يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

5 ملايين دولار لدعم مرشح للرئاسة الأميركية... و4 ملايين يورو لتيموشينكو نقلت في حقائب

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
TT

يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)

تتضمن هذه الحلقة من سلسلة الحلقات التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن أيام الود والخصام بين النظام الليبي السابق وأطراف محلية وخارجية، تفاصيل جديدة عن تمويل طرابلس لحملات رئاسية في فرنسا وأميركا وأوكرانيا. وجرى جمع هذه المعلومات بما تشمله من وثائق ومستندات، من أشخاص عدة انخرطوا في هذه التمويلات المعقدة ويعيش معظمهم في الظل حالياً.
ويقول شهود من النظام الليبي السابق إن حجم الأموال التي أنفقتها طرابلس في 2007 على حملة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حين كان مرشحاً، بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو. لكن رجل الأعمال اللبناني زياد تقي الدين الذي حضر اجتماعات لساركوزي مع القذافي، يوضح أن «المبالغ أكبر من ذلك بكثير». بينما جرى، عبر المحيط الأطلنطي، تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004 بخمسة ملايين دولار. وعلى البحر الأسود، تم تمويل حملة مرشحة الرئاسة في أوكرانيا يوليا تيموشينكو في 2010، بأربعة ملايين يورو.
ينفي ساركوزي الاتهامات الموجّهة إليه بتلقّي أموال ليبية. بيد أن أحد أقرب مساعدي سيف الإسلام القذافي، الذي كان أحد شهود عمليات جرت خلف أبوب مغلقة، أشار إلى أن تمويل بلاده للحملة الرئاسية في فرنسا، تم عبر رجال أعمال مقربين من ساركوزي، وأن هذا الأخير، الذي كان لا يزال وزيراً للداخلية في بلاده، تعهد وقتها بتطوير العلاقات الثنائية مع ليبيا والعمل في أفريقيا وإسقاط التهم عن المدانين الليبيين الأربعة في قضية تفجير طائرة «يو تي إيه» الفرنسية، في حال دخوله قصر الإليزيه.
أما تمويل حملة المرشح الأميركي، فجاء عبر وسيط كان بمثابة صديق مشترك بين سيف الإسلام ومسؤول أميركي رفيع سابق، أملاً بأن يقوم المرشح في حال فوزه بالرئاسة، برفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب. وجرى تحويل الأموال عبر دولة ثالثة، بعد لقاء في مدينة توليدو بولاية أوهايو بين هذا المرشح وضابط أمن ليبي بصفته ممثلاً لجمعية ليبية - أميركية.
وفيما يتعلق بتيموشينكو، فقد كانت حازت شهرة واسعة لمشاركتها فيما عرف في 2004 بالثورة البرتقالية التي تفجرت في بلدها احتجاجاً على ما شاب انتخابات الرئاسة من مخالفات. وتزعمت حزب «كل الأوكرانيين»، ثم تولت بعد ذلك موقع رئيس الوزراء أوكرانيا، إلى أن ترشحت للرئاسة.
ويتذكر بعض رجال النظام الليبي السابق تلك الأيام. ويقول أحد هؤلاء إن «تمويل حملات انتخابية في بلدان أخرى تقوم به دول كثيرة، وليست ليبيا فقط، لكسب نفوذ الفائزين المحتملين». ويروي المساعد المقرب من سيف الإسلام لـ«الشرق الأوسط» كسف سلّم بنفسه أموال الدعم لحملة المرشحة الأوكرانية، بتكليف من رئيس الحكومة الليبية آنذاك. ويقول: «نقلتها في حقيبة... سافرت إليها بطائرة خاصة، ووصلت مطار كييف، وأعطيتها لنائب رئيس الوزراء هناك، وكانت كل ورقة من الملايين الأربعة من فئة 500 يورو».
كان هذا المساعد موجوداً أيضاً في أروقة المفاوضات بين رجال القذافي وساركوزي، المرشح لزعامة بلاده عن تكتل «الاتحاد من أجل حركة شعبية». كما كان تقي الدين يشارك في جانب من تلك الاجتماعات رفيعة المستوى. وتعكس مكاتبات عدة بين باريس وطرابلس، الاندفاع الفرنسي نحو ليبيا بمشاركة رجال أعمال ومسؤولين فرنسيين وعرب.
