«مودي كير» يعيد الجدل حول تدهور الأوضاع الصحية في الهند

اقتراب الانتخابات زاد من سخونة المناقشات

توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
TT

«مودي كير» يعيد الجدل حول تدهور الأوضاع الصحية في الهند

توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)
توجد انتقادات واسعة في الهند للنظام الصحي الموجود حالياً (رويترز)

أعلنت الهند مؤخراً عن تدشين ما يمكن اعتباره أكبر برنامج رعاية صحية بتمويل حكومي على مستوى العالم. وتوفر «الخطة القومية لحماية الصحة»، التي أطلق عليها أنصار رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، اختصاراً اسم «مودي كير»، تغطية صحية قيمتها 7.825 دولار لكل أسرة سنوياً.
ويتيح برنامج الرعاية الصحية، الذي تموله الدولة وتوفره لعدد من السكان يتجاوز سكان أميركا الجنوبية، خدماته إلى مائة مليون أسرة فقيرة، أو ما يقرب من 500 مليون شخص، يمثلون 41.3 في المائة من تعداد السكان، مع العلم بأن نحو 29 في المائة من الهنود يعيشون تحت خط الفقر.
وطبقاً لهذه الخطة، يمكن لأربعة من بين كل عشرة هنود الاستفادة من رعاية ثانية أو ثالثة في مستشفيات حكومية، أو رعاية خاصة ضمن حدود التأمين المسموح بها لكل أسرة. وتمثل ميزانية الصحة العامة حالياً في الهند 1.15 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2025.
- إنفاق متدنٍ على الصحة
الجدير بالذكر أن معدل الإنفاق على الرعاية الصحية في الهند يعد من بين النسب الأقل عالميا، وكذلك ينزلق نحو 52.2 مليون هندي نحو حد الفقر والعوز سنوياً لأسباب تتعلق بالصحة.
ومن حيث الخدمات المتاحة، فإن تدني مستوى خدمات الرعاية الصحية، وعدم وجود مستشفيات حكومية، والنقص في الأطباء، تعد كلها من المشكلات الشائعة في نظام الرعاية الصحية في الهند. والمستشفيات الحكومية الجيدة محدودة ومتباعدة، ووحدات الرعاية الصحية الأولية في حالة سيئة، في حين ترتفع أسعار خدمة الرعاية الصحية التي تقدمها العيادات الخاصة.
كذلك تبلغ نسبة الأطباء إلى المرضى، طبيبا واحد لكل 1700 مريض؛ وقد قام شخص محتال مؤخراً بحقن 25 مريضا بدماء تحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة، مما أثار حالة من السخط الشديد في أنحاء البلاد، وسلّط ذلك الضوء على مشكلات نظام الرعاية الصحية خاصة في المناطق الريفية بالهند.
ويتسبب تراجع مستوى الصحة، وارتفاع التكاليف في تراجع ما يتراوح بين 3 و5 في المائة من السكان إلى حد الفقر. وتتمكن الأسر في المناطق الريفية من تسديد أكثر من ربع نفقاتها على الرعاية الصحية من خلال الاستدانة، أو بيع الأصول والممتلكات. ولا يجد كثير من الهنود أي خيار أمامهم سوى الذهاب إلى المستشفيات الخاصة التي ترتفع نفقات العلاج بها إلى درجة لا يمكن أن يدفعها شخص يقلّ دخله السنوي عن ألفي دولار.
ويعد إنفاق الهند على الصحة كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي هو الأدنى، مقارنة بغيرها من دول مجموعة الـ«بريكس»، التي تضم إلى جانب الهند، البرازيل، وروسيا، والصين، وجنوب أفريقيا.
وبحسب البيانات التي جمعها البنك الدولي، وصل إنفاق الهند على الصحة للفرد الواحد عام 2014 إلى 267 دولارا، أي أقل من المتوسط العالمي البالغ 1271 دولارا، وكذلك يعد أقل من المتوسط في دول نامية أخرى مثل إندونيسيا ودول أفريقية مثل جيبوتي والغابون، حيث يبلغ متوسط إنفاق المواطن على الرعاية الصحية في الأولى 338 دولارا، وفي الثانية 599 دولارا.
- الحكومة عازمة على الإصلاح
وسوف يصل قسط تأمين كل أسرة تحت نظام «مودي كير»، بحسب تقديرات الحكومة، إلى نحو 17 دولاراً تقريباً. وإذا تم تنفيذ البرنامج بشكل كامل، سوف تدفع الحكومة الهندية 1.9 مليار دولار سنوياً على شكل أقساط تأمين، وهو مبلغ ليس بالهين، رغم أن اقتصاد الهند تقدر قيمته بنحو 2.4 تريليون دولار.
وقال آرون جايتلي، وزير المالية في إشارة إلى عدد الشباب الكبير في البلاد: «لا يمكن للهند تحقيق النمو الاقتصادي الديموغرافي دون أن يكون مواطنوها أصحاء»، وأضاف خلال خطاب عن الموازنة: «تسير الحكومة بخطى ثابتة نحو الهدف المتمثل في توفير تغطية صحية شاملة». وأوضح قائلاً إنه سيتم توفير ما يكفي من المال لتنفيذ هذه الخطة، دون الحديث عن التفاصيل.
كذلك صرح هاسموك أدهيا، مسؤول العائدات في وزارة المالية، خلال مقابلة أعقبت الإعلان عن الموازنة بأن إتمام الخطة سوف يستغرق ستة أشهر أخرى، ويلي ذلك بضعة أشهر للتعاقد مع شركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية.
على الجانب الآخر، قال إندرانيل موخرجي، المحاضر في جامعة «جيندال غلوبال»، والذي يجري أبحاثاً عن توجهات الصحة في الهند: «الزمن عنصر مهم وحيوي في الحصول على التمويل اللازم، وسوف يمثل ذلك مهمة شاقة. يمكنك القول إن اتخاذ الخطة شكلاً محدداً سوف يستغرق ستة أشهر، وسيحتاج وزير الصحة إلى ثلاثة أشهر أخرى من أجل التعاقد مع شركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية. يعني ذلك أنك أضعت تسعة أشهر، ونحن الآن في فبراير (شباط) 2018».
