جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

الرئيس الروسي والحلفاء يتطلعون إلى طرق تخفف من خسائرهم

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
TT

جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)

بعد شهرين فقط من إعلانه «النهاية الناجحة للعمليات العسكرية في سوريا»، ربما يتطلع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طريق تجعله يخفف من وطء أقدامه على الأرض التي مزقتها الحرب، من دون التخلي عن مكاسبه التي جناها هنا. ويعتقد المحللون أن بوتين يتطلع إلى تنفيذ ما يعرف بـ«تربيع الدائرة».
بالطبع جاءت إحدى علامات التغيير الممكن مساء السبت الماضي عندما قطعت روسيا دائرة الفيتو التي دامت 6 سنوات بمجلس الأمن، بتصديقها على قرار كويتي - سويدي يدعو لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوما في الغوطة الشرقية؛ إحدى ضواحي دمشق التي تعرضت لقصف متواصل؛ سواء من الأرض أو الجو، من القوات الروسية والسورية الحكومية. ربما الأهم هو أن بوتين يبدو كأنه قد وافق على حضور قمة في إسطنبول في أبريل (نيسان) المقبل لمناقشة «سبل إنهاء الحرب السورية» مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني. ومن المقرر أن يلتقي وزراء خارجية الحلفاء النظريين الثلاثة في آستانة بكازاخستان في مارس (آذار) المقبل للإعداد للقمة.
ويأمل بوتين في المحافظة على 4 مكاسب مهمة حققتها روسيا بعد دخولها المعترك السوري. المكسب الأول هو عقد الإيجار الذي أبرمه مع رئيس النظام بشار الأسد لتأسيس قاعدتين عسكريتين على الأراضي السورية بموازاة ساحل البحر المتوسط. وستسمح القاعدتان لروسيا بإنشاء أسطول بحري قادر على العمل في المياه الخلفية لبحر أزوف (امتداد البحر الأسود إلى الشمال الغربي)، فيما يمكن لسلاح الطيران الروسي الانطلاق على امتداد شرق المتوسط. ومكسب بوتين الثاني كان الإشارة لعودة روسيا لاعبا إقليميا في الشرق الأوسط ليسد الفجوة التي حدثت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. المكسب الثالث لبوتين هو استئصال جمهورية إيران الإسلامية، بوصفه داعما أجنبيا رئيسيا لنظام الأسد وبوصفه الصوت الأقوى الذي يحدد مستقبل سوريا. المكسب الرابع هو تغيير لهجة الخطاب بشأن تحركات روسيا التوسعية الأخيرة، التي كان من ضمنها ضم أبخازيا، وجنوب أوسيتيا وشبة جزيرة القرم، وتثبيت أقدامها في شرق أوكرانيا.
وبحسب ما أشار بعض النقاد في روسيا نفسها، فقد جاء زهو بوتين بـ«إنجاز أهداف الحملة» قبل أوانه، وهو ما يوضح أن مكاسبه ربما يتضح أنها وقتية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «كومرسانت» الروسية اليومية، فقد بدأت شريحة متزايدة من الرأي العام الروسي في ملاحظة التكلفة المتعاظمة للمغامرة التي تخوضها روسيا في سوريا؛ سواء من ناحية الدماء أو التكلفة المادية. وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجري مؤخرا ونشره الإعلام الروسي، أن ثلث الأصوات الروسية فقط حاليا تساند استمرار التورط الروسي في سوريا، وهو ما جاء رسالة واقعية لبوتين في الوقت الذي يستعد فيه لإعادة انتخابه.
الأسوأ من كل ذلك أن شعبية الدور الروسي في سوريا قد أخذت في التراجع بين مسلمي روسيا الذين يمثلون 20 في المائة من تعداد الفيدراليات الروسية، وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع وتيرة الاعتداءات الإسلامية المسلحة التي شهدتها داغستان، وإنغوشيا، وياكاتينبرغ. وأشارت بعض الأحداث التي جرت مؤخرا إلى أن جميع مكاسب بوتين ربما تكون في خطر.
الآن فقط اعترف صراحة وزير الدفاع في موسكو بـ«الاعتداءات الإرهابية» التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي واستهدفت قاعدة روسية في حميميم نتج عنها تدمير 20 في المائة من الطائرات الحربية المتمركزة هناك، بالإضافة إلى مقتل 9 جنود روس. الرسالة كانت واضحة وهي أن القاعدة التي يسهل استهدافها لا يمكن الاعتماد عليها كأحد عناصر ترسانة في مواجهة العدو.
