يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

5 ملايين دولار لدعم مرشح للرئاسة الأميركية... و4 ملايين يورو لتيموشينكو نقلت في حقائب

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
TT

يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)

تتضمن هذه الحلقة من سلسلة الحلقات التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن أيام الود والخصام بين النظام الليبي السابق وأطراف محلية وخارجية، تفاصيل جديدة عن تمويل طرابلس لحملات رئاسية في فرنسا وأميركا وأوكرانيا. وجرى جمع هذه المعلومات بما تشمله من وثائق ومستندات، من أشخاص عدة انخرطوا في هذه التمويلات المعقدة ويعيش معظمهم في الظل حالياً.
ويقول شهود من النظام الليبي السابق إن حجم الأموال التي أنفقتها طرابلس في 2007 على حملة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حين كان مرشحاً، بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو. لكن رجل الأعمال اللبناني زياد تقي الدين الذي حضر اجتماعات لساركوزي مع القذافي، يوضح أن «المبالغ أكبر من ذلك بكثير». بينما جرى، عبر المحيط الأطلنطي، تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004 بخمسة ملايين دولار. وعلى البحر الأسود، تم تمويل حملة مرشحة الرئاسة في أوكرانيا يوليا تيموشينكو في 2010، بأربعة ملايين يورو.
ينفي ساركوزي الاتهامات الموجّهة إليه بتلقّي أموال ليبية. بيد أن أحد أقرب مساعدي سيف الإسلام القذافي، الذي كان أحد شهود عمليات جرت خلف أبوب مغلقة، أشار إلى أن تمويل بلاده للحملة الرئاسية في فرنسا، تم عبر رجال أعمال مقربين من ساركوزي، وأن هذا الأخير، الذي كان لا يزال وزيراً للداخلية في بلاده، تعهد وقتها بتطوير العلاقات الثنائية مع ليبيا والعمل في أفريقيا وإسقاط التهم عن المدانين الليبيين الأربعة في قضية تفجير طائرة «يو تي إيه» الفرنسية، في حال دخوله قصر الإليزيه.
أما تمويل حملة المرشح الأميركي، فجاء عبر وسيط كان بمثابة صديق مشترك بين سيف الإسلام ومسؤول أميركي رفيع سابق، أملاً بأن يقوم المرشح في حال فوزه بالرئاسة، برفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب. وجرى تحويل الأموال عبر دولة ثالثة، بعد لقاء في مدينة توليدو بولاية أوهايو بين هذا المرشح وضابط أمن ليبي بصفته ممثلاً لجمعية ليبية - أميركية.
وفيما يتعلق بتيموشينكو، فقد كانت حازت شهرة واسعة لمشاركتها فيما عرف في 2004 بالثورة البرتقالية التي تفجرت في بلدها احتجاجاً على ما شاب انتخابات الرئاسة من مخالفات. وتزعمت حزب «كل الأوكرانيين»، ثم تولت بعد ذلك موقع رئيس الوزراء أوكرانيا، إلى أن ترشحت للرئاسة.
ويتذكر بعض رجال النظام الليبي السابق تلك الأيام. ويقول أحد هؤلاء إن «تمويل حملات انتخابية في بلدان أخرى تقوم به دول كثيرة، وليست ليبيا فقط، لكسب نفوذ الفائزين المحتملين». ويروي المساعد المقرب من سيف الإسلام لـ«الشرق الأوسط» كسف سلّم بنفسه أموال الدعم لحملة المرشحة الأوكرانية، بتكليف من رئيس الحكومة الليبية آنذاك. ويقول: «نقلتها في حقيبة... سافرت إليها بطائرة خاصة، ووصلت مطار كييف، وأعطيتها لنائب رئيس الوزراء هناك، وكانت كل ورقة من الملايين الأربعة من فئة 500 يورو».
كان هذا المساعد موجوداً أيضاً في أروقة المفاوضات بين رجال القذافي وساركوزي، المرشح لزعامة بلاده عن تكتل «الاتحاد من أجل حركة شعبية». كما كان تقي الدين يشارك في جانب من تلك الاجتماعات رفيعة المستوى. وتعكس مكاتبات عدة بين باريس وطرابلس، الاندفاع الفرنسي نحو ليبيا بمشاركة رجال أعمال ومسؤولين فرنسيين وعرب.
وكان السؤال الذي تم توجيهه لساركوزي في فندق «كورنثيا» في طرابلس، من جانب الليبيين: «ماذا يمكن أن تقدم إذا فزت بالرئاسة أمام منافستك سيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي؟». لقد كان على رأس المشاكل العالقة بين باريس وطرابلس قضية تفجير طائرة «يو تي إيه»، ومن بين المتهمين الأربعة فيها أحد أكبر القيادات الأمنية الليبية، وهو عبد الله السنوسي. وكان السنوسي نفسه موجوداً في الاجتماع.