- «مودي كير» والانتخابات
مع ذلك لا يشعر التحالف الديمقراطي الوطني بزعامة حزب الشعب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم بالقلق؛ فإذا تم تنفيذ الخطة قبل الانتخابات العامة عام 2019، سوف يكون لدى التحالف أمل كبير، حيث تقول فاندانا كوماري سينغ، من حزب «ساماجوادي جاناتا»: «سيكون هناك ما يكفي من الأطباء التابعين للحزب الحاكم الذين يزودون المحطات الإخبارية والصحف بالأخبار، وسوف يصبح مشروع الرعاية الصحية محور الأحاديث».
كذلك يشير إندرانيل إلى مسح العينة القومي الذي يوضح أن خطط التأمين الصحي الحكومية المعمول بها حالياً متخبطة بسبب عدم توافر السيولة النقدية. الأسوأ من ذلك هو عدم تغير مستوى الإنفاق الكارثي على الصحة سواء في ظل وجود نظام تأمين صحي بتمويل حكومي أو عدم وجوده. ويوضح قائلاً: «لا نعلم ما إذا كانت تلك الخطط سوف تساهم في تحسن فرص العلاج في المستشفيات أم لا».
ويقبل رئيس الوزراء مودي على انتخابات على مستوى البلاد خلال العام المقبل، لذا يتم النظر إلى برنامج الرعاية الصحية الجديد باعتباره مبادرة لجذب الناخبين في المناطق الريفية، والذين يعاني أكثرهم من ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية. يمكن كذلك القول إن تنفيذ هذه الخطة قبل الانتخابات العامة المقررة في 2019 أمر غير مؤكد، رغم أنها سوف تمنح حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم بلا شك فرصة الحديث عن موضوع مهم أثناء الحملة الانتخابية.
واستحضر تدشين حكومة مودي للخطة القومية لحماية الصحة مقارنات بينها وبين برنامج الرعاية الصحية، الذي نفذه باراك أوباما الرئيس الأميركي السابق، والذي تعهد بتوفير تغطية صحية ميسورة التكلفة إلى جميع الأميركيين. مع ذلك ما مدى الشبه بين البرنامجين اللذان تطبقهما أكبر دولتين ديمقراطيتين في العالم؟
يستهدف برنامج الرعاية الصحية «مودي كير» تحديداً فقراء الهند، في حين استهدف برنامج أوباما الفقراء، لكنه في الوقت نفسه أفاد الطبقة المتوسطة. طبقاً لبرنامج أوباما كان لزاماً على كل مواطن الاشتراك في التأمين، مع التزام الحكومة بدعم أقساطه.
وتنفق الولايات المتحدة نحو 18 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لها على الرعاية الصحية. مع ذلك تم توجيه انتقادات للبرنامج بسبب الزيادة الأخيرة في الأقساط، واستمر الجدال والنقاش حول ما إذا كان من الضروري إلغاء هذا البرنامج، وكذلك يبذل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب جهوداً لإلغاء قانون «أوباما كير» للرعاية الصحية.
يقول خبراء الاقتصاد المتخصصون في مجال الصحة إن حجم سوق خدمات الرعاية الصحية المنزلية الهند، الذي يعد خياراً أرخص وأكثر راحة للمرضى، قد يتضاعف في غضون عام. رغم أن سوق الرعاية الصحية في الهند لا يزال في المرحلة الأولية، وتتولى أطراف غير منظمة ومشروعات ناشئة، ومبادرات مستشفيات، تقديم الخدمات به، بلغت قيمته عام 2016 نحو 3.20 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينمو ليصل إلى 4.46 مليار دولار بحلول عام 2018، و6.21 مليار دولار بحلول عام 2020 بحسب تحليل أجرته مؤسسة «سايبر ميديا ريسيرش لمتيد»، وتقديرات العاملين في هذا المجال. وهذه المؤسسة هي شركة تم إنشاؤها عام 2008، وحاصلة على شهادة الجودة «أيزو 9001»، وعضو الجمعية الهندية لأبحاث السوق.
وسيكون على نظام التأمين الصحي القومي المقترح تجاوز الكثير من التحديات التي قد لا يكون التمويل أكثرها صعوبة. سيتعين على الحكومة منع أي إساءة استخدام محتملة لهذا البرنامج من جانب المستشفيات والجهات المقدمة لخدمات التأمين. كذلك سيكون عليها التعامل مع العواقب الأخرى غير المقصودة مثل المخاطر غير الأخلاقية التي تتضمن سوء نية، والتي قد تتسبب في نفقات غير ضرورية، وزيادة تكاليف الرعاية الصحية.
وفي المناطق الريفية، فالمستشفيات الحكومية خاوية على عروشها، حيث لا يوجد بها أطباء، أو ممرضون أو عقاقير طبية، أما في المناطق الحضرية، فعلى المرضى الذين يتوجهون إلى المستشفيات الحكومية الانتظار طويلا لتلقي العلاج إلى حد أن هناك دعابة تقول إن الهنود يذهبون إلى المستشفيات الحكومية ليموتوا لا ليعيشوا.
نتيجة لذلك ازداد عدد المستشفيات الخاصة في أنحاء الهند، لكنها تستهدف بالأساس المشاهير والصفوة في الهند، وأحيانا بعض اللاجئين الأفغان الذين يحصلون على منح من الأمم المتحدة أو حكومتهم. سوف تنكر الدوائر الطبية هذا الأمر، لكن الحقيقة هي أن المستشفيات الخاصة قد أصبحت وسيلة لجني الأرباح، حيث يتخلى الأطباء عن قسم أبقراط بمجرد ارتداء زي الطبيب. تقول دلفينا تشاكرافارتي، الرئيسة التنفيذية لمستشفى «أرتميس» في مدينة جورجاون، أثناء مناقشة حول زيادة معدل الإصابة بالسرطان: «آلية تقديم الخدمة هي العنصر الرئيسي، فعلى الحكومة جعلها شاملة. هذا استثمار في الصحة، وعلى الجميع أن يكونوا جادين في هذا الأمر. يجب ألا تكون الخطط على الورق فحسب، بل يجب تنفيذها».


