«بوق» ترمب السابق: علينا أن نظهر للعرب أننا جادون في تحقيق السلام

شون سبايسر لـ«الشرق الأوسط»: لم يواجه أي سكرتير صحافي في البيت الأبيض ذلك القدر من الانتقادات الذي واجهته منذ اليوم الأول

TT

«بوق» ترمب السابق: علينا أن نظهر للعرب أننا جادون في تحقيق السلام

إنه أحد أشهر الشخصيات في الولايات المتحدة، وربما حول العالم، نظراً لدوره خلال عمله في منصب «بوق» الرئيس دونالد ترمب. وعلى رغم أن شون سبايسر غادر البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلا أن كثيرين ما زالوا يعرفونه بوصفه «السكرتير الصحافي» للرئيس الأميركي، وذلك بفضل انطباع الممثلة ميليسا مكارثي عنه في برنامج «ساترداي نايت لايف»، وأجل، بفضل قوله في يوم عمله الأول إن الحشود التي حضرت حفل تنصيب الرئيس ترمب كانت الأكبر في التاريخ، وهو أمر أثار انتقادات واسعة من مشككين في صحة هذا الزعم.
لكن المواطن الطبيعي شون سبايسر يختلف تماماً عن صورته المقلّدة في وسائل الإعلام: إنه رجل يقدّس الحياة العائلية، وهو أب لطفلين، وجار محترم. وإلى جانب تأليف كتاب «الإيجاز»، المقرر نشره في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وأسواق أخرى عالمية، اعتباراً من 23 يوليو (تموز) المقبل، فإن سبايسر يستجيب لمجموعة واسعة من العروض: حوارات مفتوحة، واستشارات للمؤسسات، وبرامج تلفزيونية.

قبل خدمته في منصب المتحدث الرسمي باسم اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، كان شون سبايسر يعمل مساعداً للممثل التجاري للولايات المتحدة للشؤون الإعلامية والعامة. وكان كثيراً ما يسافر في أنحاء العالم كافة. يقول سبايسر في مقابلة حصرية: «لقد زرت أكثر من 35 مدينة، وسافرت إلى دول مجموعة السبع الكبار، ومجموعة الثمانية (التي لا تزال روسيا عضواً فيها)». ويتابع أنه يدرك أهمية «الرسائل المستمرة المتواصلة من السياسة الأميركية إلى كافة أنحاء العالم»، مشيراً إلى أن لديه «انجذاباً وألفة، بخاصة حيال وسائل الإعلام الأجنبية، منذ أيام عمله الأولى لدى الممثل التجاري، وخلال أكثر من 18 عاماً في خدمة الشؤون العامة بالقوات البحرية الأميركية».
ويرى سبايسر أن شعار «أميركا أولاً» الذي يرفعه الرئيس ترمب لم يكن السبب الأساسي وراء تهميش بعض المواضيع التي تتعلق بتعامل الإدارة مع الإعلام الأجنبي.
يتحدث سبايسر عن أيام عمله الأولى في البيت الأبيض، ويقول: «أولاً وقبل كل شيء، كانت هناك طلبات كثيرة لإجراء مقابلات شخصية مع السيد الرئيس... الكثير للغاية من الطلبات... حتى على الصعيد المحلي. لا يجب أن ننسى أنه لم يُجر أي حديث إذاعي لفترة طويلة... لقد كانت أول مقابلة إذاعية له في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017». ويتابع: «لم نقم بأي رحلات خارجية حتى فصل الصيف... كانت هناك رحلتان خارجيتان فقط (خلال فترة عمل شون سبايسر في البيت الأبيض): إحداهما كانت إلى المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط، والرحلة الثانية كانت إلى مجموعة الدول السبع الصناعية».
ويوضح: «برغم ذلك، كان لزاماً عليَّ أن أخبر السيد الرئيس أن هذه الرحلات الخارجية سببت غضباً لدى وسائل الإعلام الأجنبية التي طلبت مقابلات حصرية قبل قيامنا بهذه الرحلات الخارجية. لقد شعروا بصفعة كبيرة موجهة إليهم (بسبب امتناع ترمب عن إعطاء المقابلات الخاصة). لقد كان شعار (أميركا أولاً) يتحرك بسرعة فائقة آنذاك». ويتابع الناطق الرئاسي السابق في البيت الأبيض: «إنه أمر صحيح أن الرئيس الأميركي انتخب اعتماداً على (رفعه) شعار (أميركا أولاً). وأعني بذلك أن صداقة الولايات المتحدة مع البلدان الأخرى لا تزال قائمة، لكن الأولوية (لترمب) كانت موجهة حيال العمالة الأميركية في المقام الأول».
التوتر بين واشنطن ولندن
ولكن ماذا عن التوترات التي شهدتها علاقة الولايات المتحدة ببعض أصدقائها بعد تولي ترمب السلطة؟ سألته عن التوتر الذي حصل مع المملكة المتحدة، وإرجاء الرئيس الأميركي زيارته لها، فأجاب: «ما يتناساه الناس في خضم الأحداث هو أن الأمر لا يتعلق بالتصريح الشخصي الذي أصدرته السيدة تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية (انتقادها إعادة نشر ترمب تغريدات لجماعة بريطانية عنصرية)، إذ إن العلاقات بين البلدين أعمق وأكبر بكثير من بعض التغريدات عبر الإنترنت... إن العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قوية وراسخة للغاية. ويحافظ الجانبان على الدوام على قوة العلاقات العسكرية، والتجارية، وغيرها من الأمور. إنها صداقة متواصلة ومستدامة على مختلف الصعد والمستويات».