وتم وضع هذه القضية على طاولة المفاوضات في جناح الفندق عينه الذي أقام فيه ساركوزي في سبتمبر (أيلول) 2005. وكان من بين من حضروا المفاوضات مع ساركوزي في فندق «كورنثيا» أيضاً، مسؤول ليبي آخر، كان يلقب بـ«مدير مكتب القذافي»، ويدعى بشير صالح، ويعيش معظم الوقت حالياً في جنوب أفريقيا. لكن الرجل عادة ما ينفي اقتران اسمه بقضية تمويل حملة ساركوزي، ولم يتسن الحصول منه على تعليق مباشر حول هذه القضية.
غير أن تقي الدين والمساعد البارز لسيف الإسلام القذافي، يقولان إن صالح كان أحد الضالعين في العملية، إلى جانب ألكسندر الجوهري، وهو رجل أعمال فرنسي من أصل جزائري (موقوف في لندن)، ورجال أعمال آخرين من جنسيات مختلفة.
ويتذكر مساعد سيف الإسلام ملابسات تلك الفترة، بقوله: «طبعا الرئيس ساركوزي قبل أن يتولى الرئاسة كان وزيراً للداخلية، ومن أتى به لليبيا كان مستشاره كلود غيان وتقي الدين. شعرنا أثناء الحديث مع ساركوزي أن طموحه في أن يصبح رئيساً لفرنسا كان كبيراً. وطلب دعماً من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».
وبين ما ذكره ساركوزي في مفاوضات فندق «كورنثيا»، كما يتذكر شهود حضروا الاجتماع، قوله: «لو دعمتموني في الانتخابات، سأقف مع ليبيا، وسنعمل سوياً في أفريقيا»، بحسب مساعد سيف الإسلام الذي أضاف أن الرجل «قدم وعوداً براقة كثيرة... قال بمبادرة منه هو إنه يتعهد لنا بأنه سيُسقط أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد على المتهمين الليبيين الأربعة في قضية تفجير الطائرة الفرنسية يو تي إيه» التي تحطمت فوق النيجر في 1989، والمتهم فيها أربعة ليبيين من بينهم السنوسي الذي «كان مشاركاً في هذه المفاوضات». ويقول تقي الدين: «شاركتُ في جانب من هذه اللقاءات، سواء في فندق كورنثيا، أو بحضور القذافي في مقر الحكم في باب العزيزية في العاصمة».
وكانت محكمة فرنسية حكمت في 1999 على السنوسي، وثلاثة آخرين، في قضية «يو تي إيه» التي قتل فيها 170 شخصاً، بعد انطلاقها من مطار نجامينا الدولي في تشاد. وكانت الطائرة في طريقها من الكونغو إلى باريس. وقيل وقتها إن الدافع وراء تفجيرها الانتقام من الحكومة الفرنسية لدعمها تشاد في نزاع حدودي مع ليبيا. وتمت تسوية هذا النزاع في جانبه المدني في عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، لكن احتمال فتحه كان وارداً بسبب المبالغ الضخمة التي دفعتها ليبيا لضحايا طائرة لوكيربي.
وعما إذا كان ساركوزي طلب خلال مفاوضات فندق «كورنثيا» مبلغاً معيناً، يقول مساعد القذافي الابن: «لا... هو اكتفى بطلب التمويل فقط. وفي مرحلة تالية توجه كل من ساركوزي والسنوسي وتقي الدين، لمقابلة القائد (معمر القذافي)، حيث تقررت الموافقة على تمويل حملة ساركوزي».
وتم التمويل بالفعل عبر طرق مختلفة، كأموال سائلة في حقائب ضخمة، كما أن إيصال التحويلات النقدية للحملة جرى من خلال مسارين... الأول عن طريق السنوسي كطرف ليبي، ومن الجانب الفرنسي رجل أعمال ومستشار كانا مقربين لساركوزي وقتها. والمسار الثاني، مثَّل فيه الجوهري طرف ساركوزي».
وفي وقت لاحق، نفى مستشار ساركوزي ووزير داخليته السابق لمحققين في باريس أن تكون الأموال الموجودة في حسابه لها صلة بتمويل الحملة الانتخابية. ويقول مساعد سيف الإسلام إن إجمالي المبالغ التي وصلت لحملة ساركوزي بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو، إلا أن تقي الدين يعلق قائلاً: «أنت تحكي عن خمسين مليونا، وتنسى البقية... القيمة أكبر بكثير جداً. حجم الأموال التي وصلت عبر خط تمويل حملة ساركوزي لا يمكن تخيله. ومن حسن الحظ أن معظم الضالعين في هذه العملية ما زالوا على قيد الحياة. أتوقع فضائح كبيرة مستقبلاً بشأن هذه القضية». ويذكر تقي الدين أن سيف الإسلام شارك كذلك في اجتماعات عدة حول عملية تمويل ساركوزي.
