معركة الغوطة مقدمة لرسم مناطق النفوذ في سوريا

TT

معركة الغوطة مقدمة لرسم مناطق النفوذ في سوريا

منذ إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل أيام، أنه لا يستبعد تكرار سيناريو حلب في الغوطة الشرقية، اشتعلت الأوضاع في المنطقة بشكل متصاعد. ورغم أن الاستعدادات لمواجهات واسعة في الغوطة بدأت منذ نهاية العام الماضي، لكن عبارة الوزير الروسي بدت كأنها منحت الغطاء اللازم لدخول مرحلة الحسم النهائي لها. بعد ذلك ترددت العبارة أكثر مرة من جانب مسؤولين في دمشق، وذهب مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة السفير بشار الجعفري أبعد قليلاً عندما قال إن «سيناريو حلب» سيتكرر بعد الغوطة في إدلب.
ورغم أن موسكو سعت إلى النأي بنفسها عن العمليات العسكرية المباشرة، ونتائجها الكارثية على الصعيد الإنساني، بدا واضحاً أن تأكيد الكرملين أكثر من مرة عدم ضلوع القوات الروسية في قصف الغوطة يهدف فقط إلى مواجهة الاتهامات الغربية، ولا يحمل إدانة للعملية العسكرية نفسها.
على العكس من ذلك، وفّرت موسكو عبر مناقشات مجلس الأمن وفي تعليقات وزارتَي الخارجية والدفاع على تطورات الوضع في الغوطة المبررات اللازمة للنظام من أجل المضي في عمليته العسكرية حتى النهاية. بما في ذلك عبر تبرير مندوب روسيا الدائم فاسيلي نيبينزيا قصف المستشفيات والمدارس والمنشآت الحيوية مثل الأفران، من خلال تأكيد أن «الإرهابيين يتحصنون فيها». لكن السؤال برز عن أسباب التشدد الروسي في مجلس الأمن، والمماطلة المتعمدة في حسم موضوع اتخاذ القرار بعدما كانت موسكو دعت بنفسها إلى عقد الجلسة لمناقشة ملف الغوطة.
يؤكد خبراء روس على علاقة بالمستويين العسكري والدبلوماسي أن موضوع «الحسم في الغوطة كان ضرورة مؤجلة»، وأن التوقعات كانت تتباين فقط حول التوقيت الملائم لإطلاق الحملة الواسعة التي تبدأ من الغوطة وتهدف إلى «تطهير الجيوب الإرهابية» في محيط العاصمة، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى، لكن بعضهم يربط تسريع العملية بعدد من التطورات المرتبطة بتعثر الملف السياسي وتراكم ظروف عدة ميدانياً وسياسياً بينها تدهور الوضع الميداني في أكثر من جبهة على الخريطة السورية.
وأوضحت مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن ثمة مسارين حددا الموقف الروسي حيال الغوطة وساهما في بلورة موقف متشدد في مجلس الأمن وخارجه: الأول، مرتبط بالإخفاقات التي واجهت موسكو في إدارة العملية السياسية. والآخر، له علاقة بتنشيط التحركات الأميركية في سوريا أخيراً.
في المسار الأول، انطلق الموقف الروسي من حاجة النظام إلى إحكام سيطرته على الجيوب المحيطة بدمشق خصوصاً الغوطة التي تشكل نقطة انطلاق لهجمات مدفعية على أحياء العاصمة القريبة. لكن هذا يعد المبرر المباشر للتصعيد الذي يهدف إلى تحقيق جملة من الإنجازات الميدانية والسياسية.
وموسكو، وفقاً للمصادر، وجدت صعوبات جدية في ترجمة «الإنجازات العسكرية» التي حققتها العام الماضي في سوريا، على طاولة التسوية السياسية، وقاد فشل جولة جنيف ثم الإخفاق في تحويل مؤتمر سوتشي إلى نقطة تحول في العملية السياسية، إلى تحول موسكو لممارسة مزيد من الضغط على فصائل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.
