خليل حاوي في غربته المتمادية

بعد ستة وثلاثين عاماً على غيابه

خليل حاوي
خليل حاوي
TT

خليل حاوي في غربته المتمادية

خليل حاوي
خليل حاوي

ليس بالضرورة أن تكون نصوص الشعراء مطابقة لطرائق عيشهم أو لسلوكهم الظاهري. ذلك أن الإبداع يتكون في مناطق النفس المعتمة، ويتصل بما لا نعيه من تعقيدات الداخل وجينات التكوين، على أن ذلك لا يمنع بالمقابل أن يمتلك البعض من الشفافية والصدق ما يصل بهم إلى حد المماهاة التامة بين مواقفهم وسلوكياتهم من جهة، وبين نتاجهم الإبداعي من جهة أخرى. وإذا كنت أزعم أن خليل حاوي هو واحد من هؤلاء، فإن ذلك الزعم يكتسب مصداقيته من معرفة بالشاعر تعود إلى أكثر من أربعة عقود خلت حيث قدّر لنا، نحن طلاب ذلك الزمن الوردي، أن نتتلمذ في كلية التربية التابعة للجامعة اللبنانية على أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في لبنان، وأن نعاين ذلك التطابق اللافت بين خليل حاوي الشاعر وخليل حاوي الإنسان. فمنذ اللحظة الأولى التي دخل فيها أستاذ مادة النقد الحديث إلى غرفة الصف بدا لنا شخصاً مختلفاً عن سواه، حيث كانت حركات جسده ويديه تنمّ عن توتر وعصبية باديين، فيما لم تكن عيناه تحدقان في مكان معلوم، بل تسبران غور المجهول، وتعكسان كل ما يعتمل في داخله من مشاعر الغربة والقلق. كانت قامته أقرب إلى القصر، ورأسه مكتمل الصلَع سوى من بعض الشعيرات المتباعدة. وكانت سحنة وجهه السمراء وصوته العريض الأجش يحيلاننا إلى نشأته الريفية وسلوكه العفوي، وهو الذي نظم الزجل وأنشده في مطالع صباه، كما عمل في البناء وتقصيب الصخور. أما اطلاعه العميق على الثقافتين الشرقية والغربية فقد شكل بالنسبة لنا نوعاً من المفارقة اللافتة بين مظهره الجبلي المحلي وبين أفقه الفكري العابر للحدود. ونادراً ما كان حاوي يترك لنا فرصة للاستراحة أو الفكاهة أو التقاط الأنفاس، بل كان يندمج بالمادة التي يدرّسها إلى حد الانخطاف، ولا يصحو من سكرة شروحه الطويلة إلا على صوت الجرس الكهربائي المؤذن بنهاية الحصة الدراسية.
لقد بدت منظومة القيم التي آمن بها خليل حاوي، والمفرطة في مثاليتها، بمثابة نقطة قوته وضعفه في آن. فهي من جهة جعلت منه شخصاً عصامياً ودائم البحث عن معنى للحياة أبعد من ترهات عالمه البائس، وعن معنى للكتابة أبعد من رطانة الخطب الحماسية أو غثاء الزخرف اللفظي. ولكنها من جهة ثانية أوقفته عند التخوم الأخيرة للإحباط وخيبات الأمل، حيث السقوط المدوي هو المحصلة الطبيعية للارتفاعات الفائضة عن الحد. ولم نكن، نحن قراء خليل حاوي ومتابعيه، بحاجة إلى انتظار نهايته الفاجعة لكي نعرف مقدار ما قدمه على مذبح مثاليته من تضحيات، وهو الذي كتب شعره بجماع الشرايين وبكل ما يمتلكه من كهرباء العصب وضراوة النيران. وإذا كان الخلود والبريق الدائم للاسم هو المكافأة الطبيعية التي يستحقها المبدعون كتعويض رمزي عن التضحية بالنفس ومباهج العيش، فإن من حق أي منا أن يتساءل عما إذا كان خليل حاوي، الذي نال في زمنه الكثير من التقدير والاهتمام النقديين، لا يزال يلقى الحظوة نفسها والاهتمام إياه، أم إن صرخته المدوية من أجل النهوض قد ضاعت كغيرها من الصرخات في برية التيه والترهل والنكوص القومي؟