وكان السؤال الذي تم توجيهه لساركوزي في فندق «كورنثيا» في طرابلس، من جانب الليبيين: «ماذا يمكن أن تقدم إذا فزت بالرئاسة أمام منافستك سيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي؟». لقد كان على رأس المشاكل العالقة بين باريس وطرابلس قضية تفجير طائرة «يو تي إيه»، ومن بين المتهمين الأربعة فيها أحد أكبر القيادات الأمنية الليبية، وهو عبد الله السنوسي. وكان السنوسي نفسه موجوداً في الاجتماع.
وتم وضع هذه القضية على طاولة المفاوضات في جناح الفندق عينه الذي أقام فيه ساركوزي في سبتمبر (أيلول) 2005. وكان من بين من حضروا المفاوضات مع ساركوزي في فندق «كورنثيا» أيضاً، مسؤول ليبي آخر، كان يلقب بـ«مدير مكتب القذافي»، ويدعى بشير صالح، ويعيش معظم الوقت حالياً في جنوب أفريقيا. لكن الرجل عادة ما ينفي اقتران اسمه بقضية تمويل حملة ساركوزي، ولم يتسن الحصول منه على تعليق مباشر حول هذه القضية.
غير أن تقي الدين والمساعد البارز لسيف الإسلام القذافي، يقولان إن صالح كان أحد الضالعين في العملية، إلى جانب ألكسندر الجوهري، وهو رجل أعمال فرنسي من أصل جزائري (موقوف في لندن)، ورجال أعمال آخرين من جنسيات مختلفة.
ويتذكر مساعد سيف الإسلام ملابسات تلك الفترة، بقوله: «طبعا الرئيس ساركوزي قبل أن يتولى الرئاسة كان وزيراً للداخلية، ومن أتى به لليبيا كان مستشاره كلود غيان وتقي الدين. شعرنا أثناء الحديث مع ساركوزي أن طموحه في أن يصبح رئيساً لفرنسا كان كبيراً. وطلب دعماً من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».
وبين ما ذكره ساركوزي في مفاوضات فندق «كورنثيا»، كما يتذكر شهود حضروا الاجتماع، قوله: «لو دعمتموني في الانتخابات، سأقف مع ليبيا، وسنعمل سوياً في أفريقيا»، بحسب مساعد سيف الإسلام الذي أضاف أن الرجل «قدم وعوداً براقة كثيرة... قال بمبادرة منه هو إنه يتعهد لنا بأنه سيُسقط أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد على المتهمين الليبيين الأربعة في قضية تفجير الطائرة الفرنسية يو تي إيه» التي تحطمت فوق النيجر في 1989، والمتهم فيها أربعة ليبيين من بينهم السنوسي الذي «كان مشاركاً في هذه المفاوضات». ويقول تقي الدين: «شاركتُ في جانب من هذه اللقاءات، سواء في فندق كورنثيا، أو بحضور القذافي في مقر الحكم في باب العزيزية في العاصمة».
وكانت محكمة فرنسية حكمت في 1999 على السنوسي، وثلاثة آخرين، في قضية «يو تي إيه» التي قتل فيها 170 شخصاً، بعد انطلاقها من مطار نجامينا الدولي في تشاد. وكانت الطائرة في طريقها من الكونغو إلى باريس. وقيل وقتها إن الدافع وراء تفجيرها الانتقام من الحكومة الفرنسية لدعمها تشاد في نزاع حدودي مع ليبيا. وتمت تسوية هذا النزاع في جانبه المدني في عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، لكن احتمال فتحه كان وارداً بسبب المبالغ الضخمة التي دفعتها ليبيا لضحايا طائرة لوكيربي.
وعما إذا كان ساركوزي طلب خلال مفاوضات فندق «كورنثيا» مبلغاً معيناً، يقول مساعد القذافي الابن: «لا... هو اكتفى بطلب التمويل فقط. وفي مرحلة تالية توجه كل من ساركوزي والسنوسي وتقي الدين، لمقابلة القائد (معمر القذافي)، حيث تقررت الموافقة على تمويل حملة ساركوزي».
وتم التمويل بالفعل عبر طرق مختلفة، كأموال سائلة في حقائب ضخمة، كما أن إيصال التحويلات النقدية للحملة جرى من خلال مسارين... الأول عن طريق السنوسي كطرف ليبي، ومن الجانب الفرنسي رجل أعمال ومستشار كانا مقربين لساركوزي وقتها. والمسار الثاني، مثَّل فيه الجوهري طرف ساركوزي».