مقالات ذات صلة

كم من الوقت تحتاج لتلاحظ تأثير زيت السمك على قلبك؟

صحتك الخبراء ينصحون الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في مستويات الدهون الثلاثية في الدم بتناول زيت السمك (بيكسلز)

كم من الوقت تحتاج لتلاحظ تأثير زيت السمك على قلبك؟

يُعدّ زيت السمك من أكثر المكملات الغذائية شيوعاً عند الحديث عن دعم صحة القلب، نظراً لغناه بأحماض «أوميغا-3» الدهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك كيف يمكن اختيار الوقت الأمثل لممارسة تمارين القوة (بكسلز)

لتحقيق أقصى استفادة... ما الأوقات الذهبية لممارسة تمارين القوة؟

أظهرت الدراسات الحديثة أن القوة البدنية والقدرة على رفع الأوزان تصل إلى ذروتها عادةً في ساعات ما بعد الظهر والمساء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

يعيد الذكاء الاصطناعي والبيانات المتكاملة تشكيل الرعاية الصحية نحو التنبؤ والتخصيص مع تحديات تتعلق بالجودة والخصوصية والتنظيم.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك النوم غير الكافي قد يؤدي إلى زيادة نسبة الدهون في الجسم (بيكسلز)

ما الحالات المرضية التي قد تسبب زيادة الوزن؟

قد يزداد الوزن عندما لا تُنتج الغدة الدرقية -وهي غدة صغيرة على شكل فراشة في الرقبة- ما يكفي من الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك جمعية القلب أصدرت توصيات جديدة تحث على تناول مزيد من البروتينات النباتية بدلاً من اللحوم (بيكساباي)

جمعية القلب الأميركية توصي باستبدال البروتين النباتي باللحوم

أصدرت جمعية القلب الأميركية مؤخراً توصيات جديدة تحث على تناول مزيد من البروتينات النباتية بدلاً من اللحوم، والتقليل من استهلاك الكحول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.