قد يكون من الصعب تقديم إجابة قاطعة على سؤال كهذا، ولكن التبصر في مآل الأمور لا بد أن يفضي إلى الاستنتاج بأن ذلك الاسم الذي شغل الكثيرين في عصره لم يعد يملك الرجع إياه الذي كان له بين عقدي الخمسينات والسبعينات من القرن الفائت، وأن الاهتمام به يقتصر الآن على بعض النخب المثقفة والمخضرمة، كما على بعض الدارسين والمختصين. أقول ذلك وأنا أدرك تمام الإدراك أن الشاعر لن يُعدَم أبداً ومهما قست الظروف مَن يحتفي بنتاجه ويحفظ قصائد ومقطوعات له، وأنه ليس ظاهرة اجتماعية وإعلامية تنتهي برحيل صاحبها، كما كان حال الكثير من شعراء الخطب الحماسية والآيديولوجيا المعلبة. فهل كان على شعره أن يدفع بعد حياته ثمن الرهان الخاسر على نهوض الأمة من كبوتها بعد قرون عجاف من التراجع والانحطاط؟ أقول ذلك وأنا أعرف أن هذه التجربة الجادة والعميقة لن تُعدم من يتابعها باهتمام، كما لن يعدم الكثير من نصوصها ونماذجها من يحفظه عن ظهر قلب، كما هو حال «الجسر» و«المجوس في أوروبا» و«الكهف» و«لعازر 1962».
على أن الملاحَظ في شعر خليل حاوي خلوّه من الانكباب على أحوال العيش ويومياته. إذ ليس ثمة اهتمام بالوقائع والأحداث الآنية، ولا اشتغال دؤوب على التفاصيل، ولا صدى للذة حسية أو إخفاق عاطفي. وربما أسهمت فكرة ربط الشعر بالنبوة والحدس الروحي والرؤيوي، في جعل الشعراء منوطين بأخطر المهام المتصلة بتغيير العالم ونقله من العتمة إلى الضوء. وقد وجدت هذه الفرضيات في تكوين حاوي المثالي تربتها الخصبة التي عززتها دراسته في كامبردج، وتأثره البالغ بالرومانسيين الألمان وبحركة الانبعاث التي مثّلها شليغل وهيردر وكلايتس وهلدرلن وغيرهم من المفكرين والشعراء. فيما تأثر من جهة ثانية بالرومانسيين الإنجليز، وبمبدأ الحيوية الخلاقة لدى كولردج، دون أن نغفل تأثره في مراحل إحباطه بتوماس إليوت في «الأرض الخراب». ومن يقرأ حوارات الشاعر، التي جمعتها ريتا عوض في كتاب مستقل، سيقف على المداميك الأساسية التي نهضت فوقها قصيدته، مثل البناء العضوي الذي يمنع القصيدة من التشتت، واعتبار الرؤيا الضلع الأهم في مثلث الإبداع الشعري الذي تشكل التجربة والتعبير ضلعيه الآخرين، واستثمار الأساطير التراثية دون سواها، في رفد القصيدة بما يلزمها من رموز، والأخذ بمبدأ «الكلي العيني» في التوفيق بين الأفكار المجردة والصور المحسوسة، وصولاً إلى تعلقه بقصيدة الوزن التفعيلي واعتبار قصيدة النثر شكلاً للكتابة متصلاً بطبيعة اللغات اللاتينية وتركيبها الخاص. وفيما لم يكن تنوع الأوزان والبحور واحداً من هواجس الشاعر الذي اقتصرت معظم قصائده على بحر الرمل، كان التوتر الدرامي المستند إلى بنية حكائية سردية، هو الذي يعصم شعره من الرتابة والإملال. ولعل إعجابه بتجربة إلياس أبو شبكة لم يكن وليد الصدفة بل هو شاطر صاحب «أفاعي الفردوس» بعض سمات لغته العصبية وتمزقه العنيف بين الأضداد، وصولاً إلى معجمه الشعري الذي تكثر فيه مفردات الحمى والملح والفحم والعفن والكبريت والشرر والتنين والسموم وما سوى ذلك.