وفي وقت لاحق، نفى مستشار ساركوزي ووزير داخليته السابق لمحققين في باريس أن تكون الأموال الموجودة في حسابه لها صلة بتمويل الحملة الانتخابية. ويقول مساعد سيف الإسلام إن إجمالي المبالغ التي وصلت لحملة ساركوزي بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو، إلا أن تقي الدين يعلق قائلاً: «أنت تحكي عن خمسين مليونا، وتنسى البقية... القيمة أكبر بكثير جداً. حجم الأموال التي وصلت عبر خط تمويل حملة ساركوزي لا يمكن تخيله. ومن حسن الحظ أن معظم الضالعين في هذه العملية ما زالوا على قيد الحياة. أتوقع فضائح كبيرة مستقبلاً بشأن هذه القضية». ويذكر تقي الدين أن سيف الإسلام شارك كذلك في اجتماعات عدة حول عملية تمويل ساركوزي.
وعما إذا كان نجل القذافي قد اطلع على حجم هذه الأموال، وغيرها من تفاصيل، يقول مساعده: «طبعاً، طبعاً... وبعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز ساركوزي، حدثت مكالمة هاتفية بينه وبين القذافي، عبَّر فيها له عن شكره وإخلاصه في التعاون مع ليبيا في المجالات كافة، وأنه سينفذ ما تم الاتفاق عليه».
ويقول ساركوزي للقذافي، في تفريغ لهذه المكالمة التي جرت في 27 مايو (أيار) 2007، تم الحصول عليها من أحد المطلعين على التفاصيل: «سيادة القائد... أنا يسعدني كثيراً أن أتحدث معكم على الهاتف، وأنا لم أنس الموعد الذي كنتم أعطيتمونا إياه. وأنا احتفظت بذكرى رائعة عن نوعية التحاليل التي سمعتها منكم، وحقاً أنتم تستحقون هذه التسمية (القائد)، لقد تأثرت كثيراً لرسالة التهنئة التي أرسلتموها لي، وأود أن أعطي زخماً جديداً لعلاقتنا الثنائية، مثلاً بالنسبة إلى الطاقة النووية، إذا كنتم توافقون فأنا مستعد لإرسال بعثة استكشافية لتقصي هذا الأمر، وفي مجال الدفاع، يسعدني إذا تمكنا من العمل بشكل ملموس مع ليبيا، وفي مجال مكافحة الإرهاب يمكن أن نذهب أبعد مما حققنا حتى الآن».
وأكد مساعد القذافي الابن صحة المكالمة. ودعا ساركوزي القذافي في الاتصال نفسه، إلى زيارة فرنسا التي جرت بالفعل في تلك السنة. وجرى هناك توقيع عقود ومذكرات تفاهم، بينها واحدة تخص شراء مجموعة من مقاتلات «رافال» التي كانت مُصنَّعة حديثاً في شركة «داسو» الفرنسية. في ذلك الوقت لم تكن فرنسا باعت أيا من هذه الطائرات للخارج. وكان ساركوزي، منذ بداية دخوله قصر الإليزيه، وحتى أواخر 2010، مُصراً إصراراً شديداً على بيع هذا النوع من الطائرات لليبيا، وبعث أكثر من مبعوث إلى طرابلس لهذا الغرض.
وفي شقته في شرق القاهرة، يتذكر قائد سابق في نظام القذافي تلك الملابسات، قائلاً: «لم نكن مرتاحين أبداً لذلك النوع من الطائرات». أما مساعد سيف الإسلام فيوضح أنه «كان هناك رأي يقول إن هذه الطائرات ذات سعر مرتفع للغاية، وأنه من الأفضل أن نشتري طائرات روسية، بدلا من ذلك، خصوصاً أن الرافال لم تكن قد بيعت لأي دولة، وبالتالي لا أحد خارج فرنسا جرب كفاءتها... هذه واحدة من الأمور التي جعلت ساركوزي ينقلب ضدنا. أعتقد أنه رأى أننا قد ضحكنا عليه».
ومع ذلك بعث ساركوزي برسالة إلى القذافي في يونيو (حزيران) 2010، بغرض التذكير بأهمية تنفيذ «عقود التعاون». ودعا في رسالة أخرى خلال الشهر نفسه سيف الإسلام لزيارة فرنسا، لاستكمال عقد بيع المقاتلات الفرنسية. لكن زيارة سيف لم تتم. ويقول مساعده: «لم نذهب. وبعد ذلك دخلت ظروف الحرب في الداخل الليبي».
أما تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004، فتعود ملابساته إلى لقاء نادر في أغسطس (آب) 2000 بين مسؤول أميركي رفيع المستوى وسيف الإسلام القذافي على هامش قمة في تنزانيا حول السلام في منطقة البحيرات العظمى. ويقول مساعد سيف إن هذا اللقاء الأول مهد للقاء آخر في صيف 2004 قبيل الانتخابات الأميركية بين سيف والمسؤول الأميركي الكبير، الذي كان قد أصبح سابقاً وقتها. جرى اللقاء الثاني في فندق «فورسيزونز» (جورج الخامس) في باريس، ورتبه رجل أعمال لبناني - نيجيري بارز.