إسرائيل وقرار نقل السفارة إلى القدس
وتبدو إسرائيل، في المقابل، الصديق الأكثر سعادة بين أصدقاء الولايات المتحدة بمواقف الرئيس ترمب، لا سيما إعلانه عزم الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وهي الخطوة التي أدت بالجانب الفلسطيني إلى رفض الرعاية الأميركية (الحصرية) لأي مفاوضات تتعلق بعملية السلام. وعن هذا الموضوع يقول شون سبايسر: «أعتقد أنه فيما يتعلق بإسرائيل كان هناك الكثير من الكلام - على مدى عقود - بشأن قرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس... ولقد نفّذ الرئيس دونالد ترمب هذا القرار بالفعل! وينبغي على إسرائيل الإقرار بفضله في ذلك. فهذه الأوقات تتعلق بالأفعال أكثر مما تتعلق بالأقوال. لدينا رئيس أميركي ينفّذ ما تعهد به بالفعل. وإن كنا نريد تحقيق السلام حقاً، فعلينا القيام بشيء ما، دعونا نظهر للعرب أننا جادون للغاية في هذه القضية». ويتابع موضحاً: «مجرد اعترافنا بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل لا يعني أننا نُغفل أهمية هذه المدينة بالنسبة للديانات الأخرى».

العلاقة مع «الصديق التركي»
ولا شك أن الصداقة الأكثر تعقيداً هي صداقة الولايات المتحدة مع تركيا. فهذا الحليف العضو في «الناتو» لديه خط ساحلي بالغ الأهمية بالنسبة للقوات البحرية الأميركية، لكنه شرع في التعامل مباشرة مع روسيا وإيران، مما أسفر عن بعض التوتر في العلاقة مع الولايات المتحدة. وفي واقع الأمر، ارتفعت حالة عدم الثقة بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة (لأسباب مختلفة بينها الخلاف على الملف الكردي في سوريا، وقضية الداعية فتح الله غولن)، لدرجة أن الأتراك لم يعودوا يفكرون سوى في التواصل المباشر بين الرئيس دونالد ترمب والرئيس رجب طيب إردوغان، وذلك راجع بالأساس إلى الرسائل المختلطة غير الواضحة التي تأتي من مصادر أميركية متنوعة، بحسب ما يقولون. ويعلّق سبايسر على هذا الأمر بالقول: «أعلم ذلك، قد يبدو الأمر على هذه الشاكلة... ولكن هناك عدة حقائق مؤكدة يدركها مسؤولو الإدارة الأميركية عند الإدلاء بالتصريحات الرسمية على أعلى مستوى في البلاد. إنهم يعلمون أن تركيا والولايات المتحدة من الحلفاء في (الناتو). وهم يعلمون أن روسيا وإيران من الدول التي يتعين على الولايات المتحدة مواجهتها عسكرياً في المنطقة».
وانطلاقاً من الحديث عن العلاقات المعقدة للولايات المتحدة ببعض أصدقائها، يأتي الحديث عن العلاقة مع الصين، التي تعتبر ذات أهمية قصوى فيما يتصل بالتهديدات القائمة من جارتها كوريا الشمالية. يقول سبايسر: «إن أكبر شيء يمكننا فعله إزاء الصين هو وضع حد للديون المتزايدة! لا بد لنا من الاعتراف بأن الصين تزيد من قدراتها وإمكاناتها العسكرية أيضاً. أجل، لا بد أن ننتبه إلى ذلك جيداً. لكن المفتاح الرئيسي هو الاقتصاد. يتعيّن علينا إدراك كيف أن القوة الاقتصادية التي توفرها ديوننا تمنحهم الميزة المطلوبة لديهم. إنها رسالة من المهم للغاية أن نبعث بها إليهم».

