عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

آخر ما يحتاج إليه الفلسطينيون المختلفون على سياسات اليوم... والقلقون من شظايا الغد

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن
TT

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

ما كانت المشكلة في الانفجار الذي طال أخيراً موكب رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمد الله، في قطاع غزة، إذ نجا الحمد الله وكل رفاقه ومساعديه وحراسه وحتى سياراته، بل كانت في شظايا عبوة الـ15 كيلوغراماً التي أدمت جسد المصالحة الفلسطينية، وحفرت أعمق في جسد الانقسام، مُنذِرة ربما بانقسامات أخرى أصغر وأصغر، ثم إن الفلسطينيين ما كانوا بحاجة إلى كمائن مفخّخة... وهم المتقاتلون حول كل شيء تقريباً، السلطة والمنظمة والانتخابات والسلام والحرب والمقاومة والأمن والقضاء والمال والمعابر والسيادة والبرنامج السياسي، وكذلك حول المستقبل.
ولكن، ربما أسوأ ما في الانفجار أنه جاء في وقت يبدو المستقبل أمام «الكل الفلسطيني» ضبابياً إلى حد كبير مع توقعات بانتهاء مرحلة وبداية أخرى، أما أكثر ما يقلق في الأمر برمته فهو أن تكون العبوة المتفجرة أسلوباً للمرحلة المنتظرة.
لم يتردد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في وصف محاولة الاغتيال التي استهدفت في قطاع غزة رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمد الله، ورئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، بـ«جريمة منسجِمة مع كل المحاولات للتهرّب من تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة عملها في قطاع غزة، وإفشال المصالحة»، وملتقية كذلك مع «الأهداف المشبوهة لتدمير المشروع الوطني وإقامة دولة مشبوهة في القطاع».
أراد عباس القول إن الجهة التي تحكم قطاع غزة، أو جهات تتحالف معها تقف بشكل أو بآخر وراء محاولة الاغتيال.
وإضافة للرئيس، لم يتردد أي مسؤول فلسطيني في منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح في مهاجمة حماس، محملين الحركة المسؤولية الكاملة، ووحدها، عن محاولة الاغتيال، إذ دانت الرئاسة الفلسطينية بشدة «الهجوم الجبان» الذي استهدف موكب الحمد الله في قطاع غزة، وحمّلت حركة حماس المسؤولية الكاملة عن هذا العدوان. واتفقت حركة فتح مع الرئاسة على أن حماس تتحمل مسؤولية محاولة الاغتيال. ومن ثم، دعا معظم أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، حركة حماس إلى العودة عن انقلابها. وطالبت مركزية فتح، حماس، بـ«إنهاء انقلابها الدموي وقبول الشراكة السياسية بالاحتكام لإرادة الشعب». وحمّلت حماس مسؤولية الانقلاب، وأكدت أن البراءة مرتبطة باستعداد «حماس» لنبذ العنف الداخلي والتخوين والتكفير لتبرير استمرار جريمة انقلابهم.
ولاحقاً طالب مسؤولون فلسطينيون، من كل مكان، حركة حماس بتسليم كل نتائج التحقيقات بشكل كامل إلى القيادة الفلسطينية في محاولة، كما يبدو، للتشكيك في طبيعة التحقيق.
كان هذا غيضاً من فيض الهجوم على حماس بصفتها الجهة المتحكّمة في قطاع غزة، الجهة التي ترفض تسليم الأمن للسلطة الفلسطينية. لكن ما الذي أرادته السلطة وفتح من الهجوم على حماس... وهما اللتان تعرفان - على الأغلب - أن محاولة الاغتيال تضر بحماس كذلك، وأن الحركة لا تقف خلف ذلك (على الأقل بشكل رسمي)... أولاً لأنها مسؤولة عن الأمن. وثانياً لأن المحاولة فيما لو تعمدتها كانت ستنجح على الأرجح، قياساً بالإمكانات التي تملكها الحركة في غزة.
