حمص شاحبة... وشرخ عميق بين أحياء مدمرة وأخرى مزدهرة

«الشرق الأوسط» تستطلع خفايا «الانتصار العسكري» في «عاصمة الثورة»

سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
TT

حمص شاحبة... وشرخ عميق بين أحياء مدمرة وأخرى مزدهرة

سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)

بعد سبع سنوات من الحرب، تبدو حمص، مدينة المتناقضات الصارخة، بين أحياء مدمرة يسميها معارضون بـ«ستالينغراد سوريا»، وأخرى تقطنها غالبية موالية للنظام تسودها حياة طبيعية، ما أدى إلى شرخ كبير بين الشرائح الاجتماعية.
أول ما يلفت الانتباه في البوابة الجنوبية لحمص حاجزان لقوات النظام: الأول يتبع للاستخبارات العسكرية، يليه على بعد أمتار قليلة حاجز آخر للاستخبارات الجوية، يقوم عناصرهما بتدقيق كبير بالسيارات الداخلة إلى المدينة والبطاقات الشخصية، والاستفسار عن أسباب الزيارة والجهات التي يود «الزائر» الذهاب إليها. ووضعت في المكان صور للرئيس بشار الأسد، وعبارات تأييد تزيد في أول ساحة بعد الحاجزين.
حركة المارة خجولة، والقسم الأكبر من المحلات التجارية لا يزال مغلقاً، بينما يوحي المظهر الخارجي للأبنية، بأن معظم الأهالي لم يعودوا إلى منازلهم، إضافة إلى ترهُّل كبير في الشوارع سببه إهمال حكومي للخدمات وصل إلى حد عدم الاكتراث بإنارة الطرقات وتنظيفها، الأمر الذي يضفى على المكان مشهداً باهتاً وطابعاً من الحزن والكآبة، وذلك بخلاف الحيوية والنشاط الذي كان يشهده مدخل المدينة قبل الحرب.
مدينة حمص هي ثالث أكبر المدن السورية، وصل عدد سكانها قبل الحرب نحو 800 ألف نسمة، وهي ذات أغلبية سنية، وتقطن في عدد من أحيائها أيضاً أقليتان علوية ومسيحية. واكتسبت أهمية خاصة، ووُصِفت بـ«عاصمة الثورة»، ذلك أنها كانت الأهم من حيث الالتحاق بالحراك السلمي في بداياته.
تطوَّرَت الأحداث في المدينة فيما بعد إلى صراع مسلح مع عسكرة النظام للأحياء التي تقطنها غالبية موالية للنظام وتحويلها ثكنات عسكرية. ودارت معارك عنيفة بين المعارضين من جهة وقوات النظام والموالين من جهة ثانية، قصف خلالها النظام بعنف الأحياء الثائرة، قبل أن يفرض حصاراً خانقاً عليها انتهى بتهجير قسري للمعارضين وعائلتهم في مايو (أيار) 2015 إلى ريف المحافظة الشمالي وإدلب، في حين توجه آخرون إلى حي الوعر، الذي تم تهجير المعارضين وعوائلهم منه في مايو 2017.
أثار «الانتصار العسكري» للنظام، تتضح أكثر مع الدخول إلى قلب المدينة، إذ يتجسد بأكوام ركام وأنقاض تحولت إليها أحياؤها القديمة، القصور وجورة الشيّاح وباب هود وباب دريب وبستان الديوان والصفصافة وباب السباع (أقدم أحياء المدينة، الذي انطلقت منه أولى المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية والكرامة)، وذلك بسبب شدة قصف قوات النظام وميليشيايه لها.