لن يبذل قارئ خليل حاوي كبير جهد ليكتشف أن شعره برمته كان «ترجمة» أمينة لأفكاره المتعلقة بالموت والانبعاث، والبحث عن الخصب والبراءة الأولى المتمثلة بصورة الغجر والبدوية السمراء وعرافة المستقبل. ورغم أنه حاول أن ينأى بنفسه عن تسمية الشعراء التموزيين، والتأكيد على كونه شاعر الانبعاث الحضاري، كتعبير عن انتقاله العقائدي من خانة قومية إلى خانة أخرى، فإن قصيدته «بعد الجليد» تعكس بشكل جلي استلهامه للأساطير المشرقية المتصلة بالموت والقيامة: «يا إله الخصب \ يا بعلاً يفضّ التربة العاقر \ يا شمس الحصيدْ \ يا إلهاً ينفض القبرَ ويا فصحاً مجيدْ \ أنت يا تموز يا شمس الحصيدْ \ نجّنا، نجّ عروق الأرض من عقمٍ دهاها ودهانا \ أَدْفئ الموتى الحزانى والجلاميد العبيدْ \ عبر صحراء الجليدْ». سنقع في مجموعات خليل حاوي الثلاث الأولى «نهر الرماد» و«الناي والريح» و«بيادر الجوع» على نماذج له مشغولة بعناية، دون أن يسمح لها شرر الداخل وعصب التجربة المتوتر بالوقوع في فخ الزخرف البلاغي والتوشية اللفظية. وهو يترنح دائماً بين حدي اليأس والأمل، وبين الخيبة والإيمان بالمستقبل. فتارة يقف الشاعر بأم عينه على تمسك بني جلدته بقشور الحضارة وأقنعتها الزائفة: «نحن من بيروت مأساة ولدنا \ بوجوه وعقول مستعارة \ تولد الفكرة في «السوق» بغياً \ ثم تقضي العمر في لفْق البكارة». وتارة أخرى تنتصر في داخله فكرة التغيير والتجدد المتمثل بأولئك الفتية النابضين بالحياة، والذين «يعبرون الجسر في الصبح خفافاً \ أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ \ من كهوف الشرقِ \ من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديدْ \ أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ».
حين كتب خليل حاوي قصيدته الشهيرة «لعازر 1962» لم يكن ثمة ما يشير إلى التحول الدراماتيكي الذي نقله من خانة الرهان على الحيوية المختزنة في رماد الماضي إلى خانة اليأس من كل شيء. فبعد أن راهن مرة أخرى، وبلسان زوجة لعازر، على فكرة القيامة التي اتحدت فيها الأساطير الوثنية بالمقدس الديني: «من يظن الموت محواً \ خلّه يحصي على البيدر غلّات الحصاد \ ويرى وجه حبيبي \ وحبيبي كيف عادْ»، سرعان ما تكشفت العودة عن تهالك في الجسد وغياب للفحولة وخواء في الروح: «كنتُ أسترحم عينيه \ وفي عيني عار امرأة \ أنّتْ تعرّت لغريبْ \ ولماذا عاد من حفرته ميْتاً كئيبْ \ غير عرق ينزف الكبريت مسْودّ اللهيبْ». ولما كان الشاعر على المستوى الذاتي في ذروة عطائه ولم تكن الهزائم الشخصية قد أدركته بعد، فقد رأى البعض في القصيدة الفريدة نوعاً من الرد على انهيار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا قبل كتابتها بعام واحد، فيما رأى البعض الآخر أن حاوي كان يستشرف بحدسه الثاقب هزيمة العرب المدوية في حزيران 1967. ستمر سنوات عديدة بعد ذلك دون أن يكتب الشاعر قصيدة واحدة. حتى إذا عاد إلى الكتابة عبر مجموعتيه الأخيرتين «من جحيم الكوميديا» و«الرعد الجريح»، بدت لغته خامدة ومكررة وخالية من نبضها الأول، وبدا هو نفسه وجهاً من وجوه لعازر وقيامته المجهضة. لم يستطع الحب بالمقابل أن يُخرج الشاعر من دائرة العزلة والإحباط، بل أضاف خيبة أخرى إلى خيباته، وهو الذي يخلو ديوانه من قصيدة حب واحدة بالمعنى العاطفي المباشر. ولأنه وضع كل أوراقه في سلة القضايا الكبرى والرهان على فكرة الانبعاث، فقد بدت الطلقة التي سددها إلى أم رأسه بمثابة رصاصة الرحمة التي وضعت الحد الأخير لتمزقات نفسه ومسلسل عثراته المتعاقبة.



