على مدار عام كامل، واجه فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى في البيت الأبيض رياحاً عاتية عصفت بهم تارة، وعاودت الهدوء عن اجتياحهم تارة أخرى. وفي كلتا الحالتين، فإن وسائل الإعلام والصحف الأميركية كانت سيد الموقف، بل يعتبرها البعض المسبب الرئيسي في تلك العواصف. وخلال الـ12 شهراً الأولى في الفترة الرئاسية، غادر البيت الأبيض 15 شخصاً من مختلف المناصب، من مدير وكبير الموظفين دينيس بربايوس، وصولاً إلى ديفيد سورنسن كاتب الخطابات الرسمية، وأخيراً هوب هيكس مديرة الاتصالات السابقة. كما زادت التكهنات أخيراً حول احتمالية مغادرة هيربرت مكماستر مستشار الرئيس للأمن القومي البيت الأبيض، ليبقى السؤال الشائع: من الشخصية القادمة التي ستلحقها العاصفة وتخرج من القاطرة الرئاسية؟
حالة «الفوضى» التي يمر بها البيت الأبيض، كما وصفتها بعض وسائل الإعلام الأميركية، مثل شبكة «سي إن إن»، زادت من وتيرة الشائعات والأخبار بين أفراد الفريق الرئاسي، إذ أفادت بعض المواقع الإلكترونية أن احتمالية خروج هيربرت مكماستر مستشار الرئيس للأمن القومي، أو دونالد ماكغين المستشار الاقتصادي، من البيت الأبيض واردة بشكل كبير. وبعد أن أعفى الرئيس ترمب رينس بريبوس، واستبدل به جون كيلي، في يوليو (تموز) الماضي، حاول الجنرال المتقاعد فرض المزيد من الصرامة على عمل الموظفين في البيت الأبيض، بيد أنه لم ير أي فائدة بالنسبة لأولئك الذين رأوا أنهم متمسكون بموقفهم رافضين التغيير، أو كما يصفهم البعض بالمشاغبين، مثل أنتوني سكاراموتشي وستيف بانون، فكان مصيرهم الخروج فوراً من البيت الأبيض. ولكن عندما يتعلق الأمر بجاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس، الذي كان لديه مميزات لا حدود لها على ما يبدو، اتخذ كيلي مساراً مختلفاً معه، إذ قلّص من أعماله وصلاحياته، ولم يطرده أو زوجته من حول الرئيس، كبقية المغادرين من قبل. على العكس، قلّص من صلاحياتهم، وسمح لهم بمواصلة أعمالهم ومناصبهم في البيت الأبيض.
وفي حين يسعى البيت الأبيض لتخطي مصاعبه، يواجه جاريد كوشنر اتهامات جديدة حول تعاملاته المالية مع حكومات أجنبية. كما أعلن الكونغرس عن إجراء تحقيق في التصاريح الأمنية الممنوحة لموظفي البيت الأبيض. وحصل هذا الأمر بعد أن أقر كيلي بأن تعامل إدارة ترمب خلال الفترة السابقة مع المعلومات المصنفة سرية وحساسة لم يكن بالمستوى المطلوب، وأن ما بين 35 و40 من موظفي البيت الأبيض يملكون تصاريح للاطلاع على وثائق بالغة السرية، دون أن يكونوا بحاجة إلى ذلك.
وقال: «فيما يتعلق بالتعاطي مع المستندات السرية»، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، فإن البيت الأبيض «لم يكن بالمستوى الذي اختبرته»، وأضاف: «لا شيء غير قانوني»، مستطرداً: «لكنه لم يكن بالمستوى المطلوب». وبين وابل الفضائح هذه، ورئيس غاضب جاهز للخروج عن النص، فإن السؤال الأكثر تداولاً في واشنطن، وفي دوائر البيت الأبيض، هو: «إلى متى سيستمر ذلك؟».
وردّت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، من خلال قناة «فوكس نيوز»، على الأصوات التي تصف حالة البيت الأبيض بالفوضى، أمس، قائلة إن ذلك يعد نضوجاً ونجاحاً، على عكس ما يثار.