وفي الفندق تحدث الرجلان مطولاً، وقال المسؤول الأميركي السابق إن فوز المرشح الذي كان يدعمه «يمكن أن يفتح صفحة جديدة مع ليبيا، ونحل كل المشاكل العالقة». كانت ليبيا في ذلك الوقت ما زالت على قائمة الدول الراعية للإرهاب. ووفقا لمساعد القذافي الابن، فإن محدثه الأميركي ربط صراحة بين دعم حملة مرشحه وبين رفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب.
ظهر في ذلك الوقت اسم «صديق» مشترك بين الرجلين، وهو رجل أعمال فلسطيني - أميركي. ويقول مساعد سيف الإسلام إن المسؤول الأميركي السابق «أعطى اسم هذا الصديق لسيف، وقال له إنه سيكون الوسيط بيننا وبينكم... كنت مطلعاً على هذه اللقاءات وتفاصيلها. وحين عاد سيف إلى طرابلس عرض الموضوع على القيادة، وعلى رئاسة الوزراء، واتفق على أن تتولى جمعية ليبية - أميركية هذه الموضوعات».
وتكشف وثيقة موقعة من موسى كوسا، الذي كان رئيساً لجهاز الأمن الخارجي الليبي وقتها، جانبا من تفاصيل عملية تمويل المرشح الرئاسي الأميركي. ويعود تاريخ الوثيقة إلى يوم 15 سبتمبر 2004، وكان ضابطا في الأمن الخارجي الليبي أشير إليه بالحروف ع. ع. د. يتولى رئاسة تلك الجمعية. وفي فرعها في طرابلس، التقى ضباط من الأمن الليبي بالوسيط واتفقوا على منح الحملة خمسة ملايين دولار، لكن بعد سفر الضابط ع. ع. د. بنفسه للقاء المرشح في الولايات المتحدة، «للتأكد من وعوده».
ووصل الضابط إلى واشنطن في نهايات أكتوبر (تشرين الأول)، ومنها استقل طائرة إلى إحدى مدن ولاية أوهايو، وكان معه الوسيط وشخص يعمل مع المرشح. وهناك التقوا في فندق مع المرشح الذي تعهد بتسوية المشاكل العالقة مع ليبيا في حال فوزه بالرئاسة. وتم الاتفاق أيضاً على تحويل الأموال إلى الحملة عن طريق الوسيط، ومن بلد ثالث، حتى لا تكون هناك أي علاقة يمكن رصدها بين ليبيا والحملة.
ووفقاً لشهادة من مسؤول سابق منخرط في هذا الملف، فإنه وبمجرد أن أبلغ الضابط الليبي قيادة جهاز الأمن الخارجي في طرابلس، بموقف المرشح، بدأت عملية تحويل الأموال من حساب في «مصرف الجمهورية» في العاصمة الليبية، ثم إلى حساب «المصرف الخارجي» في طرابلس أيضاً. ومنه إلى مصرف في دولة ثالثة، إلى أن وصلت الأموال لحملة المرشح الأميركي.
وبالإضافة إلى وقوف طرابلس مع ساركوزي وهذا المرشح الأميركي وتمويلها حملة انتخابية في البرتغال، تولت كذلك تمويل حملة تيموشينكو للرئاسة في أوكرانيا. وبدأت الانتخابات هناك في 2009 وانتهت في مطلع 2010. ويقول مساعد القذافي الابن، وهو شاهد رئيسي في هذه العملية: «أنا شخصياً، في الانتخابات الأوكرانية، أخذت أموالاً، وأوصلتها إلى حملة تيموشينكو. أعطيتهم أربعة ملايين يورو بنفسي. أخذت الأموال بتكليف من الدكتور البغدادي المحمودي رئيس الوزراء في ذلك الوقت (محبوس حالياً في طرابلس)، ووضعتها في حقيبة، وكانت من فئة 500 يورو... وتوجهنا في طائرة خاصة، واستقبلونا في مطار كييف، وأمضينا ليلة، وثاني يوم رجعت. والذي تسلم الأموال نائب رئيس الوزراء في أوكرانيا آنذاك».
وعن هدف ليبيا من وراء تمويل حملات انتخابية لمرشحي رئاسة في الخارج، يوضح: «كنا نسعى إلى العمل من أجل المستقبل بما يخدم الشعب الليبي. كان لدينا طموح لكسب أصدقاء حول العالم». وعن تمويل حملة تيموشينكو تحديداً، يقول: «كان الهدف أنه إذا ما فازت برئاسة البلاد، فإن ليبيا كانت ستستثمر في زراعة الأراضي هناك، خصوصاً في زراعة القمح، ضمن مشروع الأمن الغذائي الليبي. حين تموِّل شخصاً، أو تستثمر في شخص، فهذا كي يكون حليفاً لك. أو كما يقول المصريون: نشتري رجلاً».

