ظاهرة «إهداء الكتب» في سياق الثقافة العراقية

ديوان أهدي للسياب عمره 66 عاماً بيع بأقل من دولار

غلاف ديوان موسى النقدي - صورة الإهداء إلى السياب
غلاف ديوان موسى النقدي - صورة الإهداء إلى السياب
TT

ظاهرة «إهداء الكتب» في سياق الثقافة العراقية

غلاف ديوان موسى النقدي - صورة الإهداء إلى السياب
غلاف ديوان موسى النقدي - صورة الإهداء إلى السياب

في كشك صغير لبيع الكتب محاذٍ لسياج مرأب للسيارات في حي البياع جنوب غربي العاصمة بغداد، قادتني الصدفة إلى معاينة بسطة الكتب المتواضعة، فعثرت على ديوان للشاعر العمودي الراحل موسى النقدي وضع له عنوان (أجنحة النور)، واكتشفت أن غلاف الديوان الأصفر، يخبئ خلفه إهداء إلى الشاعر بدر شاكر السياب، كتب بخط أنيق وواضح العبارة التالية: «هدية إلى الأستاذ الشاعر المبدع بدر شاكر السياب هدية تقدير وفوق الإعجاب.... المؤلف 10-6-1952».
صدفة أخرى محببة، قادتني إلى التعرف على أحمد جواد النقدي نجل أخ الشاعر موسى النقدي فعرضت عليه الديوان والإهداء، فقلّب أحمد الكتاب بهدوء وابتسم بغموض، مستغربا من كيفية حصولي على هذه النسخة، وهو يخبئ تحت ابتسامته حكاية طريفة سمعها من أبيه جواد ومن عمه موسى، مرتبطة بقصة الإهداء تلك.
الحكاية تعود إلى عام 1952. حين اشتراك بدر السياب في المظاهرة المشهورة التي أمسكت بلحظتها صورة متداولة للسياب وهو يعتلي السلم الخشبي الذي يمسك به الشاعر الفريد سمعان.
الحكاية والصورة معروفتان في الأوساط الثقافية العراقية، حيث جوبهت المظاهرة بالشدة من قبل قوات الشرطة حينذاك، وفر السياب هاربا، لكن الشيء غير المعروف هنا هي الوجهة التي هرب إليها السياب. وهو أمر يكشف عنه أحمد النقدي ابن أخ الشاعر موسى النقدي، حيث يقول: إن مقر الاختباء المؤقت للسياب كان في بيت أبيه جواد النقدي، ريثما يتمكن من ترتيب مسألة عودته إلى البصرة، وأثناء وجوده في البيت أهداه الشاعر موسى النقدي ديوانه (أجنحة النور) الآنف الذكر، وبعد أن هدأت الأمور نسبيا والكلام لأحمد، عمد السياب، إلى استعارة، دشداشة (الرداء التقليدي في العراق) مضيفه جواد النقدي، ليتسنى له التخفي في الزي الشعبي بمدينة الكاظمية، تمهيداً للعودة إلى داره في محافظة البصرة بواسطة القطار.
الطريف في الأمر، حسب أحمد، أن والده جواد النقدي، كلما يسرد هذه الواقعة، ورغم مرور السنين فإنه غالبا ما كان يكرر السؤال ذاته: بعيدا عن الشعر والسياب وموسى النقدي، دشداشتي وين صارت (أين دشداشتي)؟، ولعله كان يعني أن المظاهرات والشعر لا يورثان إلا الفقدان!
هذه الحكاية ربما تسحبنا إلى موضوع يتعلق بقضية إهداء الكتب والإصدارات الأدبية في السياق الثقافي العراقي العام، وتضطرنا ربما لطرح سؤال بهذه الصيغة: ترى كم من إهداء أهمل أو ضاع في أروقة الفنادق، أو على البسطات ومقاعد سيارات الأجرة، بقصد أو من دونه، تائها وهو يحمل شذى التعابير الشفافة والحميمة؟!
إهداء الكتب الأدبية ودواوين الشعر ظاهرة شائعة في سياق الثقافة العراقية، والثقافة العربية بالطبع، بين الكتاب والأدباء وبين بعضهم البعض، وهي ظاهرة يختلط فيها الاحترام والتقدير من جانب، والسخرية وعدم الاكتراث من جانب آخر، حتى أن شاعرا معروفا يتندر غالبا من أن أكثر الكتب المهداة التي تصله مصيرها أيدي أطفاله الصغار!