وعما إذا كان نجل القذافي قد اطلع على حجم هذه الأموال، وغيرها من تفاصيل، يقول مساعده: «طبعاً، طبعاً... وبعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز ساركوزي، حدثت مكالمة هاتفية بينه وبين القذافي، عبَّر فيها له عن شكره وإخلاصه في التعاون مع ليبيا في المجالات كافة، وأنه سينفذ ما تم الاتفاق عليه».
ويقول ساركوزي للقذافي، في تفريغ لهذه المكالمة التي جرت في 27 مايو (أيار) 2007، تم الحصول عليها من أحد المطلعين على التفاصيل: «سيادة القائد... أنا يسعدني كثيراً أن أتحدث معكم على الهاتف، وأنا لم أنس الموعد الذي كنتم أعطيتمونا إياه. وأنا احتفظت بذكرى رائعة عن نوعية التحاليل التي سمعتها منكم، وحقاً أنتم تستحقون هذه التسمية (القائد)، لقد تأثرت كثيراً لرسالة التهنئة التي أرسلتموها لي، وأود أن أعطي زخماً جديداً لعلاقتنا الثنائية، مثلاً بالنسبة إلى الطاقة النووية، إذا كنتم توافقون فأنا مستعد لإرسال بعثة استكشافية لتقصي هذا الأمر، وفي مجال الدفاع، يسعدني إذا تمكنا من العمل بشكل ملموس مع ليبيا، وفي مجال مكافحة الإرهاب يمكن أن نذهب أبعد مما حققنا حتى الآن».
وأكد مساعد القذافي الابن صحة المكالمة. ودعا ساركوزي القذافي في الاتصال نفسه، إلى زيارة فرنسا التي جرت بالفعل في تلك السنة. وجرى هناك توقيع عقود ومذكرات تفاهم، بينها واحدة تخص شراء مجموعة من مقاتلات «رافال» التي كانت مُصنَّعة حديثاً في شركة «داسو» الفرنسية. في ذلك الوقت لم تكن فرنسا باعت أيا من هذه الطائرات للخارج. وكان ساركوزي، منذ بداية دخوله قصر الإليزيه، وحتى أواخر 2010، مُصراً إصراراً شديداً على بيع هذا النوع من الطائرات لليبيا، وبعث أكثر من مبعوث إلى طرابلس لهذا الغرض.
وفي شقته في شرق القاهرة، يتذكر قائد سابق في نظام القذافي تلك الملابسات، قائلاً: «لم نكن مرتاحين أبداً لذلك النوع من الطائرات». أما مساعد سيف الإسلام فيوضح أنه «كان هناك رأي يقول إن هذه الطائرات ذات سعر مرتفع للغاية، وأنه من الأفضل أن نشتري طائرات روسية، بدلا من ذلك، خصوصاً أن الرافال لم تكن قد بيعت لأي دولة، وبالتالي لا أحد خارج فرنسا جرب كفاءتها... هذه واحدة من الأمور التي جعلت ساركوزي ينقلب ضدنا. أعتقد أنه رأى أننا قد ضحكنا عليه».
ومع ذلك بعث ساركوزي برسالة إلى القذافي في يونيو (حزيران) 2010، بغرض التذكير بأهمية تنفيذ «عقود التعاون». ودعا في رسالة أخرى خلال الشهر نفسه سيف الإسلام لزيارة فرنسا، لاستكمال عقد بيع المقاتلات الفرنسية. لكن زيارة سيف لم تتم. ويقول مساعده: «لم نذهب. وبعد ذلك دخلت ظروف الحرب في الداخل الليبي».
أما تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004، فتعود ملابساته إلى لقاء نادر في أغسطس (آب) 2000 بين مسؤول أميركي رفيع المستوى وسيف الإسلام القذافي على هامش قمة في تنزانيا حول السلام في منطقة البحيرات العظمى. ويقول مساعد سيف إن هذا اللقاء الأول مهد للقاء آخر في صيف 2004 قبيل الانتخابات الأميركية بين سيف والمسؤول الأميركي الكبير، الذي كان قد أصبح سابقاً وقتها. جرى اللقاء الثاني في فندق «فورسيزونز» (جورج الخامس) في باريس، ورتبه رجل أعمال لبناني - نيجيري بارز.