غداً في الحلقة الرابعة: حَمَلَة أسرار نظام القذافي في مرمى نيران الخصوم داخلياً وخارجياً



«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
TT

«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الثالث مع تركيز القوات الحكومية اليمنية على تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتأمين طرق التقدم والامتداد نحو باب المندب والمخا، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من الجبهات، في وقت تكبّدت فيه الجماعة الحوثية خلال الأيام الثلاثة الأولى خسائر تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، خصوصاً في جبهة باب المندب، جرّاء الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وبينما لا يزال التقدم الحكومي متركزاً في مديرية ذوباب ومطارها ومحيطها على الساحل الغربي، برزت مديرية الوازعية، غرب تعز، باعتبارها الجبهة الأكثر ارتباطاً بأمن هذا التقدم، إذ تخوض «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» معاركها هناك للسيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على طرق الحركة وخطوط الإمداد.

وتأتي هذه العمليات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية، الاثنين الماضي، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية.

أطلقت قوات «درع الوطن» اليمنية عملية لتحرير مديرية الوازعية غرب تعز (إعلام عسكري)

وأعلنت قوات «درع الوطن» إطلاق عملية عسكرية واسعة لتحرير الوازعية، وقالت إنها حققت تقدماً وسيطرت على تلال استراتيجية مطلة على منطقة المنصورة، بالتزامن مع ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة لها واستهدفت موقعاً حوثياً في الجبهة، وأسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل عدد من عناصر الجماعة.

كما قالت القوات إن مدفعيتها استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في معسكر اللبنات الاستراتيجي بمحافظة الجوف شرقاً، ضمن العمليات المتزامنة التي تنفذها في إطار «فجر اليمن».

وتكتسب الوازعية أهمية خاصة في حسابات المعركة، ليس فقط باعتبارها هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وإنما لكونها منطقة جبلية مرتفعة تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل.

وحسب محللين عسكريين، فإن التقدم مباشرة نحو المخا وترك المرتفعات الحوثية في الوازعية خلف القوات المتقدمة كان سيتيح للجماعة شن هجمات مباغتة من الجبال، وقطع طرق الإمداد أو تهديد القوات من الخلف، بما يحوّل التقدم الساحلي إلى عبء عسكري بدلاً من أن يكون مكسباً قابلاً للتثبيت.

ولهذا تبدو السيطرة على الوازعية، بالنسبة إلى القوات الحكومية، جزءاً من معركة تأمين الساحل قبل توسيع نطاق التقدم فيه؛ إذ إن إغلاق المرتفعات والسيطرة على التلال المشرفة على الطرق الخلفية يحدّ من قدرة الحوثيين على المناورة والنزول باتجاه الساحل، ويؤمّن خطوط الإمداد للقوات المتقدمة.

جبهات تحت الضغط

في قطاع مديرية ذوباب، ظل التقدم الحكومي متركزاً في المدينة ومطارها ومحيطهما، من دون إعلان جديد عن انتقال ثابت لمواقع السيطرة خلال الساعات الأخيرة.