صورة «الانتصار» تبدو في الأحياء المجاورة للمدينة القديمة، الخالدية والبياضة وبابا عمرو الذي شكل رمزاً لـ«الثورة» في المرحلة السابقة، لكن حي الحميدية، كانت نسبة الدمار فيه أقل، والحياة فيه شبه عادية، وربما ما شفع له أن أغلب سكانه من الأقلية المسيحية.
نسبة الدمار في أحياء المدينة القديمة، بحسب المشاهدات تقدر بأكثر من 80 في المائة من دون أي اكتراث للنظام لإعادة إعمارها. وقال أحد النازحين لـ«الشرق الأوسط»: «حولها (النظام) إلى ستالينغراد سوريا».
وأضاف: «يحاول باستمرار طرح فكرة إعادة إعمارها، بالأخص وسط المدينة التجاري المدمر، لكن الموضوع لن يتعدى التصريحات الإعلامية»، بينما يقول آخر: «لا يريد النظام إعمارها... ولو تم ذلك هل سيسمح للأهالي بالعودة؟ لا أعتقد ذلك فكلهم ثوار وهو حاقد عليهم».
الأحياء القريبة من المدينة القديمة، كان الدمار فيها جزئياً، ويقدر بـ30 في المائة، لكن النظام لا يسمح لأي من الأهالي بترميم بيته والعودة إليه، وفق أحد النازحين، الذي تحدث عن محاولات كثيرة لبعض الأهالي لترميم منازلهم من أجل العودة إليها، لكن اصطدمت برفض النظام وانعدام الأمن والخدمات وكثرة أعمال «البلطجة». وأضاف: «السوق التجارية للمدينة (جورة الشياح وسوق الناعورة) ما زال فارغاً إلا من ذكريات أهله».
بعد سيطرة قوات النظام، لم تحظ المدينة القديمة بأي تغطية إعلامية، أو دعم من حكومة النظام، أو زيارة مسؤولين منه على غرار حلب، ما عزز الاعتقاد السائد بأن النظام لا يريد إعادة إعمارها وإحيائها انتقاماً من أهلها بسبب تحديهم له.
وعلى نقيض الوضع في المدينة القديمة، تبدو الحياة طبيعية في الأحياء الموالية (عكرمة والزهراء والنزهة ووادي الذهب...) التي شكَّل مسلحوها طوقاً أمنياً مشدداً على الأحياء الثائرة، وذلك مع توفر الكهرباء والماء والخدمات والمدارس فيها.
كما يلاحظ، أن أسواق الأحياء الموالية، ازدادت ازدهاراً بعد تدمير السوق القديمة في المدينة القديمة، ويبدو أن أحد أبرز الأسباب في ذلك الازدهار هو افتتاح أسواق جديدة في حيي عكرمة والزهراء أطلق عليها اسم «أسواق السنة»، و«أسواق الغنائم»، يُباع فيها الأثاث والأدوات المنزلية التي نهبها عناصر ميليشيات النظام من منازل الثوار خلال الحملات العسكرية الممنهجة التي قاموا بها ضد الأحياء الثائرة.
وبدا، أن شرخاً طائفياً كبيراً حصل بين أهالي المدينة بعد ارتكاب مسلحي الأحياء الموالية كثيراً من المجازر المروعة بحق أهالي الأحياء الثائرة خلال الأحداث، كما حدث في 18 أبريل (نيسان) 2011 حيث قُتِل ما بين 200 إلى 300 شخص في فض اعتصام «ساحة الساعة»، و«مجزرة الخالدية» في فبراير (شباط) 2012 والتي سقط فيها ما يقارب 300 قتيل، ومجزرة حي كرم الزيتون في مارس (آذار) من العام ذاته، وراح ضحيتها ما لا يقل عن خمسة وأربعين مدنياً ذُبِحوا بالسكاكين، إضافة إلى كثير من الانتهاكات. وتنفي السلطات السورية هذه الاتهامات وارتكاب انتهاكات.
