جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

الرئيس الروسي والحلفاء يتطلعون إلى طرق تخفف من خسائرهم

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
TT

جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)

بعد شهرين فقط من إعلانه «النهاية الناجحة للعمليات العسكرية في سوريا»، ربما يتطلع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طريق تجعله يخفف من وطء أقدامه على الأرض التي مزقتها الحرب، من دون التخلي عن مكاسبه التي جناها هنا. ويعتقد المحللون أن بوتين يتطلع إلى تنفيذ ما يعرف بـ«تربيع الدائرة».
بالطبع جاءت إحدى علامات التغيير الممكن مساء السبت الماضي عندما قطعت روسيا دائرة الفيتو التي دامت 6 سنوات بمجلس الأمن، بتصديقها على قرار كويتي - سويدي يدعو لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوما في الغوطة الشرقية؛ إحدى ضواحي دمشق التي تعرضت لقصف متواصل؛ سواء من الأرض أو الجو، من القوات الروسية والسورية الحكومية. ربما الأهم هو أن بوتين يبدو كأنه قد وافق على حضور قمة في إسطنبول في أبريل (نيسان) المقبل لمناقشة «سبل إنهاء الحرب السورية» مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني. ومن المقرر أن يلتقي وزراء خارجية الحلفاء النظريين الثلاثة في آستانة بكازاخستان في مارس (آذار) المقبل للإعداد للقمة.
ويأمل بوتين في المحافظة على 4 مكاسب مهمة حققتها روسيا بعد دخولها المعترك السوري. المكسب الأول هو عقد الإيجار الذي أبرمه مع رئيس النظام بشار الأسد لتأسيس قاعدتين عسكريتين على الأراضي السورية بموازاة ساحل البحر المتوسط. وستسمح القاعدتان لروسيا بإنشاء أسطول بحري قادر على العمل في المياه الخلفية لبحر أزوف (امتداد البحر الأسود إلى الشمال الغربي)، فيما يمكن لسلاح الطيران الروسي الانطلاق على امتداد شرق المتوسط. ومكسب بوتين الثاني كان الإشارة لعودة روسيا لاعبا إقليميا في الشرق الأوسط ليسد الفجوة التي حدثت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. المكسب الثالث لبوتين هو استئصال جمهورية إيران الإسلامية، بوصفه داعما أجنبيا رئيسيا لنظام الأسد وبوصفه الصوت الأقوى الذي يحدد مستقبل سوريا. المكسب الرابع هو تغيير لهجة الخطاب بشأن تحركات روسيا التوسعية الأخيرة، التي كان من ضمنها ضم أبخازيا، وجنوب أوسيتيا وشبة جزيرة القرم، وتثبيت أقدامها في شرق أوكرانيا.
وبحسب ما أشار بعض النقاد في روسيا نفسها، فقد جاء زهو بوتين بـ«إنجاز أهداف الحملة» قبل أوانه، وهو ما يوضح أن مكاسبه ربما يتضح أنها وقتية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «كومرسانت» الروسية اليومية، فقد بدأت شريحة متزايدة من الرأي العام الروسي في ملاحظة التكلفة المتعاظمة للمغامرة التي تخوضها روسيا في سوريا؛ سواء من ناحية الدماء أو التكلفة المادية. وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجري مؤخرا ونشره الإعلام الروسي، أن ثلث الأصوات الروسية فقط حاليا تساند استمرار التورط الروسي في سوريا، وهو ما جاء رسالة واقعية لبوتين في الوقت الذي يستعد فيه لإعادة انتخابه.
الأسوأ من كل ذلك أن شعبية الدور الروسي في سوريا قد أخذت في التراجع بين مسلمي روسيا الذين يمثلون 20 في المائة من تعداد الفيدراليات الروسية، وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع وتيرة الاعتداءات الإسلامية المسلحة التي شهدتها داغستان، وإنغوشيا، وياكاتينبرغ. وأشارت بعض الأحداث التي جرت مؤخرا إلى أن جميع مكاسب بوتين ربما تكون في خطر.
الآن فقط اعترف صراحة وزير الدفاع في موسكو بـ«الاعتداءات الإرهابية» التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي واستهدفت قاعدة روسية في حميميم نتج عنها تدمير 20 في المائة من الطائرات الحربية المتمركزة هناك، بالإضافة إلى مقتل 9 جنود روس. الرسالة كانت واضحة وهي أن القاعدة التي يسهل استهدافها لا يمكن الاعتماد عليها كأحد عناصر ترسانة في مواجهة العدو.