وقالت «قوات العمالقة الجنوبية» إنها كسرت هجوماً حوثياً على مواقعها في قطاع المطار، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وتتصل أهمية ذوباب بالسيطرة على المدخل الجنوبي للساحل الغربي، وبموقعها القريب من «باب المندب»، ما يجعل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها فيها خطوة أساسية قبل أي توسع باتجاه المخا.

قوات من «ألوية العمالقة» في أثناء هجومها على الحوثيين بالقرب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية كسر هجمات حوثية على جبهة الصلو في الجنوب الشرقي، فيما ظلت مناطق قدس وبني يوسف مناطق قتال. كما أعلنت «درع الوطن» كذلك إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي بالجبهة الغربية لمدينة تعز، في تطور يضيف إلى شبكة المواقع المرتفعة التي تسعى القوات الحكومية إلى تأمينها ضمن عملياتها في تعز.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات تواصل استهداف تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن»، مؤكداً أن معركة استعادة الدولة مستمرة.

وأضاف النزيلي أن رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقوم على توفير الأمان للمواطنين، وإتاحة العفو والعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، قائلاً إن الفرصة لا تزال قائمة أمام من يختار وطنه «قبل فوات الأوان».

وفي السياق ذاته، أشاد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بما وصفها بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية في أكثر من جبهة، وشدد على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

واستمع العقيلي إلى تقييم للموقف الميداني والمهام المنفذة على امتداد خطوط المواجهة، ووجّه بمواصلة العمليات وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق والمتابعة الميدانية.

خسائر الحوثيين

حسب المعطيات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية خلال الأيام الثلاثة الأولى، فإن خسائر الحوثيين تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، في حصيلة نتجت عن الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وتتركز الخسائر الأشد، وفق هذه المعطيات، في جبهة باب المندب، حيث واجهت القوات الحكومية الحوثيين في اشتباكات مباشرة بالتزامن مع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتحركات وآليات الجماعة.

قوات «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» تقود عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وتعكس هذه الخسائر طبيعة المرحلة الجديدة من العمليات؛ فالقوات الحكومية اليمنية لا تكتفي، وفق ما تعلنه، بصد الهجمات الحوثية، وإنما تعمل على ضرب خطوط الإمداد والمواقع العسكرية، ودفع الجماعة إلى التراجع عن مواقعها الأمامية، بالتزامن مع محاولة تأمين المرتفعات والطرق التي تحمي التقدم الساحلي.

وتؤكد القوات الحكومية أن «فجر اليمن» مستمرة على أكثر من محور، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، وأن هدفها المعلن يتجاوز استعادة موقع أو مديرية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.


نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
TT

نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)

أظهرت بيانات أممية حديثة أن النساء والأطفال يشكلون 75 في المائة من النازحين الجدد في اليمن، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري الحوثي، بينما لا تزال المساعدات تواجه قيوداً شديدة تحول دون الوصول إلى أعداد كبيرة من المتضررين.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط حجم الأسرة بين النازحين الجدد 3.8 فرد، مقارنة بنحو ستة أفراد بين الأسر النازحة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن عدداً من أفراد الأسر اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بصورة منفردة أو في مجموعات أصغر.

ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه عدد النازحين منذ الأول من أغسطس (آب) 200 ألف شخص، فيما وصل 3986 شخصاً إلى شرق أفريقيا، بينهم 3799 لاجئاً في أوبوك بجيبوتي، و187 لاجئاً صومالياً عادوا طوعاً من اليمن إلى بلادهم عبر برنامج العودة الطوعية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أسر يمنية شردها الحوثيون تعيش في العراء (إعلام محلي)

وحذرت الأمم المتحدة من اشتداد الأعمال القتالية خلال الأيام الأخيرة، رغم تسجيل تراجع في أعداد النازحين الجدد خلال الأسبوع الماضي.

ووفق البيانات، نزحت 2031 أسرة خلال الأسبوع الأخير، بانخفاض نسبته 39 في المائة مقارنة بالأسبوع السابق. واستقبلت تعز 54 في المائة من هؤلاء النازحين، تلتها لحج بنسبة 24 في المائة، ثم عدن بنسبة 10 في المائة.

ولا تشمل هذه الأرقام محافظة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما تعذر الرصد فيها منذ 9 سبتمبر (أيلول) بسبب القيود المفروضة على الوصول.

