«بيكلز»... أشهر كلب في عالم الكرة

عثر على كأس العالم المسروقة عام 1966 بعد عجز الشرطة البريطانية عن إيجاد أثر لها

الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
TT

«بيكلز»... أشهر كلب في عالم الكرة

الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً

في شهر مارس (آذار) من عام 1966 سُرقت كأس العالم في العاصمة البريطانية لندن قبل أشهر قليلة من انطلاق المونديال؛ وهو ما أصاب مسؤولي الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بحالة من الذعر والارتباك، وأصدروا بياناً قالوا فيه: «يعبر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عن بالغ أسفه لوقوع هذا الحادث المؤسف، وهو الحادث الذي من شأنه أن يؤدي حتماً إلى التشكيك في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وفي هذا البلد ككل».
وفي الحقيقة، كان هذا البيان محقاً في الجملة الأخيرة، حيث سرعان ما شككت البلدان الأخرى في قدرة بريطانيا على حماية الكأس الأغلى في عالم لعبة كرة القدم، فقال الرئيس الشرفي للاتحاد الفنلندي لكرة القدم، إريك فون فرينكل: «أنا غاضب للغاية مما حدث!»، في حين كان رئيس الاتحاد البرازيلي للرياضة، أبرين تيبيت، أكثر حدة وقال: «حتى اللصوص البرازيليون يحبون كرة القدم، ولن يرتكبوا أبداً هذا التدنيس! لم يكن هذا الأمر ليحدث أبداً لو كان كأس العالم في البرازيل». لكن ما حدث بعد ذلك هو أن كأس العالم قد سرق من البرازيل عام 1983 في أبلغ رد على تصريحات أبرين الحادة.
ومع ذلك، يمكنك تفهم مشاعر الغضب التي كانت موجودة آنذاك. وبالعودة إلى الماضي، لم تكن الترتيبات الأمنية كافية لحماية كأس «جول ريميه» الذهبية التي يصل طولها إلى 12 بوصة والموضوعة بدقة على قطعة كبيرة من اللازورد. ووافق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على عرض الكأس في معرض طوابع في القاعة المركزية في وستمنستر (القصر الذي يجتمع فيه أعضاء البرلمان البريطاني) بشرط أن تُعرض الكأس في صندوق زجاجي، وتتم حراستها على مدى 24 ساعة. ولم يكن هناك أي شعور بالقلق في الوقت الذي كانت تسير فيه الترتيبات على قدم وساق لاستضافة كأس العالم الثامنة لكرة القدم.
وتم الوفاء بكل الشروط بدقة شديدة. وقال رئيس المعرض سيسيل ريتشاردسون: «كانت تعليماتنا هي وضع الكأس تحت الملاحظة الشخصية، وبالتأكيد خلال الفترة التي يكون فيها المعرض مفتوحاً، خلال النهار. كان لدينا حارسان يقفان إلى جانب الكأس طوال الوقت». واعتقاداً منهما بأن الكأس لن تتعرض للسرقة عندما يكون المعرض مغلقاً، لم يقف الحارسان بجانب الكأس في صباح الأحد الموافق 20 مارس وتركاها بلا مراقبة. وعلى الرغم من إقامة قداس في جزء آخر من المبنى، تم إغلاق معرض الطوابع نفسه. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن هناك سوى لوح خشبي عبر الباب في الجزء الخلفي من القاعة وقفل صغير على الواجهة، وكأن هذه الإجراءات الأمنية كانت كافية لحماية الكأس الأغلى في عالم اللعبة الشعبية الأولى في العالم!
وفي جولة التفتيش المنتظمة الساعة 11 صباحاً في ذلك اليوم كانت الكأس موجودة في مكانها، لكن بحلول جولة التفتيش الثانية في منتصف النهار كانت الكأس قد اختفت تماماً. وعثر على اللوح الخشبي ملقى على الأرض جنباً إلى جنب مع اثنين من المسامير التي كانت تثبته على الجدار، كما كسر القفل الذي كان على الواجهة. وقال أحد الحراس إنه رأى شخصاً غريباً «نحيل الجسم ذا شعر أسود اللون وشفاه رفيعة» يحوم حول القاعة بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً مباشرة.
وقد أصر رئيس شركة «ألسا - غارد لخدمات الأمن»، وهي الشركة التي استأجرها المعرض لحراسة كأس العالم، على أن حارسها كان في مكانه «إلى جانب القفص الزجاجي تماماً». لكن عندما تم الضغط عليه، ظل يراوغ وقال: «انظروا يا شباب، لا تحاولوا أن تربطوني بتفاصيل جغرافية». وأصر ريتشاردسون، مدير المعرض، هو الآخر على أنه «لم يحدث أي خطأ، فقد سرقت الكأس فقط»، مشيراً بطريقة فلسفية إلى أن «هناك مجالاً للخطأ البشري لدينا جميعاً، وربما يكون قد وقع خطأ بشري صغير».
وقد كانت عملية البحث عن الكأس هزلية بالدرجة نفسها أيضاً. وقال كبير مفتشي منع الجريمة، باترسون: «لدينا أكثر المحققين ذكاء في شرطة العاصمة. ويأمل منظمو كأس العالم أن يكون الأمر كذلك». وسادت حالة من الارتباك والتخبط كل شيء في لندن. وتم الإعلان عن الكثير من المكافآت لمن يساعد في العثور على كأس العالم المفقودة، فأعلنت شركة «جيليت» عن مكافأة قدرها 500 جنيه إسترليني، وشركة «توبليس وهاردينغ» عن مكافآة قدرها 3000 جنيه إسترليني. كما أعلن والتر ماكس، وهو طبيب عظام في لندن عالج الكثير من لاعبي كرة القدم على مدى أكثر من ربع قرن من الزمان، عن مكافأة قدرها 150 جنيهاً إسترلينياً من الذهب. ووعد تومي تريندر، رئيس نادي فولهام، بتقديم 1000 جنيه إسترليني لأي شخص محظوظ يعيد إليه الكأس.