- مسؤولية... لا تنفيذ
مسؤول مكتب الإعلام في حركة فتح منير الجاغوب الذي حاورته «الشرق الأوسط» قال موضحاً: «لم نتهم حماس. لا أحد اتهمهم بتنفيذ العملية، لكن حماس مسؤولة بالتأكيد... لماذا؟ لأنها تحكم قطاع غزة وترفض تسليم الأمن للسلطة الفلسطينية. إذن هناك فشل في منظومة حماس الأمنية في القطاع وهي المنظومة التي سمحت لجماعات إرهابية ومتطرفة وقاتلة بالنمو والعمل».
وأضاف الجاغوب: «ثانياً من حقنا أن نسأل ونعرف كيف استطاع منفذو العملية زرع العبوات خلال ليلة واحدة في مربع أمني مراقَب جيداً. الإعلان للناس عن زيارة رئيس الوزراء كانت قبل ليلة أو حتى ساعات من وصوله. فمَن الذي تمكن من زرع العبوات بهذه السرعة؟ أم أن جهات في غزة مطلعة مسبقاً على تفاصيل الزيارة سرّبت معلومات؟... هناك أسئلة كثيرة وكبيرة تحتاج إلى إجابات».
من ناحية أخرى، أكد الجاغوب أن فتح لا تتهم أحداً بعينه، بانتظار نتائج التحقيق، لكنها «تريد من حماس معلومات كاملة بما في ذلك رفع أي غطاء عن أي جماعات تعمل في قطاع غزة». وفي حين لم يُشِر الجاغوب إلى جماعات محدّدة، فإن ماجد الفتياني، أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح، لمح إلى «متحالفين مع حماس معارضين لعباس». وطالب الفتياني حركة حماس بـ«ألا تحرف الأنظار عما جرى» في غزة. ثم دعا قادة حركة حماس لـ«إثبات أنهم يدعمون تحقيق الوحدة من خلال تقديم الحقيقة». وبحسب الفتياني، فإن «التحقيقات الأولية تؤكد بوضوح تام أن هناك أطرافاً في قطاع غزة تعمل بوجود غطاء داخلي من حماس يدعم تحركاتها أو يغض النظر عن وجودهم وعملهم وأنشطة تسلحهم».
وعملياً، يشير المسؤول في المجلس الثوري لفتح إلى معارضين معروفين لعباس، وهذه فرضية إذا صحّت، فستعني بالتأكيد مزيداً من الانقسامات الداخلية والخارجية كذلك. فهل ستجرؤ حماس على إعلان النتيجة كيفما جاءت؟
- الفرضيات... البداية والنهاية
في منطقة مثل غزة، التي تُعدّ «ملعباً» جيداً لكثير من التنظيمات والجماعات المسلّحة المرتبطة بجهات داخلية وخارجية كذلك، توجد فصائل... كما يوجد منشقون عن فصائل، ومتشدّدون ومنشقون عن متشددين، وجماعات مسلحة صغيرة تلقى دعماً من الداخل والخارج. ويبدو أن الكل متهم مع أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
وكما سبقت الإشارة، يستبعد كثيرون من المراقبين أن تكون حماس تقف خلف العملية، لأنها ببساطة لو أرادت فعلها لكانت نجحت في ذلك بنسبة تصل إلى 100 في المائة، قياساً بالإمكانات الهائلة التي تتمتع بها الحركة على أرض تسيطر عليها. فبالإضافة إلى الآلاف من رجال الأمن التابعين للحركة، فإنها تملك جناحاً مسلحاً يعدّ القوة الرئيسة الأولى في القطاع بلا منافس. وهي قوة مهيبة إلى حد كبير وتملك إمكانات استثنائية.
ثم أن حماس نفت رسمياً التهمة، كما رفضت أي تلميحات. وقال زعيم الحركة إسماعيل هنية إن الحركة «تفرّق بين الخصومة السياسية والأعمال المدانة». ووصف الحمد الله بأنه «ضيف على أهل القطاع». وتعهد هنية أيضاً بأن أمن غزة سيلاحق الفاعلين. لكن إذا لم تكن حماس تقف خلف ذلك، فما هي السيناريوهات الممكنة؟
ثمة نقاش عالٍ النبرة في الشارع الفلسطيني حول الجهة التي نفذت... ودوافعها.