يمكن القول بشيء من الحذر، إن الإهداءات تتوزع عموما على صنفين، الأول يتعلق بإهداءات مشاهير وكبار الكتاب والأدباء ويحظى هذا النوع باهتمام المهدى إليه، أما إهداءات الكتاب الأقل شأنا فغالبا ما تهمل، والثاني يتعلق بورثة الكاتب أو الأديب الراحل، فإنهم يهملون تلك الإهداءات وربما يبيعونها بمجرد رحيل الأب إلى العالم الآخر، لذلك تجدها مرمية على البسطات أو على رفوف المكتبات.
المناسبة تقودنا إلى الحديث عن الببلوغرافي الحلي الراحل الدكتور صباح المرزوق الذي كان مولعا باقتناء الكتب الممهورة بتوقيع مؤلفها، وكان غالبا ما يبحث عن تلك النوعيات من الكتب والإهداءات في المكاتب والبسطيات في شارع المتنبي ببغداد والمكتبات الأخرى في بقية المحافظات، ليضيفها إلى رفوف مكتبته، وكثيرا ما كان يرينا قسماً منها.
أتذكر أنه عرض يوما ديوانا للشاعر علي عبد الأمير عجام عنوانه «يدان تشيران إلى فكرة الألم» كتب عليه إهداء لشاعر معروف وبخط أنيق ولغة لينة ومشاعر رقيقة استوعبت نصف الصفحة الأولى من الديوان تقريبا، لكنها لم تكن كافية ما يبدو لاحتفاظه به، فوجده المرزوق في إحدى بسطات الكتب المتواضعة، أتذكر أن المرزوق قال لي بحسرة: «ماذا يكتب علي عبد الأمير بعد حتى يحتفظ به المهدى إليه؟».
في مهرجان قصيدة النثر الثالث الذي أقيم في محافظة البصرة العام الماضي، همس الناقد الدكتور مالك المطلبي بعد أن أهدي إليه نحو 70 كتابا: «إذا لم أجد أحدا، يعيني على حملها إلى بغداد، سأتركها في الفندق». والمطلبي المعروف بتعليقاته الساخرة، وجديته القاهرة، لم يترك لنا مجالا لكي نأخذ تصريحه على أي محمل.
الحق، كنا نرجح تركها في الفندق، نسبة لعدم قدرته على حملها، رغم حيويته الظاهرة. لكننا لمحنا المطلبي في اليوم التالي من بعيد وهو يجرجر الحقيبة المليئة بالكتب وحده متحاملا على نفسه وبالكاد ساعده أحد الأصدقاء على حملها إلى السيارة.
لقد كان تقديرنا خاطئا.
على أن ثقافة الإهداء، تطورت في السنوات الأخيرة، وانتقلت من فكرة توصيل الكتاب وإهدائه بشكل شخصي إلى ثقافة توقيع الكتاب في حفل أدبي تتم فيه مناقشة الكتاب، ومن ثم توزيعه، ممهورا بتوقيع الكاتب، وهذا التقليد أتاحته بعض المكتبات والصالونات الأدبية وأصحاب دور، حيث يعمدون إلى إقامة حفل توقيع كتاب في بعض المقاهي التي انتشرت في حي الكرادة الراقي في بغداد، مثل مكتبة ومقهى «قهوة وكتاب» ومقهى «رضا علوان».
وغني عن القول: إن الكتاب العراقي ما زال يوزع بنسخ أكثر إذا ما أهدي مجانا، خلافا لإهدائه بثمن مدفوع، ويبدو أن حفل توقيع وتوزيع الكتاب في العراق والإقبال على شرائه لم يتحول بعد إلى ثقافة تنظر إلى الكتاب باعتباره بضاعة أدبية تستحق الشراء ودفع الثمن.


مقالات ذات صلة

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)
ثقافة وفنون «أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً

عمر شهريار
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.