في هذه الأثناء، تلقى رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، جو ميرز، اتصالاً يوم الاثنين 21 مارس من قِبل شخص يدعى جاكسون يطلب منه 15 ألف جنيه إسترليني مقابل إعادة الكأس المسروقة. وطلب جاكسون الحصول على الأموال من ميرز في لقاء يوم الجمعة الموافق الخامس والعشرين من شهر مارس، على أن يعيد إليه الكأس في اليوم التالي. وللأسف، أدى الضغط الكبير الذي تعرض له ميرز في تلك الفترة إلى إصابته بذبحة صدرية، وأصبح طريح الفراش في يوم الاجتماع. ولذا؛ ذهب المفتش والمحقق لين بوغي بدلا منه لمقابلة جاكسون، الذي لم يلاحظ أن حقيبة بوغي، التي كان من المفترض أن تكون مليئة بالأوراق النقدية، تحتوي بشكل أساسي على قصاصات من الصحف القديمة. لكنه لاحظ وجود سيارة قريبة تراقب ما يحدث، وحاول الهرب لكن ألقى القبض عليه، واتضح أن اسمه الحقيقي هو إدوارد بيتشلي، وهو تاجر من حي كامبرويل بلندن، وأدين من قبل في قضية لحوم بقر فاسدة. واتهم بيتشلي بسرقة الكأس، لكنه نفى ذلك بشكل قاطع، مدعياً أن رجلاً يسمى «ذا بول» قد دفع له 500 جنيه إسترليني مقابل أن يقوم بدور الوسيط.
وفي المساء نفسه، اتصل رجل بصحيفة «التايمز» وقال: إن كأس العالم موجودة «في حقيبة بنية اللون في مكتب الأمتعة في منطقة تشارينغ كروس بوسط لندن». لكن ثبت بعد ذلك أن الأمر كان خدعة. ولذا؛ كان السؤال الذي يتردد في جميع أنحاء بريطانيا والعالم هو: أين كأس العالم؟ ولم تكن هناك أي خيوط تؤدي إلى العثور على الكأس المفقودة، باستثناء رجل يدعى ديفيد كوربيت يبلغ من العمر 26 عاماً والذي كان يبحث جاهداً عن كشك لإجراء مكالمة هاتفية لمعرفة ما إذا كان شقيقه قد رزق بمولوده الجديد، وفي الوقت ذاته كان يجر كلبه بيكلز معه.
بدأ الكلب يشم رائحة شيء غير عادي ويتوجه نحوه، ويقول كوربيت عن ذلك: «لاحظت أنه كان يشم شيئاً ما بالقرب من الطريق. نظرت إلى الأسفل ورأيت الكأس. كانت ملفوفة في ورق جرائد. التقطتها وكانت ثقيلة. مزقت نهاية الطرد الموضوعة به ورأيت قاعدة الكأس، ومزقت الطرف الآخر ورأيت الكأس الذهبية! ولم أكن أدرك حتى ذلك الوقت أنها كأس العالم. عدت مرة أخرى إلى القاعدة ووجدت مكتوباً عليها (البرازيل 1962)، وهنا أدركت أنها كأس العالم». أسرع كوربيت إلى المنزل وروى ما حدث لزوجته وتوجها معاً إلى قسم الشرطة وأبلغا عما حدث، وأصر كوربيت على أن «كلبه الصغير بيكلز هو الذي رأى الكأس أولاً».
وأصبح الكلب بيكلز بطلاً قومياً بين عشية وضحاها، وحصل على ميدالية فضية من قبل الكولونيل ألكسندر هندريك، سكرتير الرابطة الوطنية للدفاع عن الكلاب، في حفل فاخر في فندق كنسينغتون. كما حصل على طبق من الفضة به مبلغ قدره 53 جنيهاً إسترلينياً هدية من موظفي الفندق، بالإضافة إلى منحه مواد غذائية مجانية لمدة عام كامل، كما لعب دور البطولة في فيلم سينمائي بعنوان «ذا سباي ويز ذا كولد نوز» أو (الجاسوس ذو الأنف البارد)، وحصل على أجر في هذا الفيلم يفوق ضعف أجر الكلب العادي.
وبعد فترة أطول قليلاً، قال ميرز: إن كوربيت هو الشخص الذي يستحق المكافآت التي أعلن عنها لمن يعثر على الكأس المفقودة.
وفي نهاية المطاف، حصل كوربيت على مكافآت مالية قدرها 6.000 جنيه إسترليني، في الوقت الذي حصل فيه كل لاعب في المنتخب الإنجليزي الفائز بلقب كأس العالم عام 1966 على مكافأة مالية قدرها 1360 جنيهاً إسترلينياً! وللأسف، لم يشاهد ميرز نجم المنتخب الإنجليزي بوبي مور وهو يرفع كأس العالم؛ لأنه توفي عشية انطلاق البطولة عن عمر يناهز 61 عاماً. وسيكون من الصعب أن نتذكره فقط لدوره المؤسف في هذا الفشل، ويكفي أن نعرف أنه كان الرجل المسؤول عن الأمن لغرفة العمليات السرية لرئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل في «وايت هول» خلال الحرب، وقد أدى هذه المهمة بشكل جيد.
كما جاءت نهاية الكلب بيكلز مبكرة أيضاً، حيث مات أثناء مطاردة إحدى القطط في عام 1967، أما بالنسبة لكأس العالم نفسها، فقد سرقت مرة ثانية عام 1983 من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، بعد أن حصلت عليها البرازيل للأبد بعد فوزها بالبطولة للمرة الثالثة عام 1970، ولم يتم العثور على الكأس مرة أخرى، وربما يكون السارق قد أذابها! لكن ما نود أن نعرفه الآن هو رد فعل رئيس الاتحاد البرازيلي السابق أبرين الذي قال: إن كأس العالم لم تكن لتسرق لو كانت موجودة في البرازيل!
قصة سرقة نسخة كأس العالم 1966 كانت ضمن أغرب قصص الساحرة المستديرة على مر التاريخ بعد أن قام شخص مجهول في 20 مارس بسرقة كأس البطولة وسط غياب أمنى من قبل الشرطة الإنجليزية التي فرضت حالة من الطوارئ داخل وسائل النقل والمواصلات في أرجاء لندن كافة للعثور على الكأس. خيم الحزن على شوارع لندن عقب سرقة نسخة الكأس الأغلى في العالم قبل انطلاق منافسات البطولة؛ ما أثار حالة من الذعر داخل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الذي وقع في مأزق كبير مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عقب هذه الواقعة.