- أصابع إسرائيلية؟
يعتقد كثيرون أن إسرائيل مستفيدة بطريقة مباشرة، وأن عملاء تابعين لها قد يقفون خلف الأمر. أما الهدف فقد يكون خلط الأوراق من جديد، وتخريب المصالحة لإدامة أمد الانقسام الذي يُعدّ أكبر هدية قدمها الفلسطينيون لإسرائيل طيلة سنوات الصراع.
حتى اللحظة، لم يتهم أحد إسرائيل مباشرة. ولم يعقّب مسؤولون إسرائيليون على الحادث. غير أن الإعلام الإسرائيلي ركّز على أن الحادثة «قد تكون إشارة إلى ما يمكن أن يكون عليه الأمر في مرحلة ما بعد عباس».
أيضاً، هناك مَن يذهب باتجاه اتهام «جماعات متشدّدة» داخل القطاع قد يكون هدفها إحراج حماس وضرب علاقتها أكثر بالسلطة، بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين هذه الجماعات وحماس نفسها. ويعتقد أن هذه الجماعات حاولت في مرات سابقة اغتيال توفيق أبو نعيم، مسؤول قوى الأمن في غزة، عبر عبوة مفخخة تحت سيارته كذلك. وذهب آخرون إلى القول إن جهات ما، أو تيارات ما، داخل حماس... أرادت إرسال رسائل لعباس من دون علم قيادة حماس.
كذلك هناك آخرون لا يستبعدون أن يكون معارضون داخل فتح - الحركة التي يتزعمها عباس - ربما أرادوا إرسال رسائل له، وهذه النظرية يلمّح لها مسؤولو فتح أنفسهم، وإن كان بطريقة غير مباشرة. وبخلاف هذه النظريات التي تؤشر إلى «متهمين محدّدين»، فضّل بعض الذين يؤمنون بـ«نظرية المؤامرة» تبني فكرة أنها مسرحية معدة سلفاً، وليست من تنفيذ جهات معارضة للسلطة.
على أي حال، لا يتوقع أن تأخذ حماس وقتاً طويلاً قبل إعلان نتائج التحقيقات، لا سيما أنها تُعد من المتضررين من المحاولة، وبالتالي لنفي اتهامات لها بالمسؤولية، ومن أجل إثبات قدراتها الأمنية في القطاع. وبطبيعة الحال من غير المعروف كيف ستتعامل الحركة إذا ما ثبت أن جهات متحالفة مع حماس أو تابعة لها تقف خلف المحاولة.
الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله، يتساءل في هذا الصدد: «لماذا لم تتشكل لجنة تحقيق مشتركة؟ وهل الفصائل والجانب المصري على اطلاع على مجريات التحقيق؟ وكيف لنا أن نضمن عدالة التحقيق؟ وكيف سنثق بأن النتائج الصحيحة ستكون بين يدي المواطن؟».
ثم يتابع: «ماذا لو توصل التحقيق إلى نتائج صادمة... هل سيصار إلى إعلانها بشفافية؟ أم يجري البحث عن كبش فداء مثل المتشددين أو غيرهم. أغلب الظن أن هذا خطأ كبير إن حصل. إذ لا يجوز التستر على جريمة بهذا الحجم مهما كلف الثمن، ومهما كانت المصلحة... التستر في القانون هو مشاركة في الجريمة، ومن حقنا أن نعرف من الذي استهدفنا جميعاً إلى هذا الحد»؟
وبغض النظر عن كل هذه التساؤلات، تواصل حماس التحقيق في محاولة الاغتيال متعهِّدة بكشف الجناة.
- طرف خيط في ساحة بنادق
أثبت التحقيقات حتى الآن، بحسب بلاغ رسمي تسلمه الحمد الله من مسؤول قوى الأمن الداخلي في غزة اللواء توفيق أبو نعيم أن «المنفذين زرعوا عبوتين زنة كل منهما نحو 15 كلغ، وهما محليتا الصنع ومعدتان للتفجير عن بُعد». وبحسب البلاغ المقدَّم من غزة، نجح تفجير العبوة الأولى بينما أدى خلل فني لتعذر انفجار العبوة الثانية التي زُرِعت على بعد 37 متراً عن الأولى. وعن العملية، قال وكيل وزارة الداخلية اللواء محمد منصور إن «العمل كان مُدبَّراً بشكل جيد ونُفِّذ بدقة». وأردف أن «الانفجار الذي أصاب سيارة مصفحة من بين 3 سيارات كان يستهدف الحمد الله على فرض أنه موجود بداخلها»
وبينما تحقق قوى الأمن التابعة لحماس الآن بكيفية تمكن الجناة من الوصول إلى منطقة يُفترض أنها خاضعة لرقابة متواصلة وتعدّ مربعاً أمنياً بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين، أعلن أبو نعيم أن الأجهزة الأمنية «توصلت لطرف خيط قوي».
وأكد أبو نعيم شنّ قوى الأمن عدة عمليات اعتقال ومداهمة. كما أبلغت مصادر مطلعة «الشرق الأوسط» أن الأجهزة الأمنية توصلت إلى أرقام الجوّالات التي نفذت عملية التفجير من خلالها، وذلك عبر العبوة التي لم تنفجر. وأضافت المصادر: «الأرقام لم تكن مسجَّلَة باسم أي شخص، ولذا بدأ البحث في دائرة تجار وبائعي أرقام غير مسجلة، وتم اعتقال بعضهم واستجوابهم حول الأرقام وعلاقتهم بها ولمن بيعت».
وبحسب المصادر، فإن كل الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية مشتبه بهم، وليسوا متهمين. وتابعت: «كل مشتبه به أو تعتقد الأجهزة أنه يملك معلومات تم استجوابه».
أيضاً اقتحمت الأجهزة الأمنية بيوت لعناصر أمن سابقين، من دون أن يتضح ما إذا كانت لهم علاقة بالعملية أو بسبب امتلاكهم معلومات. وذكرت المصادر أنه «لا يمكن اتهام أحد حتى الآن. بسبب أنه حتى مع وصول المنفذين فقد لا يكونون تلقوا تعليمات رسمية».
وأكدت المصادر أن طبيعة العبوات المستخدمة والتقنية كذلك متوفرة لدى كل الجماعات والفصائل في غزة، ثم أوضحت أن «الولاءات بالنسبة للبعض متغيرة أو متعددة في غزة، وهذه إحدى المشكلات».
- أسباب ودوافع..
يرى الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن محاولة اغتيال الحمد الله وفرج ليست عملاً فردياً «وإنما جريمة خُطط لها لزرع ثقافة الإجرام والفوضى والفلتان في ذهن شعبنا الذي يقاوم الاحتلال ويبني الدولة». وأضاف أن «الجهة التي قامت بمحاولة الاغتيال تسعى من وراء جريمتها لشقِّ الصف الوطني من جهة، وللالتفاف على القيادة الفلسطينية وإيجاد قيادة بديلة».
وطالب عريقات، من ثم، حركة حماس بإنهاء الانقلاب والانقسام بشكل فوري، مؤكداً أنه لا عذر لها بعد هذه الجريمة. وجاءت إشارة عريقات إلى العلاقة بين العملية وخلق «قيادة بديلة»، بينما السلطة الفلسطينية الولايات المتحدة، وربما جهات إقليمية، بالعمل على خلق هذه «القيادة»، بعدما رفض عباس «صفقة القرن» الأميركية.
فهل يحاول عريقات الإشارة إلى تورط جهات خارجية؟ يستبعد المحلل السياسي طلال عوكل ذلك، ويرى فقط أن المحاولة «كانت رسالة داخلية لم يرد منها حتى الاغتيال بمعنى القتل».
وبعيداً عن كل ذلك يعتقد فوزي برهوم، الناطق باسم حماس، أن العملية ليست سوى «مسرحية»، إذ قال: «مسرحية تفجير موكب الحمد الله وفرج استهدفت الأمل الفلسطيني في تحقيق المصالحة، وهروب واضح من تحمل استحقاقاتها. وفي الوقت نفسه كشفت مواقف حركة فتح الحقيقية منها. وانعكس ذلك من خلال الحملة الإعلامية المبرمجة على حركة حماس المتشبّعة بثقافة الحقد والإقصاء».
أما الحمد الله نفسه فتعهد بالرد على محاولة قتله بالإصرار على المصالحة وطلب تسلم الأمن. وقال إن التفجير لن يخيفه لكن «لا يمكن للحكومة أن توجَد في غزة دون أمن فعلي». وأضاف: «كيف لحكومة أن تتسلَّم غزة ولا تقوم بتحمل مسؤولية الأمن، نطالب حماس بتمكين الحكومة وتسليم الأمن الداخلي، نريد سلاحاً واحداً وشرعية واحدة».
كالعادة يختلف الفلسطينيون حول قراءة الدوافع والأسباب. ويبدو الاختلاف منسجماً مع الخلاف السياسي والعقائدي والحياتي كذلك. وأغلب الظن أنه سيستمرّ، وربما يتعمّق، بعدما وضعت في طريق المصالحة المترّنحة عبوتان، واحدة انفجرت والثانية تعطلت... لكنها قد تنفجر في طريق آخر في يوم آخر وبأشخاص آخرين.
- الحمد الله... الأكاديمي الذي تجاوز ألغام السياسة
> ولد رامي الحمد الله يوم 10 أغسطس (آب) 1958 في بلدة عنبتا القريبة من مدينة طولكرم بغرب الضفة الغربية، وهو ابن عائلة عريقة وكبيرة في قضاء طولكرم، وكان جده نائباً في البرلمان الأردني.
أمضى الحمد الله الفتى والشابّ والرجل جل حياته في التعلم والتعليم، قبل أن يدخل إلى عالم السياسة من أوسع الأبواب. وتخرج بدرجة بكالوريوس آداب في الجامعة الأردنية، وبعدها تابع دراسته العليا في بريطانيا حيث حاز الماجستير من جامعة مانشستر، والدكتوراه من جامعة لانكاستر في اللغويات التطبيقية.
عينه الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيسا لجامعة النجاح الوطنية - نابلس عام 1998، وما زال، وهو عضو هيئة التدريس فيها بقسم اللغة الإنجليزية، إضافة إلى كونه الأمين العام للجنة المركزية للانتخابات منذ 2002. وشغل منصب نائب رئيس جامعة النجاح للشؤون الأكاديمية والكليات الإنسانية، في الفترة بين سنتي 1995 و1998، وعميد كلية الآداب، بالجامعة نفسها في الفترة بين 1992 و1995. ورئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، من 1988 و1992 وكان مدرساً في القسم نفسه من 1982 و1985.
وخارج الجامعة، فإن الحمد الله عضو في اللجنة التوجيهية لصندوق إقراض الطلبة بمؤسسات التعليم العالي، وعضو في اللجنة التوجيهية المشرفة على إدارة برنامج دعم الجامعات والمؤسسات التعليمية بفلسطين لدى الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. ويشغل أيضاً مناصب لا حصر لها في كثير من المؤسسات الحكومية والأهلية المحلية والإقليمية والدولية.
كلفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 3 يونيو (حزيران) 2013 تشكيل حكومة فلسطينية جديدة خلفاً للدكتور سلام فياض. قيل وقتها إن الأكاديمي المرموق سيتورط في حقل الألغام السياسية، لكنه أثبت قدرة على السير في هذا الحقل المفخخ، وفي 29 مايو (أيار) 2014 كُلِّف بتوافق بين فتح وحماس تشكيلَ حكومة الوفاق الفلسطينية، واستمر في تجاوز الأفخاخ بما في ذلك العبوة التي وُضِعت له هذا الأسبوع في طريقه إلى غزة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.