ورغم أن روسيا كانت قد بدأت المشاركة في الحرب باستخدام الحد الأدنى من الاستثمارات في الصراع السوري، فقد انتهى المطاف بروسيا بنشر 4 آلاف طائرة حربية؛ وعلى الأقل وحدتين من قوات الصفوة الخاصة، بالإضافة إلى عدد غير محدد من المقاتلين المتعاقدين، أو المرتزقة، الذين أرسلتهم الشركات الخاصة. وفي الحقيقة، لم يظهر ميزان الخسائر البشرية الروسية في العلن إلا الآن.
وفي ما يخص عودة روسيا لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، فإن بوتين يواجه احتمال التعثر في المستنقع السوري بلا نهاية واضحة في الأفق، وبذلك لم تفسح روسيا المجال لنفسها لفرض قوتها في أي بقعة أخرى من المنطقة. وقد دعا ستيفان دي ميستورا، وسيط الأمم المتحدة في الملف السوري، موسكو، لتتذكر «التجربة السوفياتية في أفغانستان».
أما مكسب بوتين الثالث، وهو استئصال طهران بوصفها الداعم الرئيسي للأسد، فربما كان كأساً مسمومة. فالإعلام الإيراني الرسمي يلعب بالفعل على نغمة أن على روسيا أن تسدد جزءا من الفاتورة للإبقاء على الأسد في ضاحيته بدمشق. وفي مقالها الافتتاحي، ذكرت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني عبر موقعها الإلكتروني الأسبوع الماضي، أنه «على كل من يتطلع إلى المحافظة على استقلال سوريا ووحدة حكومتها، المساهمة في سداد تكلفة الحملة الشاقة».
وبينما هي مختبئة خلف روسيا، شرعت إيران ببطء في تقليص حجم خسائرها في سوريا، فبحسب نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس أرقاشي خلال كلمة ألقاها في لندن الأسبوع الماضي: «لا يمكن تحقيق نصر عسكري في سوريا». ويأتي هذا التصريح على العكس تماما من كلمات الفخر التي نطق بها الأسد عندما تباهى بـ«تحرير كل شبر من الأراضي السورية» بمساعدة روسيا.
ظهر الاختلاف بين إيران وروسيا واضحا أيضا عندما وجه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اللوم لإيران علانية لحديثها عن «القضاء على إسرائيل». فقد قوبل تصريح موسكو بمساندتها «أمن» إسرائيل بغضب كبير في طهران التي زعم إعلامها الرسمي، ومنه وكالة أنباء «راجا»، أن الاعتداءات الإسرائيلية على مواقع الجيش الإيراني في سوريا كانت بدعم مستتر من روسيا.
إن النجاح في لفت الانتباه بعيدا عن التوسع الروسي أثبت أنه ليس أكثر من إنجاز وقتي، حيث يعمل الاتحاد الأوروبي على إعادة الضغط على روسيا لضمها نحو 20 في المائة من المناطق الجورجية، في الوقت الذي وافقت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب بواشنطن على مد أوكرانيا بكميات جديدة من السلاح للدفاع عن نفسها ضد الاعتداء المدعوم من روسيا.
في الحقيقة، ربما أن عمليات مثل القصف المتواصل لحلب وشرق الغوطة قد زادت من حالة الدعم الشعبي الغربي المطالب باتخاذ موقف معلن مناهض لموسكو.
وحقيقة أن تركيا قد شرعت هي الأخرى في صياغة استراتيجية ذاتية في سوريا ما هي إلا مؤشر لحدود الدور الروسي بوصفه من يصوغ الأجندة في سوريا.
والمعادلة التي تنظر لها موسكو وأنقرة وطهران الآن ما هي إلا نسخة أكثر سخونة من اتفاقيات هلسنكي عام 1975 عندما قامت الديمقراطيات؛ بقيادة الولايات المتحدة، بقبول مبدأ التساوي بين العالم الحر والكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي، وبالتالي الاعتراف بموقع موسكو بوصفها من يصوغ الأجندة في شرق ووسط أوروبا.
احتمالية صياغة «اتفاقيات هلسنكي جديدة»، مع الاعتراف هذه المرة بروسيا لاعبا رئيسيا في جزء من الشرق الأوسط على الأقل، حازت على مديح الدبلوماسيين الروس خلال المؤتمر الأمني الذي عقد مؤخرا بميونيخ، وتحدث أيضا عنها بإسهاب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. وتأمل موسكو في أن تنجح القمة المقررة في تركيا في بلورة الفكرة لتتخذ شكل مبادرة دبلوماسية؛ ومن ثم استخدامها قاعدةً لتأسيس ما يمكن تسميتها «جماعة أصدقاء سوريا» لتضم عدة دول بغرض إحلال السلام والشروع في إعادة بناء الدولة التي مزقتها الحرب. وفي حال حدث ذلك، فربما يحتفظ بوتين ببعض المكاسب التي حققها في الوقت الذي يسعي فيه لخفض تكلفة مغامرته في سوريا.
لكن ربما يكتشف بوتين في النهاية أنه كسب الأسد وخسر سوريا.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».