التجارة الدولية
وبرز في الأيام الماضية ملف التجارة الدولية بعدما فاجأ الرئيس ترمب بعضاً من كبار مستشاريه الماليين وحلفائه الجمهوريين بإعلانه فرض تعريفات جمركية جديدة على واردات الصلب والألمونيوم، وهو أمر أثار حفيظة كثيرين ممن اعتبروه بمثابة إعلان حرب تجارية على الآخرين. ويقر شون سبايسر بأن قرار ترمب أثار بلبلة في أميركا نفسها، قائلاً: «بكل وضوح، هناك حالة من القلق العميق بشأن الوظائف في الولايات المتحدة مقابل العمالة الرخيصة خارج الولايات المتحدة. ولقد أجرينا هذه المناقشات عندما كنت أعمل في منصبي بالبيت الأبيض. ومع ذلك، لا بد أن نتوخى الحذر. لا ينبغي علينا إشعال الحروب التجارية مع الآخرين. فسوف تفرض الدول الأخرى التعريفة الجمركية على منتجاتنا بدورها، وإن ألحقنا بهم الضرر بفرض التعريفة الجمركية على (صادراتهم من) الصلب والألمونيوم، فسوف ينتقمون بفرض التعريفة الجمركية على المنتجات التي نصدّرها إليهم. إننا جميعاً أعضاء في منظمة التجارة العالمية، ومن الأفضل دائماً محاولة الحصول على أفضل الصفقات. وهذه الأمور لا تحدث هكذا بين عشية وضحاها». «بين عشية وضحاها» هو التوصيف الدقيق من جانب شون سبايسر لانتقاله من منصب المتحدث الرسمي باسم اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري إلى عالم المشاهير المحيطين بالرئيس دونالد ترمب. وهو كوكب مختلف بالكلية، حيث يُعرف اللاعبون فيه بأسمائهم الأولى على الصعيد العالمي. ولقد بدأ الأمر مع إيفانا (التي اخترعت «ذي دونالد»)، واستمر مع ميلانيا، وإيفانكا، وأوماروزا (صديقة ترمب التي انتقلت من برنامج «ذي ابرنتيس» إلى البيت الأبيض). أما شون سبايسر فتحوّل إلى شون «الحار!»، أو الشخصية ذات الشهرة العالمية في برنامج لم تتحدد قواعد العمل فيه بعد! يعلّق سبايسر على ذلك بالقول: «كلا، لم أجهّز نفسي أبداً لمثل هذا الأمر (عندما انتقل للعمل في البيت الأبيض). لم أفكر مطلقاً في أن أكون من المشاهير. لقد حدث الأمر بسرعة فائقة. في البداية، لم أكن أحب أن تصريحاتي الصحافية تُعرض وتُنشر في كل مكان حول العالم. ولا أعتقد أن أياً ممن شغلوا منصب السكرتير الصحافي للبيت الأبيض كانوا يهتمون بأن جلساتهم الإخبارية سوف تنشر وتذاع في كل مكان على سطح الكوكب».
ويضيف: «خلال الشهور القليلة الأولى، كنت غارقاً حتى أذني في العمل داخل البيت الأبيض، وبالتالي لم تكن لدي فكرة عن الأمر. ولكن بعد ذلك، اصطحبت أطفالي للتنزه، ثم بدأ الناس في التعرف عليَّ في الشوارع. كانوا يوقفونني في المتاجر ويطلبون من أطفالي أن يلتقطوا صوراً للناس معي. أعني - حتى ذلك الحين، عندما كان أحد المارة ينطق باسمي في الشارع، كنت ألتفت إليه على افتراض أنه يعرفني معرفة شخصية. ولكن وعلى نحو مفاجئ، بدا الأمر وكأن الجميع، بلا استثناء، على معرفة بي!! وكل منهم له رأيه الخاص في شؤون السياسة. لم يتعرض سكرتير صحافي للبيت الأبيض لذلك القدر من الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها من أول يوم لي في العمل». وقد تحوّل سبايسر في الشهور الماضية إلى مادة ثرية للكوميديا، خصوصاً بعد تقليد شخصيته في برنامج «ساترداي نايت لايف» من قبل ممثلة هوليوود الشهيرة ميليسا مكارثي. ويقول شون عن ذلك: «أعتقد أنك على حق. لقد ضحكت كثيراً على ذلك العرض ومشاهدة ميليسا مكارثي تفعل ذلك. وفي بعض الأحيان، كانت في ذروة أدائها الفني. وأستطيع أن أقول إنني لو أردت أن أضرب مثالاً عن مجمل تجربتي داخل البيت الأبيض فإن بشرتي - من كثرة السخرية والانتقادات - قد صارت أشبه بالدرع البشري».



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.