كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات» يكشف عن حقائق مخبأة

يتناول مشوار 12 فنانة في بدايات ولادة الأغنية اللبنانية

كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية»
كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية»
TT

كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات» يكشف عن حقائق مخبأة

كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية»
كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية»

نور الهدى وصباح وسهام رفقي ونورهان ونهوند وسعاد محمد ونجاح سلام، إضافة إلى نازك وزكية حمدان وحنان وأوديت كعدو وبهية وهبي (وداد)، هنّ بطلات كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية» لمحمود الزيباوي وأسعد مخول.
هؤلاء الفنانات الـ12 اللاتي واكبن بداية ولادة الأغنية اللبنانية قبل انطلاق النهضة الموسيقية والغنائية في منتصف الخمسينات، يشرّح الكتاب المذكور مسيرتهن بتفاصيلها الدقيقة كاشفا عن حقائق مخبأة عنهن تتعلق بمسيرتهن الفنية والشخصية لم يسبق أن أُعلن عنها حتى من قبل صاحباتها. ولم يتوان الكاتب الزيباوي وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» بوصفهن بـ«المنافقات» إذ كنّ يصرّحن بعكسها، وحتى أنّ منهن من كانت تحاول أن تصدق كذبتها عندما كانت تختلق تواريخ ولادتها حينا وتخفي أسماء أزواج سابقين حينا آخر، كما كانت تخترع حرب داحس والغبراء بينها وبين فنانة أخرى مدعية بأنّها تزاحمها على مكانتها. ولعل الراحلة صباح ودائما حسب ما يقوله الكاتب، كانت تشكّل الحالة الاستثنائية بين هؤلاء إذ شذّت عن هذه القاعدة من خلال وضوحها وصراحتها وشخصيتها القوية. «إنّها الوحيدة التي استطاعت أن تشق طريقها في الفن بقوة فكانت الأذكى بينهن». ويضيف الكاتب محمود الزيباوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تشكل عقدة لكثيرات منهن حتى أنّ الملحنين في تلك الفترة الذين كانوا يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، ذاع صيتهم من خلالها، على الرّغم من أنّهم كانوا يعطون ألحانهم أيضا للفنانات الأخريات». ويذكر الكاتب في مدونته التي شاركه فيها العميد أسعد مخول متوليا مهمة التحدث عن الملحنين في تلك الحقبة، بأن صباح ذهبت إلى مصر في عام 1944 حيث مثّلت أول فيلم لها ولتلحقه بأربعة أفلام أخرى مرة واحدة للنجاح الذي حققته. وفي العام الثاني (1945) قدمت 6 أفلام سينمائية، لتكر السبحة بعدها، ويصبح عددها في مجمل مشوارها الفني 86 فيلما. «لقد كانت سيدة قراراتها وواثقة من نفسها، حتى أنّ الصحافي الراحل فايق خوري الذي ترأس تحرير «مجلة الإذاعة» في إذاعة لبنان الرسمية، ذكر في واحدة من مقالاته بأنّ صباح تقدّمت لامتحانات الدخول إلى الإذاعة المذكورة ثلاث مرات ولم تُقبل وأنّها كانت في كل مرة تخرج من تجاربها تلك وهي تضحك». ومن الأخطاء الشائعة التي تصحّحها محتويات كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات»، تلك التي تتعلق مثلا بالمغنية وداد. «إنّ اسمها الحقيقي بهية وهبي. تزوجت لأول مرة من أحد العازفين المعروفين في الفرقة الموسيقية لأم كلثوم، إلّا أنّ هذا الزواج لم يسجّل رسميا باعتبارها كانت قاصرا وقد استعيدت يومها من قبل ذويها. ثم عادت وتزوجت وتطلقت من عبد الجليل وهبي 4 مرات ولم تعترف بذلك يوما. حتى أنّها عندما تزوجت من الموسيقي توفيق الباشا حصل جدال ما بين المحكمتين السنية والشيعية كون وضعها العائلي لم يكن واضحا». أمّا الفنانة نازك فهي لم تعتزل الفن في أواخر الخمسينات كما يشاع عنها، إذ تبين أنّها بقيت تغني حتى عام 1977. وكان آخرها أغنية لحنها لها حليم الرومي. ويطول الحديث مع الكاتب الزيباوي عن الراحلة نور الهدى فيقول: «حاولت جاهدة أن تشق نور الهدى طريقها إلى الشهرة من مصر أسوة بصباح، ولكنّها لم تفلح». ولكن يتردد بأنّ والدها كان يقف حجر عثرة في طريقها؟ يرد: «هذا الأمر ليس صحيحا إذ حتى بعد وفاته لم تحقق أي نجاحات تذكر».
