتل رئيسه صالح.
ويتهم ناشطون يمنيون الميليشيا بأنها تكرس جهودها عن تخطيط سابق للاستثمار في الجانب الإنساني الذي تسبب فيه انقلابها، من خلال التقارير المضخمة التي تقدمها إلى المنظمات الإنسانية والدولية لجهة التأثير على مواقف الدول الغربية وتصوير الميليشيا لنفسها في دور الضحية.
ومن غير المستبعد، بحسب بعض المراقبين، أن تكون الجماعة الحوثية وبدعم إيراني هي التي خططت عن سبق إصرار لتفشي وباء الكوليرا في اليمن، إلى جانب الأمراض الأخرى التي ظهرت مؤخرا في بعض المناطق اليمنية بعد اختفائها منذ عقود، في سياق محاولة كسب تعاطف المجتمع الدولي، ودفعه من أجل الضغط لإنجاز اتفاق سلام مع الميليشيا يلبي شروطها.
كما تتهم مصادر حكومية وأخرى حقوقية مناهضة للجماعة، عناصر الميليشيا بأنهم يستولون على جانب كبير من الدعم الإنساني المقدم دوليا في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، بما في ذلك ما يخصص من أموال من قبل المنظمات الداعمة لمشروعات البنية التحتية والخدمات، حيث تدفع الجماعة بعناصرها لتولي تنفيذ هذه المشروعات للاستفادة من عوائدها المادية.
وفي سياق متصل، كشفت الجماعة في وقت سابق، عن رسالة قالت إن خارجيتها في صنعاء وجهتها إلى الأمم المتحدة، تدعو إلى الضغط على دول التحالف العربي للسماح بدخول الأسمدة الكيماوية إلى مناطق سيطرتها حرصا على عدم تلف المنتجات الزراعية. وكان التحالف العربي أمر بوقف حصول الجماعة على بعض السلع والمواد المستوردة التي ثبت أن الميليشيا تستعملها في صناعة الألغام والمتفجرات والقذائف، وهو القرار الذي يبدو أن الجماعة من خلال شكواها إلى الأمم المتحدة تسعى إلى تحميله تبعات إنسانية مزعومة.


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.