وفي الفندق تحدث الرجلان مطولاً، وقال المسؤول الأميركي السابق إن فوز المرشح الذي كان يدعمه «يمكن أن يفتح صفحة جديدة مع ليبيا، ونحل كل المشاكل العالقة». كانت ليبيا في ذلك الوقت ما زالت على قائمة الدول الراعية للإرهاب. ووفقا لمساعد القذافي الابن، فإن محدثه الأميركي ربط صراحة بين دعم حملة مرشحه وبين رفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب.
ظهر في ذلك الوقت اسم «صديق» مشترك بين الرجلين، وهو رجل أعمال فلسطيني - أميركي. ويقول مساعد سيف الإسلام إن المسؤول الأميركي السابق «أعطى اسم هذا الصديق لسيف، وقال له إنه سيكون الوسيط بيننا وبينكم... كنت مطلعاً على هذه اللقاءات وتفاصيلها. وحين عاد سيف إلى طرابلس عرض الموضوع على القيادة، وعلى رئاسة الوزراء، واتفق على أن تتولى جمعية ليبية - أميركية هذه الموضوعات».
وتكشف وثيقة موقعة من موسى كوسا، الذي كان رئيساً لجهاز الأمن الخارجي الليبي وقتها، جانبا من تفاصيل عملية تمويل المرشح الرئاسي الأميركي. ويعود تاريخ الوثيقة إلى يوم 15 سبتمبر 2004، وكان ضابطا في الأمن الخارجي الليبي أشير إليه بالحروف ع. ع. د. يتولى رئاسة تلك الجمعية. وفي فرعها في طرابلس، التقى ضباط من الأمن الليبي بالوسيط واتفقوا على منح الحملة خمسة ملايين دولار، لكن بعد سفر الضابط ع. ع. د. بنفسه للقاء المرشح في الولايات المتحدة، «للتأكد من وعوده».
ووصل الضابط إلى واشنطن في نهايات أكتوبر (تشرين الأول)، ومنها استقل طائرة إلى إحدى مدن ولاية أوهايو، وكان معه الوسيط وشخص يعمل مع المرشح. وهناك التقوا في فندق مع المرشح الذي تعهد بتسوية المشاكل العالقة مع ليبيا في حال فوزه بالرئاسة. وتم الاتفاق أيضاً على تحويل الأموال إلى الحملة عن طريق الوسيط، ومن بلد ثالث، حتى لا تكون هناك أي علاقة يمكن رصدها بين ليبيا والحملة.
ووفقاً لشهادة من مسؤول سابق منخرط في هذا الملف، فإنه وبمجرد أن أبلغ الضابط الليبي قيادة جهاز الأمن الخارجي في طرابلس، بموقف المرشح، بدأت عملية تحويل الأموال من حساب في «مصرف الجمهورية» في العاصمة الليبية، ثم إلى حساب «المصرف الخارجي» في طرابلس أيضاً. ومنه إلى مصرف في دولة ثالثة، إلى أن وصلت الأموال لحملة المرشح الأميركي.
وبالإضافة إلى وقوف طرابلس مع ساركوزي وهذا المرشح الأميركي وتمويلها حملة انتخابية في البرتغال، تولت كذلك تمويل حملة تيموشينكو للرئاسة في أوكرانيا. وبدأت الانتخابات هناك في 2009 وانتهت في مطلع 2010. ويقول مساعد القذافي الابن، وهو شاهد رئيسي في هذه العملية: «أنا شخصياً، في الانتخابات الأوكرانية، أخذت أموالاً، وأوصلتها إلى حملة تيموشينكو. أعطيتهم أربعة ملايين يورو بنفسي. أخذت الأموال بتكليف من الدكتور البغدادي المحمودي رئيس الوزراء في ذلك الوقت (محبوس حالياً في طرابلس)، ووضعتها في حقيبة، وكانت من فئة 500 يورو... وتوجهنا في طائرة خاصة، واستقبلونا في مطار كييف، وأمضينا ليلة، وثاني يوم رجعت. والذي تسلم الأموال نائب رئيس الوزراء في أوكرانيا آنذاك».
وعن هدف ليبيا من وراء تمويل حملات انتخابية لمرشحي رئاسة في الخارج، يوضح: «كنا نسعى إلى العمل من أجل المستقبل بما يخدم الشعب الليبي. كان لدينا طموح لكسب أصدقاء حول العالم». وعن تمويل حملة تيموشينكو تحديداً، يقول: «كان الهدف أنه إذا ما فازت برئاسة البلاد، فإن ليبيا كانت ستستثمر في زراعة الأراضي هناك، خصوصاً في زراعة القمح، ضمن مشروع الأمن الغذائي الليبي. حين تموِّل شخصاً، أو تستثمر في شخص، فهذا كي يكون حليفاً لك. أو كما يقول المصريون: نشتري رجلاً».

غداً في الحلقة الرابعة: حَمَلَة أسرار نظام القذافي في مرمى نيران الخصوم داخلياً وخارجياً



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.