ويواجه أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن تراجعاً في إمكانية الوصول إلى خدمات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. ولم تتمكن المفوضية من الوصول إلى مخيم خراز للاجئين منذ 10 سبتمبر الماضي، بينما لا تزال أنشطة التسجيل والتوثيق معلقة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

فجوة الاستجابة

وقالت الأمم المتحدة إن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال مقيداً بشدة بسبب انعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات، وقيود الحركة.

ويؤثر استمرار إغلاق الطرق الرئيسية، وبينها الطريق الرابط بين عدن وصنعاء، في حركة المساعدات الإنسانية ووصولها إلى السكان المتضررين، فيما لا تزال الأنشطة معلقة في مواقع عدة على الساحل الغربي.

نازحون هربوا من بطش الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

وحتى الآن، قدمت المفوضية مساعدات نقدية طارئة إلى 442 أسرة نازحة حديثاً، من أصل هدف للاستجابة يبلغ 5000 أسرة. كما تلقت 143 أسرة أخرى مساعدات نقدية للمأوى.

واشترت المفوضية 1000 مجموعة من أدوات إصلاح الملاجئ، وبدأت توزيعها في أبين ولحج، بينما لا تزال عمليات التسليم إلى الحديدة وتعز معلقة بسبب انعدام الأمن.

ومن المنتظر وصول شحنة تضم 3000 مجموعة من مواد الإغاثة الأساسية إلى عدن في نحو 20 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تستهدف 3000 أسرة، وتشمل بطانيات وحصائر للنوم وناموسيات وأغطية بلاستيكية ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومجموعات للمطبخ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى الاستجابة المشتركة، قدم شركاء مجموعة تنسيق المأوى والأراضي والمواقع مساعدات لأكثر من 4300 أسرة، فيما وصل شركاء مجموعة الحماية إلى أكثر من 13.500 شخص عبر أنشطة شملت الرصد والتقييمات والإحالات وإدارة الحالات.

الأزمة تعبر البحر

لا تقتصر التداعيات الإنسانية للتصعيد اليمني على الداخل، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من الضغوط المتزايدة على جيبوتي، التي تستقبل أشخاصاً قادمين من اليمن، في وقت يواصل مهاجرون آخرون عبور أراضيها في طريقهم إلى اليمن ودول الخليج.

وقالت المنظمة إن أكثر من 3700 لاجئ يمني وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد عبور البحر الأحمر في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الاتجاه المقابل، تحاول مجموعة تضم أكثر من 500 مهاجر إثيوبي العودة إلى بلادهم، بينما دخل أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي بهدف مواصلة رحلتهم باتجاه اليمن.

طفلة يمنية نازحة تقف في مدخل مأوى مصنوع من القش شمال مدينة عدن (أ.ب)

وأبدت المنظمة قلقها إزاء أوضاع مهاجرين تقطعت بهم السبل في المناطق الصحراوية وعلى الطرقات، محذرة من تعرضهم للجفاف والإجهاد ونقص المياه والغذاء.

وتواصل فرق المنظمة تقديم المساعدات العاجلة، لكن الوصول إلى المحتاجين أصبح أكثر تعقيداً مع اعتماد أعداد متزايدة من المهاجرين على طرق ومسارات بعيدة عن الطرق الرئيسية، ما يزيد صعوبة الرصد والاستجابة.

وأكدت المنظمة أن السلطات الجيبوتية تحركت سريعاً لمواجهة التدفقات، غير أن اتساع حجمها وتنوع احتياجات القادمين يفرضان ضغوطاً كبيرة على الإمكانات المتاحة، داعية إلى دعم إضافي يشمل الوافدين من اليمن والمهاجرين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، إلى جانب المجتمعات المحلية التي تتحمل أعباء استضافتهم.


من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
TT

من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)

وسّع الحوثيون عمليات الاستيلاء المنظم على الممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي أحكمت سيطرتها عليها في الساحل الغربي اليمني بمحافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز، في ممارسات تعكس نهجاً يتعامل مع المدن ومرافقها الخدمية باعتبارها غنائم يجري الاستحواذ عليها ونقلها إلى مناطق نفوذ الجماعة.