مقالات ذات صلة

القطط والربو: علاقة مثار جدل يحسمها العلم

صحتك  بعض المرضى أفادوا بأن التعرض لوبر الحيوانات قد يُحفّز نوبات الربو (رويترز)

القطط والربو: علاقة مثار جدل يحسمها العلم

ينتشر بين الناس كثير من المعتقدات المرتبطة بتربية الحيوانات الأليفة خصوصاً القطط وغالباً ما يُربط ذلك بمخاوف صحية

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
يوميات الشرق موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

تُعدّ التفاعلات المباشرة بين البشر والحيوانات البرية في المواقع السياحية من أبرز عوامل الجذب للزوار، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر حقيقية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق امرأة تحمل كلباً في ولاية ويسكونسن الأميركية (رويترز)

ما أفضل الطرق لمساعدة كلبك على العيش لفترة أطول؟

يرغب معظم مُلّاك الكلاب في منح حيواناتهم الأليفة حياة طويلة وصحية إلا أن تحقيق ذلك لا يعتمد على الحب والرعاية اليومية فقط بل يتطلب فهماً أعمق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم «دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

استخرج العلماء حيواناً مجهرياً أطلقوا عليه اسم «دودة الزومبي» من التربة الصقيعية في سيبيريا، ثم قاموا بإذابة الصقيع، وراقبوا الحيوان وهو يستيقظ ويتكاثر.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.