ورغم أن روسيا كانت قد بدأت المشاركة في الحرب باستخدام الحد الأدنى من الاستثمارات في الصراع السوري، فقد انتهى المطاف بروسيا بنشر 4 آلاف طائرة حربية؛ وعلى الأقل وحدتين من قوات الصفوة الخاصة، بالإضافة إلى عدد غير محدد من المقاتلين المتعاقدين، أو المرتزقة، الذين أرسلتهم الشركات الخاصة. وفي الحقيقة، لم يظهر ميزان الخسائر البشرية الروسية في العلن إلا الآن.
وفي ما يخص عودة روسيا لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، فإن بوتين يواجه احتمال التعثر في المستنقع السوري بلا نهاية واضحة في الأفق، وبذلك لم تفسح روسيا المجال لنفسها لفرض قوتها في أي بقعة أخرى من المنطقة. وقد دعا ستيفان دي ميستورا، وسيط الأمم المتحدة في الملف السوري، موسكو، لتتذكر «التجربة السوفياتية في أفغانستان».
أما مكسب بوتين الثالث، وهو استئصال طهران بوصفها الداعم الرئيسي للأسد، فربما كان كأساً مسمومة. فالإعلام الإيراني الرسمي يلعب بالفعل على نغمة أن على روسيا أن تسدد جزءا من الفاتورة للإبقاء على الأسد في ضاحيته بدمشق. وفي مقالها الافتتاحي، ذكرت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني عبر موقعها الإلكتروني الأسبوع الماضي، أنه «على كل من يتطلع إلى المحافظة على استقلال سوريا ووحدة حكومتها، المساهمة في سداد تكلفة الحملة الشاقة».
وبينما هي مختبئة خلف روسيا، شرعت إيران ببطء في تقليص حجم خسائرها في سوريا، فبحسب نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس أرقاشي خلال كلمة ألقاها في لندن الأسبوع الماضي: «لا يمكن تحقيق نصر عسكري في سوريا». ويأتي هذا التصريح على العكس تماما من كلمات الفخر التي نطق بها الأسد عندما تباهى بـ«تحرير كل شبر من الأراضي السورية» بمساعدة روسيا.
ظهر الاختلاف بين إيران وروسيا واضحا أيضا عندما وجه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اللوم لإيران علانية لحديثها عن «القضاء على إسرائيل». فقد قوبل تصريح موسكو بمساندتها «أمن» إسرائيل بغضب كبير في طهران التي زعم إعلامها الرسمي، ومنه وكالة أنباء «راجا»، أن الاعتداءات الإسرائيلية على مواقع الجيش الإيراني في سوريا كانت بدعم مستتر من روسيا.
إن النجاح في لفت الانتباه بعيدا عن التوسع الروسي أثبت أنه ليس أكثر من إنجاز وقتي، حيث يعمل الاتحاد الأوروبي على إعادة الضغط على روسيا لضمها نحو 20 في المائة من المناطق الجورجية، في الوقت الذي وافقت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب بواشنطن على مد أوكرانيا بكميات جديدة من السلاح للدفاع عن نفسها ضد الاعتداء المدعوم من روسيا.
في الحقيقة، ربما أن عمليات مثل القصف المتواصل لحلب وشرق الغوطة قد زادت من حالة الدعم الشعبي الغربي المطالب باتخاذ موقف معلن مناهض لموسكو.
وحقيقة أن تركيا قد شرعت هي الأخرى في صياغة استراتيجية ذاتية في سوريا ما هي إلا مؤشر لحدود الدور الروسي بوصفه من يصوغ الأجندة في سوريا.
والمعادلة التي تنظر لها موسكو وأنقرة وطهران الآن ما هي إلا نسخة أكثر سخونة من اتفاقيات هلسنكي عام 1975 عندما قامت الديمقراطيات؛ بقيادة الولايات المتحدة، بقبول مبدأ التساوي بين العالم الحر والكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي، وبالتالي الاعتراف بموقع موسكو بوصفها من يصوغ الأجندة في شرق ووسط أوروبا.
احتمالية صياغة «اتفاقيات هلسنكي جديدة»، مع الاعتراف هذه المرة بروسيا لاعبا رئيسيا في جزء من الشرق الأوسط على الأقل، حازت على مديح الدبلوماسيين الروس خلال المؤتمر الأمني الذي عقد مؤخرا بميونيخ، وتحدث أيضا عنها بإسهاب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. وتأمل موسكو في أن تنجح القمة المقررة في تركيا في بلورة الفكرة لتتخذ شكل مبادرة دبلوماسية؛ ومن ثم استخدامها قاعدةً لتأسيس ما يمكن تسميتها «جماعة أصدقاء سوريا» لتضم عدة دول بغرض إحلال السلام والشروع في إعادة بناء الدولة التي مزقتها الحرب. وفي حال حدث ذلك، فربما يحتفظ بوتين ببعض المكاسب التي حققها في الوقت الذي يسعي فيه لخفض تكلفة مغامرته في سوريا.
لكن ربما يكتشف بوتين في النهاية أنه كسب الأسد وخسر سوريا.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.