وتجلّت أحدث هذه الممارسات في تفكيك ومصادرة معدات وألواح محطتي الطاقة الشمسية في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ونقلها إلى صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، ما حرم آلاف السكان من خدمة الكهرباء التي كانت تمثل شرياناً أساسياً لحياتهم اليومية، وفاقم معاناتهم في ظل تردي الخدمات وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادي غرسان المطري، الذي ينتحل صفة مدير كهرباء الحديدة، وجّه قبل أيام عناصر الجماعة بتفكيك منظومتي الطاقة الشمسية في حيس والخوخة، ونقل كامل مكوناتهما وأجهزتهما ومستلزماتهما الفنية على متن شاحنات كبيرة باتجاه صعدة.

الحوثيون استولوا على المساعدات الغذائية في المخا وأعادوا توزيعها مقابل الولاء (إعلام حوثي)

وبحسب المصادر، كانت المنظومتان توفران نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، وأسهمتا في تشغيل المنازل والتخفيف من معاناة السكان، لا سيما في المناطق الساحلية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، قبل أن تتحول معدات المشروعين إلى هدف لعملية مصادرة ونقل منظمة.

وتشير هذه الواقعة، وفق المصادر، إلى نمط أوسع من عمليات الاستيلاء التي تنفذها الجماعة بحق المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي بسطت سيطرتها عليها، حيث يجري حالياً تفكيك تجهيزات ومعدات وشبكات خدمية أخرى ونقلها إلى صعدة وصنعاء، بدلاً من إبقائها لخدمة السكان في مناطقها الأصلية.

اقتصاد الغنيمة

يرى ناشطون من أبناء الحديدة أن نقل منظومات الكهرباء من حيس والخوخة إلى صعدة يمثل نموذجاً لما وصفوه بـ«اقتصاد الغنيمة» الذي تتعامل به الجماعة مع المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكدين أن السكان يدفعون ثمن هذا السلوك بحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما تُكدّس الموارد في مراكز نفوذ الحوثيين.

وفي مديرية المخا الساحلية، كشفت مصادر محلية عن استمرار عمليات السطو والاستيلاء التي بدأتها الجماعة منذ الساعات الأولى لسيطرتها على المدينة، واستهدفت منازل ومرافق حكومية ومقار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (فيسبوك)

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة داهمت عشرات المنازل والشقق، خصوصاً في حي الحالي ومدينة الثاني من ديسمبر، واستولت على الأثاث والأجهزة المنزلية ومحتويات أخرى، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى خارج المدينة.

كما طالت عمليات النهب، حسب المصادر، مقرات حكومية، بينها مقر السلطة المحلية وفرع البنك المركزي اليمني في المدينة، حيث جرى الاستيلاء على محتوياتها ونقلها إلى جهات غير معلومة.

ولم تتوقف عمليات السطو عند المؤسسات والمنازل، إذ أفاد شهود عيان بأن دوريات حوثية شوهدت وهي تنقل بشكل متواصل كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من عدد من محال الجملة وسط مدينة المخا إلى خارجها.

وأفاد ناشطون محليون بأن عمليات الاستيلاء جرت تحت إشراف عناصر مجهولة يُعتقد بارتباطها بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجماعة.

تكسير ونهب في «التربة»

في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قالت مصادر محلية إن جماعة الحوثيين كررت النهج ذاته، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنازل مواطنين وقيادات مرتبطة بالحكومة اليمنية.

وأضافت المصادر أن عدداً من أصحاب المتاجر اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية مع دخول الجماعة، خشية تعرضها للنهب، لكن ذلك لم يمنع، وفق شهادات سكان، من استهداف بعضها بالقوة.

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة جنوب تعز (فيسبوك)

ووفق الشهادات، أقدمت عناصر الجماعة على كسر أبواب عدد من المتاجر المغلقة والاستيلاء على محتوياتها من السلع بالقوة، في إجراء قال السكان إنه جاء رداً على إغلاق أصحابها محالهم في أثناء دخول الجماعة إلى المدينة.

وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن نهج متكرر في الاستيلاء على الممتلكات والمرافق، يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة إلى تفريغ المدن من مقدراتها الخدمية والاقتصادية ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بما يفاقم معاناة السكان ويعمّق انهيار الخدمات.

ويحذر سكان وناشطون من أن استمرار هذه الممارسات سيحوّل سيطرة الجماعة على أي مناطق جديدة إلى عملية استنزاف ممنهجة لمواردها، في وقت يُترك فيه السكان أمام واقع أكثر فقراً وخدمات أقل، بينما تُنقل المعدات والممتلكات بعيداً عنهم لصالح مراكز النفوذ الحوثية.