خطة فرنسية جديدة لمكافحة التطرف لا تعتمد فقط على المعالجة الأمنية

باريس تسعى لاجتثاثه من الجذور

رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب في مؤتمره الصحافي في مدينة ليل محاطاً بوزراء الداخلية والعدل والتربية أمس (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب في مؤتمره الصحافي في مدينة ليل محاطاً بوزراء الداخلية والعدل والتربية أمس (أ.ف.ب)
TT

خطة فرنسية جديدة لمكافحة التطرف لا تعتمد فقط على المعالجة الأمنية

رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب في مؤتمره الصحافي في مدينة ليل محاطاً بوزراء الداخلية والعدل والتربية أمس (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب في مؤتمره الصحافي في مدينة ليل محاطاً بوزراء الداخلية والعدل والتربية أمس (أ.ف.ب)

منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، خرجت فرنسا من حالة الطوارئ. لكن التهديد الإرهابي ما زال ماثلاً، والخوف من تجدد العمليات الإرهابية أيضاً. ولعل أبلغ دليل على ذلك البلبلة التي تطبع سياسة باريس إزاء عودة المتطرفين إلى فرنسا من العراق وسوريا بعد اندحار «داعش»، حيث تسعى للحيلولة دون أن تطأ أرجلهم مجدداً الأراضي الفرنسية. لكن الجديد الذي كشف عنه رئيس الحكومة إدوار فيليب في مؤتمر صحافي أمس في مدينة ليل محاطاً بوزراء الداخلية والعدل والتربية رغبة الحكومة الفرنسية بأن تعالج من الجذور موضوع التطرف والراديكالية الذي غالباً ما يفضي إلى النشاطات «الجهادية» والإرهابية. وفلسفة الحكومة يمكن اختصارها بـ«الوقاية خير من العلاج»، خصوصاً إذا كانت المعالجات التي جُربت في السنوات الماضية جاءت كلها فاشلة.
لا شيء يضمن أن يكون برنامج الحكومة الحالية أكثر فعالية مما جربته الحكومات السابقة. لكن ما يميزه أنه يتعمد «الاستدلال» على علامات التطرف منذ الصغر ومنذ الخطوات المدرسية الأولى. لذا، فإن إدوار فيليب عرض 60 تدبيراً تصب كلها في الرغبة الواضحة للتعاطي مع التهديد الراديكالي بجدية وبشمولية وعدم ترك الأمور تتفاعل.
والقناعة المترسخة فرنسياً اليوم تفيد بأن من اجتاز «عتبة» التطرف من الصعب إعادته إلى الطريق القويم، والدليل على ذلك التجارب الجزئية الفاشلة التي حصلت في السنوات الثلاث الأخيرة. فالمطلوب، وفق الحكومة، «استراتيجية متكاملة وليس تدابير مجزوءة». ورغم ذلك، فإن بعض الأصوات أخذت ترتفع لتنتقد النقص الحاصل في الخطة الجديدة، وتحديداً غياب الجوانب الاقتصادية والتنموية للمناطق المهمشة التي يغلب عليها العنصر المهاجر باعتبارها التربة الخصبة للتطرف.
وكان من المتوقع أن تكشف الحكومة عن خطتها في الخريف الماضي. لكن يبدو أنها فضلت أخذ الوقت الكافي لإجراء مشاورات واسعة. وما وصلت إليه هو أنه، قبل محاربة التطرف، يتعين رصد علاماته باكراً. لذا، فإن هذه الخطة تولي المدرسة بمستوياتها الثلاثة «ابتدائي وتكميلي وثانوي» الأولوية. وفي هذا السياق، فإن الحكومة ترغب في فرض رقابة أشد على المدارس الخاصة غير المتعاقدة مع الدولة.
وسيبرز التشدد في إعطاء التراخيص الإدارية لهذا النوع من المدارس المرتبطة بالمكونات الدينية التي ما زالت حتى اليوم هامشية، إذ إن عديد تلامذتها لا يزيد عن 57 ألف تلميذ. لكنها تشهد تطوراً واضحاً، خصوصاً في الأوساط الإسلامية. ويريد إدوار فيليب أن تتنكب المدرسة مهمة تشريب التلميذ «الفكر النقدي» لمحاربة «نظريات التآمر»، والتمسك بالعلمنة بموازاة إيلاء تأهيل الأساتذة أهمية خاصة وتوفير مفتشين أكاديميين متخصصين والسهر على تبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية. وإذا كانت المدرسة تشكل تربة خصبة لزرع الأفكار المتطرفة بسبب انعدام النضج الفكري للمتلقي، فإن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر تأثيراً وخطورة، كما بينت التحقيقات التي أجريت حول العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا منذ يناير (كانون الثاني) عام 2015. وتريد الحكومة تعاوناً أفضل من مشغلي شبكة الإنترنت التي سيطلب منها الجدية والفعالية في نزع المواد التي تتضمن تمجيداً للإرهاب والتطرف أو بث الأفكار والدعايات الإيديولوجية المرتبطة بهما. وتريد الحكومة تطوير أدوات وتطبيقات آلية تسمح بمسح المحتويات المشبوهة من الشبكة بالتوازي مع تطوير الخطاب المعتدل والمتسامح من قبل الهيئات والجمعيات المعنية، ومنها المسلمة. وتشجع الحكومة على الإبلاغ عن الذين تبدو منهم علامات التطرف أو عن المحتويات المتطرفة على الإنترنت. وأبعد من ذلك، تنص الخطة على تعزيز التعاون مع البلدان الأوروبية وبلدان الجوار وفتح الأبواب أمام الباحثين الراغبين في العمل على ظواهر التطرف والراديكالية وتمويل الإطروحات التي تعد في هذا المجال.
إلى جانب العمل الاستباقي، تريد الحكومة تفعيل التدابير العقابية، ومنها طرد الموظفين العامين، خصوصاً الذين يتعاطون مع جمهور شاب من الوظائف «المدارس مثلاً» امتداداً لتدبير اتخذ سابقاً بحق الأفراد في الأجهزة الأمنية والسيادية. وتريد الحكومة تعاوناً من السلطات المحلية البلدية، كما تريد تأهيلاً أفضل للموظفين العاملين فيها للتعرف على علامات التطرف، واستخدام الأنشطة الرياضية لمحاربته، والطلب من المحافظين والمسؤولين الأمنيين تشديد الرقابة على البقع «الساخنة»، والطلب من المؤسسات والشركات المساعدات على استكشاف أصحاب الميول المتطرفة من خلال تزويدها بـ«دليل» يساعدها على ذلك.
وما تريده الحكومة من الشركات والمؤسسات لجهة التعاون، تطالب به أيضاً المراكز الصحية والمشافي ومراكز الأبحاث النفسية والجمعيات النسائية، بحيث لا يبقى قطاع واحد خارج المنظومة التي تسعى الحكومة لإيجادها.
بقي قطاعان أساسيان يحتاجان لأفكار جدية وهما: الأول، كيفية إدارة مسألة السجناء والموقوفين، إما بقضايا إرهابية أو بسبب الأفكار «الجهادية» والمتطرفة، والثاني التعاطي مع القاصرين العائدين من سوريا والعراق. ففي المسألة الأولى، يبدو أن الحكومة تعتمد مقاربة مختلفة تماماً عما درجت عليه الحكومات السابقة مع الأشخاص المحكومين بقضايا ترتبط بالإرهاب الإسلاموي. فحكومة إدوار فيليب تريد «تجميعهم» في أجنحة معزولة تماماً عن بقية السجناء مخافة أن يكون لهم الدور المؤثر في تجنيد «جهاديين» جدد. وتفيد العديد من الدراسات بأن الإنترنت وبعض المساجد التي يديرها متطرفون والسجون هي المراكز الثلاثة الأكثر تأثيراً في نشر الفكر الراديكالي. ولذا، فإن «الحل» الحكومي في عزل العناصر الخطرة عن الآخرين. وبحسب الأرقام الرسمية، فإن هناك 512 مسجوناً لارتكابهم جرائم أو جنحاً ذات علاقة بالإرهاب والتطرف و1139 محكوماً بالحق العام ينظر إليه على أنهم راديكاليون. وتريد الحكومة، حتى نهاية العام، «عزل» 450 محكوماً والوصول لاحقاً إلى عزل 1500 شخص في أجنحة محكمة في السجون الرئيسية في فرنسا، ما يعني أنها عازمة على عزل كل المحكومين الذين تعتبرهم خطرين وقادرين على التأثير على الآخرين. وتريد باريس توظيف 60 من المرشدين المسلمين الإضافيين في السجون لمناهضة الفكر المتطرف، بالتوازي مع طلباتها المتكررة من المراجع المسلمة في فرنسا أن تلعب دورها كاملاً في محاربة الانحرافيين. وسبق لها أن تناولت هذا الملف في سعيها لإعادة تنظيم الهيئات الممثلة للإسلام في فرنسا. أما فيما يخص القاصرين العائدين من سوريا والعراق، فإن باريس تريد الاقتداء بالدانمارك وبتجارب أوروبية أخرى، وإقامة ثلاثة مراكز لاستقبال هؤلاء فيما تسميه «فضاءً مفتوحاً»، وأن تساعد على إعادة انخراطهم في المجتمع الفرنسي. وطرحت هذه المسألة بقوة في الأسابيع الأخيرة. وخلاصة باريس أنها تريد أن يحاكم غير القاصرين في أماكن احتجازهم فيما هي مساعدة لاستقبال الأطفال والقاصرين. أما النساء العائدات من سوريا والعراق، فإنهن يطرحن الإشكالية الأصعب للحكومة وأجهزتها.



مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.