ويستعرض الكتاب الذي دعت جمعيّة «عِرب» و«دار النمر» للفن والثقافة إلى حضور محاضرة موسيقيّة بمناسبة صدوره بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وضمن تفاصيل سيرة كل واحدة من هذه النجمات، المواقع التي كانت تشكّل مسرحا لظهورهن الفني، مثل المسارح وإذاعات الشرق الأدنى في بيروت ودمشق بشكل خاص. كما يلاحق أخبار من ظهرت منهن في أفلام سينمائية سواء أُنتجت في لبنان أو في مصر، مع نشر عدد وافر من ملصقات تلك الأفلام اللبنانية والمصرية. وعن الفرق بين نجمات تلك الحقبة واليوم يوضح: «لا مجال للمقارنة بين الحقبتين فلقد كانت تلك الفترة غنية بالأصوات الجميلة وكانت الإذاعات أهم منبر تطل منه تلك النجمات على جمهورها وتتواصل معه (ما بين دمشق وحلب وبيروت وفلسطين والعراق)، في ظل عدم وجود التلفزيونات يومها. كما كانت الإذاعات تلعب دور شركة الإنتاج من خلال عدد من الملحنين والشعراء الذين تتعاون معهم من دون غيرهم، فتوزع أعمالهم على هؤلاء الفنانات».
ويذكر الكاتب في المقدمة القصيرة لكتابه، أسماء بعض النجمات الأقل أهمية من غيرهن في تلك الحقبة مثل تغريد الصغيرة وكهرمان وعفاف. ويشدّد على أهمية الكتاب من ناحية توثيقه المعلومات التي يحتويها ويقول: «سيكون بمثابة مرجع موثق يحكي عن هذا الجيل من الفنانات، وهو أمر لا يمكن أن نجده على الصفحات الإلكترونية ولا سيما (غوغل)». ويستطرد: «اكتشفت أنّ مجمل المعلومات الموجودة في هذا الإطار هي خاطئة ولا يجب الاستعانة بها بتاتا، وهو ما أوصي به طلابي في الجامعة حيث أدرس مادة (تاريخ الفن وآثاره)». ورصد محمود الزيباوي مجمل معلومات الكتاب من مجلات قديمة وفي مقدمهم «مجلة الإذاعة» اللبنانية (كانت تصدر عن إذاعة لبنان الرسمية)، وكذلك عن برامجها المسجلة وجداول حفلاتها الغنائية المباشرة وغيرها. كما سافر إلى مصر وبحث في أرشيف مجلات فنية قديمة مثل «أخبار الشرق» و«روز اليوسف»، ووقف على مقالات لعدد من كتاب صحافة الفن في تلك الفترة أمثال محمد علي فتوح (تزوجته الفنانة نجاح سلام لاحقا)، وفايق خوري الذي وجد بعض أعداد المجلة التي كان يترأس تحريرها (مجلة الإذاعة) في إحدى الأسواق الشعبية في بيروت (سوق الأحد). وكذلك استعان بالـ«المكتبة الوطنية» بعد موافقة مسبقة من وزير الثقافة في لبنان يومها. «تخيلي أنّ هناك بعض النجمات اللاتي اشتهرن من دون إجراء أي مقابلات إذاعية معهن في تلك الفترة أمثال نور الهدى من جيل الأربعينات وأسمهان من الجيل الأسبق (في الثلاثينات). فهذه الأخيرة كان مشوارها الفني قصيراً جداً ولا يتجاوز عدد أغانيها الـ15، فيما مثلت فقط في فيلمين سينمائيين. حتى أنّها تعاونت مع ملحنين قلائل وفي مقدمهم شقيقها فريد الأطرش ورياض السنباطي ومدحت عاصم. واللافت أنّ شهرتها الكبيرة حصدتها إثر وفاتها في عام 1944. عندما تحولت إلى أسطورة فنية حقيقية».
ويؤكد الكاتب أنّ غالبية تلك الفنانات لم تعتزلن الغناء في وقت باكر كما يدّعين بل إن بريقهن انطفأ بسرعة كما ذكية حمدان التي عانت من قلة الطلب عليها وكذلك سعاد محمد التي لم تتفرغ لفنها بل لعائلتها وكانت تلقب بـ«المطربة الحامل» (أنجبت 10 أولاد)، على الرغم من أنّها نصّبت نفسها خليفة أم كلثوم. «نورهان وأحلام وسهام رفقي انطفأ نجمهن أيضا بعدما تزوجن. أمّا نازك وعلى الرّغم من أنّ ملحنين كثرا قدموا لها ألحانا جميلة إلّا أنّها لم تنجح فانكفأت وحدها عن الغناء، فيما نور الهدى الذي قال عنها الكاتب الراحل إحسان عبد القدوس في أحد كتبه بأنّها كانت سجينة والدها حارسها الصارم نقولا بدران، فهي وردا على سؤال أحد الصحافيين في مجلة «الفن» عما إذا كانت متزوجة قالت «إني متزوجة أبي»، فقد انتهى زمنها بسرعة البرق. وبالنسبة لنجاح سلام ورغم محاولاتها المتكررة إلّا أنّها لم تستطع إطالة عمرها الفني». وعما إذا كانت الحقائق التي ذكرها تسببت له بمشاكل معينة مع أقرباء تلك الفنانات أجاب محمود الزيباوي: «أبدا لأنّ كل ما كتبته من معلومات جاء موثقا لا غبار عليه، خصوصا أنه استغرق منّي عملاً طويلاً، بدأته في عام 2011».
وأرفق مع كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات»، 4 أسطوانات مدمجة تحمل اثنتان منها أغاني من الطابع اللبناني لحنها فيلمون وهبي ونقولا المني وسامي صيداوي. فيما تتضمن الثالثة ألحانا لخالد أبو النصر قدمتها فنانات ذلك الجيل أمثال نور الهدى ونازك وزكية حمدان، إضافة إلى الأسطوانة الرابعة التي تحتوي على أغنيات بالمصرية للملحن محمد محسن بأصوات بعض هؤلاء الفنانات كبهية وهبي ونورهان.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.