ناشطة في المجتمع المدني قالت لـ«الشرق الأوسط»: «السنة في حمص لم ولن تنسى ماضي المدينة البائس خلال سنوات الحرب»، مشيرة إلى أن «الخوف لا يزال حاضراً في كل التصرفات المجتمعية أو الحياتية». وأضافت: «يزيد في معاناتهم أن مداخل المدينة ومخارجها تقع إلى جانب أو ضمن مناطق ذات أغلبية موالية (طريق دمشق) أو (طريق طرطوس)، بينما الطريق لحماة يمر عبر قرى موالية أيضاً، أما شرقاً باتجاه الصحراء فهو غير مهم لأحد وكل هذا يعزز شعور الخوف لدى البعض داخل المدينة».
بدوره، رجل في العقد السادس من عمره يلفت إلى أن «السنة هم الأكثر خوفاً وحرصاً على أنفسهم في ظل اليد الطولى للموالين. المدنية وريفها الرازح تحت سيطرة النظام محكوم منهم وهؤلاء مدعمون من الأجهزة الأمنية المتنافسة ومن إيران وحزب الله اللبناني»، وأضاف: «يشعر الأهالي باستمرار بنظرات الشك والريبة من قبل العناصر الأمنية أو الحكومية حول انتمائهم وموقفهم من النظام».
أكثر ما يلفت الانتباه في تلك الأحياء غياب القانون والسلوكيات اللاأخلاقية التي يتبعها عناصر الميليشيات وبعض المدنيين. وقال أحدهم: «الشبيحة قامت بطرد عائلات معارضة تقطن منذ عشرات السنين في تلك الأحياء»، مشيرين إلى أن كثيراً من الأهالي، وتحت وطأة القصف الذي تعرضت له أحياؤهم نزحوا إلى حي الوعر وأحياء أخرى بعيدة نوعاً ما عن سطوة الميليشيات الموالية.
أحد سائقي سيارات الأجرة، المنحدر من حي الحميدية، ونزح إلى إحدى بلدات ريف دمشق ويتردد إلى مدينة حمص باستمرار لتفقد منزله في الحي، قال إنه لا يجرؤ على الذهاب إلى أي من الأحياء الموالية بمفرده، وإن اضطر إلى الذهاب لإجراء معاملة رسمية «سوف أذهب بصحبة من أعرف المنطقة ويمون على أهلها!».
بعض الأهالي توسّموا خيرا بعد انتهاء القتال في المدينة، ومنوا أنفسهم بالعودة واستئناف عملهم هناك بيد أنه سرعان ما خاب أملهم، بسبب سلوكيات موالين. وأحد أصحاب ورشات تصليح السيارات في المدينة أعاد فتحها بعدما أغلقها خلال سنوات الحرب، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستطع الاستمرار سوى لفترة قصيرة وأعود أدراجي إلى دمشق للعمل هناك، فكل ساعة يأتي إلى عنصر من «الشبيحة» أو الجيش أو أحد الفروع الأمنية، ويطلب مني تصليح هذه السيارة لـ(المعلم) من دون أن يدفعوا لقاء ذلك».
من جانبه، تحسر أحد السكان على ما وصل إليه الوضع في مدينة حمص التي كانت تلقب قبل الحرب «بمدينة أم الفقير»، في إشارة إلى طيبة أهلها وعطفهم على بعضهم مقارنةً بدمشق أو حلب، مؤكداً أنها باتت في عام 2010 خالية من أي متسوَّل نتيجة «جهود كبيرة من الجمعيات الأهلية لمكافحة هذه الظاهرة وإيجاد حلول اجتماعية واقتصادية مناسبة لها».
أما «الظرافة» التي اشتهر بها أهل حمص، وتسببت بإطلاق سلسلة لا تنتهي من «النكات». فآسف أحد الأهالي لأنها باتت «من الماضي». وأضاف: «يوم الأربعاء الحمصي السعيد، الذي يرمز لفكاهة أهل حمص وبات (قصة تاريخية)، لم يعد كذلك بعد الحرب الطاحنة، فمشاهد الدمار في كل مكان نسفت الإرث الفكاهي للمدينة».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended