سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

أعظم الأحلام عودة المياه إلى الحنفيات والتخلص من الألغام التي خلفها «داعش»

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
TT

سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار

ينفض سكان مدينة الرقة شمال سوريا، غبار الحرب عن مدينتهم، وينهمك العائدون إليها بإعادة إعمار منازلهم ومحلاتهم بإصرار وعزيمة كبيرة، ويعمل الجميع لإعادة عجلة الحياة إلى مدينة تعبت من شدة المعارك.
النسوة والفتيات منشغلات بإخراج حطام الأنقاض وتنظيف بهو المنزل وفناء الدار، في محاولة لطي صفحة النزوح والشتات التي عايشنها طوال الأشهر الماضية، كما عادت عربات بيع الخضراوات والفاكهة إلى الساحات العامة وتعالت أصوات الباعة، خاصة في دوار النعيم، حيث ما زال دمارها وركامها شاهداً على الحرب التي وقعت فيها قبل أشهر.
أثار الدمار مسيطرة على الأحياء الواقعة في أطراف الرقة، حيث انهار سقف كثير من المنازل أو خلعت أبوابها والشبابيك، أما المحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سوي بالأرض. غير المشهد يبدو صادماً أكثر في مركز المدينة، وتحديداً في ساحة الساعة ومركز المحافظة ودوار النعيم وساحة الدلة والملعب الأسود والسوق القديم، حيث جرت معارك عنيفة جداً للسيطرة على أبنية استراتيجية انتهت بطرد عناصر «داعش»، وبات من الصعب التفريق بين منزل ومتجر، بعد أن تحول معظمها إلى جبال من الركام، وتناثرت الحجارة وأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء، ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية.
وكانت حارة المشلب والرقة السمراء وحي الطيار ومنطقة السمرات الواقعة شرق المدينة أفضل حالاً من باقي المناطق، إضافة إلى حي الدرعية والسباهية ومزرعة الأسدية الواقعة غرباً كونها تحررت بداية الهجوم في شهر يونيو (حزيران) 2017، وعاد إليها معظم سكانها، بعد أن سمحت «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع مجلس الرقة المدني بعودة سكان جميع الأحياء.
عبد الرحمن (53 سنة) وهو من سكان دوار النعيم، يعمل على ترميم منزله الذي تعرض إلى دمار جزئي وهو الواقع بين أخطر ساحتين في الرقة، أثناء معركة طرد تنظيم داعش على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.
يبدي عبد الرحمن رغبته بحياة جديدة بعيداً عن الرعب الذي عاشه في زمن عناصر التنظيم المتشدد، يجبل بعض الإسمنت ويضعها تحت طوبة فوق سور منزله الذي تهاوى جزء كبير منه، ويقول لنا: «يقع بيتي بين دوار الجحيم ودوار الموت (أي بين دوار النعيم ودوار الدلة) عندما كنت أخرج من منزلي أشاهد رؤوساً معلقة بدوار الجحيم، وفي دوار الموت كانت الجثث معلقة دون رؤوس».
يحاول عبد الرحمن اليوم نسيان ذكرياته المثقلة، يعيد بناء منزله وقد نالته نيران المعارك العنيفة، فقد كسر زجاج النوافذ والأبواب جراء الانفجارات التي وقعت في محيطه، وتهاوي سور المنزل وجزء من سقفه. يقول وهو يتابع عمله: «لن أنتظر الجهود الدولية والوعود بإعادة الإعمار، أقوم بنفسي بهذا العمل. سكان المدينة هم فقط من سيقوم بإعادة الروح إليها».


عودة الحياة إلى مركز المدينة
تقع مدينة الرقة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. كان يسكنها قبل اندلاع الثورة السورية التي تحولت إلى حرب في سوريا ربيع 2011، نحو 300 ألف نسمة، غالبيتهم من العرب السنة، إلى جانب أكراد ومسيحيين وتركمان، فر معظمهم بعد سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.
بعد تحريرها؛ قرر قسم من أبنائها العودة إليها، وتتركز غالبية العائدين بشكل خاص في حارة المشلب وأحياء الدرعية والرميلة وعدة أحياء مجاورة. وشهدت ساحة دوار الدلة الواقعة في مركز المدينة، حركة نشطة لم تشهدها الساحة منذ سنوات، حيث تعمل الورش ليل نهار لإعادة بناء السوق من جديد؛ ويربط أصحاب المحال والمنازل المحيطة بالمنطقة الليل بالنهار للإسراع من انتهاء أعمال التنظيف والعودة إلى حياتهم الطبيعية.
أحد هؤلاء العائدين عواد (36 سنة) الذي يعمل في مهنة البناء ويساعد السكان لإعمار منطقته بحارة السمرات شرق الرقة، وأثناء الحديث معه، كان منشغلاً بالبناء لكن هذا لم يمنعه من أن يقول: «لا أعطي فرحتي لأحد، كان حلماً بالعودة للرقة وقد تحقق».
لم تنه الحرب حياة سكان مدينة الرقة، فهم يعملون ويكافحون ليعيدوا مدينتهم إلى الحياة. لكن مع انتهاء سيطرة عناصر تنظيم داعش التي استمرت ثلاث سنوات ونيف بين يناير (كانون الثاني) 2014 وأكتوبر 2017)، برز تحد آخر، فقد عمد عناصر «داعش» إلى زرع الألغام والمتفجرات في مختلف أنحاء المدينة، الأمر الذي يحول الآن دون عودة معظم سكانها. ومن هؤلاء، آيات (54 سنة) النازحة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومتر غربي الرقة، التي تقول إنها لن تعود هي وأسرتها إلى مسقط رأسها حتى تصبح آمنة، وتؤكد أنها تفضل العيش تحت خيمة لا تقيها برودة الشتاء على عودة فيها مجازفة. وتضيف: «لن نعود ما دام هناك ألغام ومتفجرات».

نزع المواد المتفجرة
في كثير من الأحياء التي ما زالت تنفض عن نفسها غبار الحرب، يتفقد مدنيون من سكان الرقة منازلهم المدمرة ويزيلون الركام أمام محلاتهم، ويعود آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، فيما يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما.
وتعمل منظمة «روج» بالتنسيق مع منظمات أميركية ودولية معنية بإزالة الألغام على نزع المواد المتفجرة والمنتشرة بكثافة، ويرتدي ستة أشخاص من عمالها زياً لونه (كاكي)، ويضعون على ذراعهم شارة حمراء اللون تتوسطها جمجمة بيضاء. وفي منطقة الصناعة وبجانب سور الرقة الأثري، يحمل الفريق الباحث عن مخلفات الحرب، أجهزة كشف تقليدية مثل عصا طويلة بلاستيكية مزودة بلاقط حاد، ليتمكن من التقاط الخيوط المتفجرة، كما يحمل أجهزة رصد دقيقة عن بعد للكشف عن الألغام اليدوية والقنابل الغير متفجرة.
يقول عبد الحميد آيو المستشار التقني لقسم العمليات مدير منظمة (روج)، متحدثا إلى «الشرق الأوسط»، إنّ: «الألغام في المدينة تقدر بالآلاف. وقد تمكنا من الكشف عن نصف المدينة وأزلنا 1500 لغم حتى اللحظة لأن المدينة كانت ملغمة بشكل كامل»، مشيراً، إلى أن فريق المنظمة قام بتدمير أكثر من 15 ألف لغم من مخلفات تنظيم داعش بحسب عبد الحميد آيو.
إصلاح شبكة المياه
غابت المياه عن الرقة منذ قرابة سنة، ولا يوجد سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام بعد تحرير المدينة. وبدأت ورشة فنية تتبع لجنة المياه التابعة في مجلس الرقة، أعمال إصلاح خطوط المياه في حارة الرقة السمراء. وأثناء وجودنا، كان الفريق يقوم بحفر موزع شبكة رئيسية بالقرب من نقطة سقطت عليها قذيفة صاروخية دمرت الشبكة بشكل شبه كلي. وبرفقة مجموعة من العمال والفنيين، قام المهندس جاسم الخلف من لجنة المياه بتفقد المكان. وفي حديثه إلى صحيفة «الشرق الأوسط» شرح الخلف خطتهم التي تقوم على إعادة المياه لعدة أحياء، وقال: «معي ورشة تعمل حالياً على إصلاح هذا الخط قطره 600 سنتمتر من الفونط المرن، وهي من الخطوط الرئيسية التي تؤمن تغذية المياه لباقي أحياء الرقة».
في السياق، انتهى مجلس الرقة المدني من تجهيز محطة مياه الكسرات الأساسية (غرب الرقة) والتي توجد فيها مضختان عموديتان واثنتان أفقيتان، طاقة كل منها 500 متر مكعب في الساعة، لتضخ جميعها، نحو ألفي متر مكعب في الساعة بحدودها الدنيا، غير أن طاقتها الإنتاجية تبلغ قرابة 8500 متر مكعب في الساعة.
إلا أن زياد (38 سنة) الذي ينحدر من سكان شارع الانتفاضة الواقع غرب الرقة، أكد أنه وجيرانه يشترون المياه الصالحة للشرب والاستعمال، ويبلغ سعر برميل الماء 200 ليرة سورية (ما يعادل نصف دولار أميركي). يقول: «لا مشكلة في انقطاع الكهرباء والخدمات، لكن عدم توفر المياه سيما الصالحة للشرب فتعد أكثر المشكلات التي نعانيها»، ويكمل «إن أكبر أحلامنا مشاهدة عودة المياه إلى الحنفية».
أما على مستوى نظافة المدينة، ففد بدأت بلدية الرقة منذ بداية الشهر الحالي، العمل داخل أحياء المدينة، وخصصت جرارات وآليات للنظافة ورمي النفايات في المكبات المخصصة. وقالت سناء الأحمد رئيسة البلدية المشكلة من قبل مجلس الرقة المدني الذي يدير المدينة: «قمنا بتوزيع حاويات النفايات في معظم الأحياء التي عاد الناس إليها، كما خصصنا 7 جرارات للنظافة لجمع النفايات، وتقوم هذه الآليات بالتجول في الأحياء مرتين يومياً، 7 صباحاً ومثلها مساءً».
ولتشجيع الأهالي على العودة إلى منازلهم؛ قررت البلدية إعفاء المواطنين من رسوم ترخيص البناء وضرائب المالية. وتقول الأحمد: «قررنا إعفاء الأهالي من الضرائب والرسوم المالية لتسريع عمليات إعادة الإعمار، الجميع هنا يربط الليل بالنهار لتقديم الخدمة لكل شخص عائد، لتعود الرقة عروسة الفرات».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.