«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.


آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
TT

آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)

احتفت مؤسسة «بينالي الدرعية» بإطلاق الدورة الجديدة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض الشهر الماضي، وهو ما يمكن اعتباره محطة مهمة للمؤسسة، فهو خامس نسخة من البينالي بنسختيه للفن المعاصر والفن الإسلامي، والتي سجّلت دوراته السابقة نجاحاً قوياً رسّخ أقدامه في المشهد الفني المحلي والعالمي.

ولا يتحدث المسؤولون عن البينالي كثيراً عن إنجازاتهم، ويتركون الحكم للزوّار والجمهور الذي سجل أرقاماً قياسية، سواء في «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض أو «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة.

وسنحت لنا فرصة الحديث مع الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية»، آية البكري، على هامش افتتاح «بينالي الفن المعاصر»؛ حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» حواراً تناول الإنجازات والتحديات والطموحات المستقبلية.

جانب من الدورة الحالية لـ«بينالي الدرعية للفن المعاصر» (تصوير: تركي العقيلي)

البداية

بدأ حديثي مع آية البكري بالعودة إلى عام 2020، حين أُطلقت الدورة الأولى من البينالي في وقت كان فيه وباء «كوفيد-19» يجتاح العالم ويتسبب في توقف معظم الأنشطة. وتقول: «قبل الجائحة كنا نعمل على فكرة إقامة بينالي للفن المعاصر، وبدأنا نقاشاتنا مع القيّم الفني فيليب تيناري، الذي كان يقيم في الصين آنذاك. وبينما كنا نبلور الفكرة ومحاور البينالي، اجتاح الوباء العالم فتوقفت الحياة، لكن ذلك منحنا وقتاً إضافياً للتحضير».

وتوضح أن العمل استمر رغم القيود، وانتقل إلى الفضاء الافتراضي؛ حيث أُجريت زيارات الاستوديوهات واللقاءات مع الفنانين عبر تطبيق «زووم». ولم تمنع الجائحة المناقشات المستمرة والخطط التي كانت تُرسم وقتها، بل امتدت للتخطيط لـ«بينالي الفن الإسلامي»، واختيار صالة الحجاج الغربية مقراً له «أثناء المناقشات لـ(بينالي للفنون الإسلامية) بدت مدينة جدة هي المكان المناسب، وكذلك أعدنا تهيئة صالة الحجاج الغربية بما لها من مكانة خاصة لاحتضان دوراته. ونجحنا في تحقيق ذلك الحلم تحت قيادة وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وراكان الطوق مساعد وزير الثقافة، ونائبه حامد فايز».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

حي جاكس... حيث ينمو الإبداع

عند الحديث عن المؤسسة و«بينالي الفن المعاصر»، يتجه الاهتمام إلى حي جاكس الإبداعي؛ إذ لم يعد مجرد مقرّ لفعاليات البينالي، بل تحوّل من مستودعات صناعية إلى منطقة ثقافية نابضة بالإبداع والحياة. تضيف آية البكري: «إن التفكير في إطلاق البينالي كان سبباً في ظهور حي جاكس الثقافي»، مشيرةً إلى أن النمو في المنطقة كان سريعاً ومتواصلاً، إذ يضم اليوم عدداً من استوديوهات الفنانين المعروفين، إلى جانب صالات عرض للفنانين الناشئين. وتضيف: «لدينا أيضاً فنانون شباب لا يزالون في طور استكشاف هوياتهم الفنية، ومن مشروعاتنا المستقبلية تخصيص مساحة للإقامات الفنية هنا».

وإلى جانب ذلك، انضمت إلى جاكس شركات مختلفة مثل «آتريوم» المخصصة لفكرة الاقتناء؛ حيث تباع الأعمال الفنية وهي مغلفة ليكتشف المشتري لاحقاً ما هو العمل الذي اقتناه.

بشكل ما تتناغم المواقع المختلفة التي تعمل في حي جاكس مع المفهوم الأساسي الذي تعمل المؤسسة على دعمه. وتعلق آية البكري قائلة: «بالنسبة لنا، الفن والابتكار والثقافة هي مفاهيم أساسية».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

لمكان مثل حي جاكس يبقى إقبال الجمهور هو المعيار الأهم لنجاحه، فكيف كانت ردود الفعل؟

تجيب البكري: «كانت ردود الفعل مذهلة، وهناك إقبال كبير على الحضور والعمل في الحي. نحرص على الحفاظ على هويته الإبداعية، ليس في مجال الفن فقط، بل في التصميم والموسيقى والسينما أيضاً». وتُشير إلى أن هيئة الأفلام أعلنت افتتاح «استوديوهات جاكس» للأفلام، كما افتتحت شركة «سناب شات» مقراً لها في الحي، إلى جانب وجود مكاتب لشركة «ميدل بيست».

وتوضح آية البكري أن إدارة حي جاكس تقوم على مبدأ النقاش والتعاون، قائلة: «لا نرغب في إدارة كل صغيرة وكبيرة أو التدقيق في التفاصيل، بل نسعى لأن نكون جزءاً من فريق يعمل مع الفنانين والمصممين وغيرهم، وأن نتيح للمشروعات التي اختارت الوجود في الحي أن تنمو تدريجياً». وتضرب مثالاً بشركة تقدّمت للحصول على موقع داخل الحي، فكان سؤال الإدارة لها: ماذا ستضيفون إلى جاكس؟ فافتتحت الشركة مقهى باسم «Off Brief»، تحوّل إلى نقطة جذب للعاملين والزوار، حيث يرتادونه لاحتساء القهوة والعمل في أجواء مريحة. كما ينظم المقهى ماراثوناً أسبوعياً كل يوم سبت، ينطلق المشاركون فيه من الحي باتجاه وادي حنيفة المجاور.