بالتزامن مع تعزيز مساحة نفوذ النظام الذي يُحكم حالياً السيطرة على أكثر بقليل من نصف الأراضي السورية، وتعتقد أوساط في المؤسسة العسكرية الروسية أنه قادر بمساعدة روسية ودعم ميداني من المجموعات الموالية لإيران على تحقيق تقدم واسع يضع نحو ثلثي الأراضي السورية تحت سيطرته. يتطلب هذا التحرك، السيطرة بدايةً على الغوطة، ثم استكمال «تطهير» بعض الجيوب القريبة من دمشق مثل اليرموك، حيث تنشط مجموعات لـ«داعش» و«النصرة» قبل الانتقال إلى معركة واسعة النطاق في إدلب ومحيطها.
يعتقد فريق من الخبراء قريب من المؤسسة العسكرية أن هذا التوجه اتخذ بعداً أكثر إلحاحاً مع تزايد النشاط الأميركي في سوريا أخيراً، ما يفتح على المسار الأوسع الذي تسعى موسكو من خلاله إلى مواجهة واسعة لإعادة رسم خرائط مناطق النفوذ في سوريا.
وثمة قناعة لدى أوساط روسية بأنه منذ بداية العام عكفت واشنطن على تعقيد تحركات موسكو، بدءاً بنفي النظرية الروسية حول «تحقيق الانتصار» و«القضاء على (داعش)»، ومروراً ببحث المعارضة السورية مقاطعة سوتشي، وصولاً إلى الإعلان الغامض عما وُصف باستراتيجية واشنطن الجديدة التي تتضمن إنشاء قوات حدودية، وهو أمر استفز إطلاق العملية العسكرية التركية في الشمال السوري.
وبالتوازي مع «التصعيد الميداني» الذي أطلقته واشنطن، جاءت الضربات العديدة التي تعرضت لها روسيا مثل استهداف قاعدة حميميم، ثم إسقاط الطائرة الروسية وصولاً إلى القصف الأميركي لقافلة المتعاقدين الروسي لتزيد القناعة لدى موسكو بأن المواجهة مع واشنطن دخلت مرحلة جديدة في سوريا.
اللافت أن المواجهة لم تتخذ شكلاً ميدانياً يهدف إلى توسيع مناطق النفوذ فحسب، بل تعدت ذلك إلى بدء محاولات لفرض واقع سياسي وجغرافي يمهد لتكريسه في أي تسوية سياسية مقبلة. وهذا ما كشف عنه حديث سياسي روسي بارز مع مسؤول زار موسكو أخيراً، حول «تبني واشنطن الكامل موقف إسرائيل حول شكل سوريا المقبلة». وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ الإدارة الأميركية أخيراً، أن موقف تل أبيب يقوم على ضرورة بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في موقعه مع تقسيم سوريا إلى دويلات يكون مسيطراً على الجزء الأكبر منها.
يفسر هذا تكرار الوزير لافروف خلال الفترة الأخيرة التحذير من أن واشنطن انقلبت على تعهدات سابقة بالمحافظة على وحدة الأراضي السورية. كما أنه يفسر في الوقت ذاته أهمية تسريع وتيرة العمل لفرض السيطرة على أوسع مناطق ممكنة على الرقعة السورية.
وبهذا المعنى أيضاً يمكن فهم المماطلة الروسية، والتشدد في ملف وقف العمليات العسكرية، والحرص على منح النظام وقتاً كافياً لإنهاء مهمته. ومهما كان شكل القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن، فإنه سيكون محمّلاً «بما يكفي من قنابل موقوتة»، وفقاً لتعبير مصدر دبلوماسي عربي في موسكو. بمعنى أن الحرص على استثناء «داعش» و«النصرة» و«فصائل أخرى» يوفر أرضية لتبرير الانتهاكات لاحقاً ومواصلة العملية العسكرية.
ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول الخشية من أن تسفر التطورات عن انهيار اتفاق مناطق خفض التصعيد، قال مصدر إن «هذا الاتفاق انهار منذ بداية العام عملياً». لكنه شدد على أن ذلك لا يعني انهيار التنسيق بين الأطراف الثلاثة الضامنة وقف النار في سوريا، مؤكداً أهمية «الفصل بين الأمرين»، لأن التقاطعات والمصالح التي تجمع الثلاثي (روسيا وإيران وتركيا) أكبر وأوسع من نقاط الخلاف بينها.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.