ويقول مات غلاسمان، الكاتب السياسي الأميركي، في إحدى مقالاته في صحيفة «نيويورك تايمز»، إن سوء إدارة البيت الأبيض، وسمعة بعض الموظفين المهنية السيئة، كانت مثار جدل كبير صاحب كل الرؤساء السابقين، إلا أن الفارق بينهم وبين الرئيس ترمب هو أن الأخير واجه كل تلك المشكلات خلال العام الأول من فترته الرئاسية الأولى، مرجعاً ذلك إلى صعوبة التكيف مع متطلبات السلطة في البيت الأبيض، والمجتمع السياسي في واشنطن.
وأشار غلاسمان إلى أن بعض الرؤساء السابقين لم يسلموا أبداً من البداية الكارثية، مثل الرئيس جيمي كارتر، إلا أنه من حسن حظ ترمب وجود الجنرال جون كيلي إلى جانبه، الذي نجح في وقف تدفق المعلومات، وإزالة كل من يُعتقد أنهم سبب في وصول التسريبات إلى وسائل الإعلام، وأضاف: «ما هو مهم ليس أن ترمب غاضب، أو يعتقد أنه لا يتلقى الخدمة الممتازة من قبل الموظفين، بل ما هو مختلف هذه المرة هو أن 3 ممن يثق بهم ابنته إيفانكا، وصهره جاريد كوشنر، ومساعدته لشؤون الاتصالات والتواصل هوب هيكس، واجهوا انتقادات حادة خلال هذا الأسبوع، إضافة إلى المشكلات التي وضعتهم في مواقف ضعيفة، وأجبرت هيكس على مغادرة البيت الأبيض؛ الأكيد أن هذا يؤثر على أداء الرئيس ترمب ومن حوله».
كل ذلك يعني أن ترمب يواجه مرحلة صعبة، ومن أخطر المراحل والمشكلات في رئاسته، إذ جعلته يرى كل من يثق فيهم من حوله يتساقطون تباعاً، إضافة إلى مواجهة التحقيقات في التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية، التي أطاحت برئيس حملته ومساعده، وتقترب نوعاً ما إلى المكتب البيضاوي يوماً بعد يوم.
ومن جانب آخر، تسببت تصريحات مفاجئة لترمب، تنذر بحرب تجارية عالمية، ومطالبته بوضع ضوابط على الحق الدستوري الذي يجيز حيازة أسلحة، بانشقاقات بين الرئيس المتقلب الرأي ومؤيديه الجمهوريين، وبمضاربات سريعة في الأسواق المالية، كما دفعت أطرافاً عدة إلى التهديد بفرض عقوبات انتقامية على واشنطن.
وكتب ترمب على «تويتر» الجمعة: «عندما تخسر دولة (الولايات المتحدة) مليارات الدولارات في التجارة مع كل دولة تتعامل معها فعلياً، فإن الحروب التجارية تصبح جيدة وسهلة الربح».
وجاءت تغريدات ترمب بعد ساعات على تسديده ضربة للجمهوريين، باقتراحه رفع السن القانونية لحيازة السلاح، وتشديد إجراءات التدقيق في خلفية مالكي الأسلحة، ومصادرة بعض الأسلحة دون الرجوع للقانون. وحرص الجمهوريون على إبداء تساهل كبير مع خطاب ترمب، لكن «بدعة» الأسلحة تخطت الحدود بالنسبة لكثيرين. وقال السيناتور الجمهوري بن ساس، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية: «القادة الأقوياء لا يوافقون بشكل تلقائي مع آخر شيء يقال لهم».
والخميس، اضطر ترمب نفسه للخروج من الورطة إلى استقبال ممثلين عن الجمعية الوطنية للبنادق، مجموعة الضغط القوية، ووصف اجتماعه بهم بـ«الجيد والرائع». وتقول مصادر إن ترمب دعا السيناتور الجمهوري جون كورنين، الذي يقف وراء القانون المؤيد لحيازة الأسلحة، إلى التحرك، فيما سعى مساعدو ترمب إلى التراجع عن تصريحاته.
موظفو البيت الأبيض يعيشون حالة «توجس»
السؤال: من الشخصية التي ستغادر قريباً؟
الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)
موظفو البيت الأبيض يعيشون حالة «توجس»
الرئيس ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء شركات تعمل في الصلب والألمنيوم (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