وتضيف: «نريد أن تكون الرياضة والممارسات الصحية جزءاً من هوية جاكس، ونحن سعداء بالشركات التي تتبنى هذا التوجه، لأنه يعكس ما نطمح إليه للحي».

المهرجان السعودي للتصميم في جي جاكس الدرعية (وزارة الثقافة)

خطط المستقبل

وعن خطط وأحلام مستقبل حي جاكس المتوسع، تقول آية البكري: «نريد أن يصبح المكان مساحة فنية متعددة الممارسات، ملهمة للزوار ويستمد منها الزوار أفكاراً خلاقة. أن يجد الزائر هنا ما يشغله، سواء بزيارة معرض، أو الاستماع للموسيقى، أو التوجه إلى مقهى، أو العمل في مساحة مناسبة، أو لقاء أشخاص رائعين، أو حتى تناول طعام شهي». ويشير الحديث إلى الطعام بوصفه أحدث مبادرات المؤسسة: «أطلقنا مشروعاً بعنوان (نكهات جاكس) لجذب المطاعم والطهاة الناشئين لتجربة وصفات مبتكرة كما يشاؤون». وتضيف آية البكري: «قدمت فتاتان فكرة إقامة مقهى للماتشا، ووافقنا، وتم افتتاح المقهى حيث تُعد الفتاتان القهوة وتقدمانها، وحقق المشروع نجاحاً مذهلاً».

حي جاكس في الدرعية (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

«المدار» وأرشفة الفن الإسلامي

نعود للبينالي، فعند سؤالها عن إنجازات البينالي بعد دورتين للفنون الإسلامية وثلاث للفن المعاصر، تقول آية البكري: «مع كل دورة نشعر بأننا حققنا الكثير». وتشير إلى نمو أقسام «بينالي الفنون الإسلامية»، مثل «المدار» و«المقتني» و«جائزة المصلى»، مؤكدة أن هذه الأقسام ستستمر في نشاطها طوال العام. وتضرب مثالاً بقسم «المدار» الذي يتعاون مع متاحف مختلفة في جهود الترميم، لافتة إلى أن التعاون سيستمر خارج أوقات البينالي، وسيعود «المدار» بمعرض خاص خلال انعقاد الدورة المقبلة.

7 أعمدة أثرية من الحرم المكي تعرض في «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة (الشرق الأوسط)

وعن المشروعات القائمة، تشير إلى إنشاء موقع إلكتروني لـ«المدار» لأرشفة القطع التي عرضت في الدورات السابقة، وهو ما سيكون مرجعاً مهماً للمؤسسات الفنية. ومن الأمثلة تتحدث عن عمود الكعبة الذي وضعه عبد الله بن الزبير في عام 65 هجرية بعد عملية إعادة بناء الكعبة المشرفة، وعرض في الدورة الأولى لـ«بينالي الفنون الإسلامية»: «لم يكن هناك الكثير من الأبحاث حوله، وقام فريق البينالي بالبحث والمراجعة، وسيتوفر كل ذلك في الأرشيف الذي يعد حالياً».

الأبحاث التي يعتمد عليها «بينالي الفنون الإسلامية» ستصبح مرجعاً للباحثين حول العالم، وهو ما يعني التعاون المشترك وتبادل المعرفة، «سيتعلمون من الأرشيف والأبحاث التي قام بها الباحثون والخبراء لدينا كما نتعلم منهم... أعتقد أنها لحظة فارقة ستغير العلاقة بيننا وبين العالم، وستبرز قصصنا وتاريخنا بشكل كبير، لهذا أشعر بالفخر أننا جزء من هذا التحول، وننتظر بفارغ الصبر إطلاق موقع (Al Madar Digital)، الذي سيكون علامة بارزة في إنجازات المؤسسة».

وفي ختام لقائي مع آية البكري سألتها عن طموحاتها الشخصية، فأجابت: «أنا متحمسة لرؤية التطور والازدهار في بلدنا، وأن نكون جزءاً من تاريخ المملكة العربية السعودية الفني والثقافي. ممتنة للقيادة، وللأمير بدر ومستشاريه، ولكل ما يحدث من تطور. طموحي كبير، وأرغب في العمل أكثر مع الطلاب والجامعات، لضمان أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به».


«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.