وكالة الطاقة: الإنتاج الأميركي يربك توازن سوق النفط في 2018

روسيا تتعهد بعدم الإغراق... والأسعار ترتفع مع تعافي الأسهم

TT

وكالة الطاقة: الإنتاج الأميركي يربك توازن سوق النفط في 2018

قالت وكالة الطاقة الدولية أمس الثلاثاء إن من المرجح أن تتجاوز زيادة إنتاج النفط العالمي، بقيادة الولايات المتحدة، نمو الطلب هذا العام، بما يزيد من مخزونات النفط العالمية ويعرقل من وصول الأسواق إلى التوازن. وبينما تتوقع الوكالة أن الإنتاج الأميركي قد يصبح الأكبر عالميا في 2018 تعهدت روسيا بعدم إغراق الأسواق النفطية، وأنها ستلتزم باتفاق سقف الإنتاج.
ورفعت الوكالة التي مقرها باريس توقعاتها لنمو الطلب على النفط في 2018 إلى 1.4 مليون برميل يوميا، من تقدير سابق كان يبلغ 1.3 مليون برميل يوميا، بعد أن زاد صندوق النقد الدولي في يناير (كانون الثاني) الماضي تقديراته للنمو الاقتصادي العالمي للعامين الحالي والقادم.
وقالت الوكالة في تقريرها الشهري عن السوق إن الطلب على النفط نما بمعدل 1.6 مليون برميل يوميا في 2017 لكن الزيادة السريعة في الإنتاج، لا سيما في الولايات المتحدة، قد تتجاوز أي تسارع في الطلب، وتبدأ بدفع مخزونات النفط العالمية للصعود بعد أن اقتربت كثيرا من متوسط الخمس سنوات.
وقالت وكالة الطاقة: «اليوم وبعد أن خفضوا التكاليف بشدة، فإن المنتجين الأميركيين يتمتعون بموجة ثانية من النمو الاستثنائي إلى الحد الذي قد تضاهي معه زيادة إنتاجهم من السوائل في 2018 نمو الطلب العالمي»، وأضافت أنه «في ثلاثة أشهر فقط حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، زاد إنتاج الخام الأميركي زيادة عملاقة بلغت 846 ألف برميل يوميا، وسيتجاوز قريبا الإنتاج السعودي. وبنهاية العام الحالي قد يتجاوز أيضا روسيا ليصبح الأكبر عالميا» خاصة في ظل التزام كل من السعودية وروسيا بسقف للإنتاج، وفقا لاتفاق أوبك وحلفائها. وبحسب تقديرات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن إنتاج الخام الأميركي قد يصل إلى 11 مليون برميل يوميا بنهاية العام الحالي.
لكن وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك يبدو أن لديه رأيا آخر فيما يتعلق بالمخزونات، إذ أوضح أمس أن مخزونات النفط العالمية في تراجع، رغم زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة. وأضاف أنه من المتوقع أن يقترب متوسط سعر النفط هذا العام من 60 دولارا للبرميل، بحسب رويترز.
وأكد نوفاك في كلمة أمام لجنة بالبرلمان الروسي قائلا: «نحن ننظر إلى الوضع ككل، ونرى أن المخزونات تنكمش على أي حال»، وتابع أن «زيادة النفط الصخري لا تغطي كلا من الزيادة في الطلب وانخفاض الإنتاج».
واتفقت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) مع مصدرين من خارجها من بينهم روسيا على تقييد إمدادات الخام للعام الثاني على التوالي في 2018 بهدف تقليص المخزونات ورفع الأسعار.
وقالت إدارة معلومات الطاقة إن مخزونات النفط في دول العالم الأغنى هبطت بمقدار 55.6 مليون برميل في ديسمبر (كانون الأول) إلى 2.851 مليار برميل، وهو أكبر انخفاض في شهر واحد منذ فبراير (شباط) 2011.
وبالنسبة لعام 2017 بالكامل، انخفضت المخزونات بمقدار 154 مليون برميل، أو بمعدل 420 ألف برميل يوميا. وبنهاية العام، صارت أعلى من متوسط خمس سنوات بمقدار 52 مليون برميل فقط، في الوقت الذي تراجعت فيه مخزونات منتجات النفط دون هذا المستوى القياسي حسبما ذكرت الإدارة.
وأضافت أنه «مع انكماش الفائض بشدة، قد يكون نجاح اتفاق الإنتاج بات قريبا. لكن هذا ليس هو الحال بالضرورة، إذ توقفت زيادة أسعار النفط واتخذت مسارا معاكسا، وقد يحذو تراجع مخزونات النفط الحذو نفسه، على الأقل في الجزء الأول من هذا العام وفقا لميزاننا للعرض والطلب».
وهبط الإنتاج النفطي خارج الدول الأعضاء في أوبك بمقدار 175 ألف برميل يوميا في يناير إلى 58.6 مليون برميل يوميا، لكنه ما زال أعلى بمقدار 1.3 مليون برميل يوميا مقارنة مع يناير العام الماضي لأسباب أبرزها زيادة على أساس سنوي قدرها 1.3 مليون برميل يوميا في إنتاج الولايات المتحدة.
ولم يسجل إنتاج أوبك تغيرا يذكر عند 32.16 مليون برميل يوميا في يناير، وبلغ مستوى الالتزام باتفاق خفض الإمدادات 137 في المائة لأسباب منها انخفاض إنتاج فنزويلا حيث تسببت الأزمة الاقتصادية في شل الكثير من الطاقة الإنتاجية بالبلاد.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة أن يبلغ الطلب على الخام من إنتاج أوبك 32.3 مليون برميل يوميا في المتوسط خلال 2018، بعد انخفاضه إلى 32.0 مليون في الربع الأول من هذا العام.
وقالت الإدارة إن أسعار الخام، التي لامست لفترة وجيزة مستوى مرتفعا عند 71 دولارا للبرميل في يناير، قد تتلقى دعما حتى إذا ارتفع إنتاج الولايات المتحدة إذا ما ظل النمو العالمي قويا، أو إذا استمر التعطل غير المخطط له في بعض الإمدادات. وأضافت: «إذا حدث ذلك، سيكون معظم المنتجين سعداء، لكن إذا لم يحدث فربما يعيد التاريخ نفسه».
وفي غضون ذلك، أشار الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في تصريحات لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية أمس، إلى أنه حصل على وعد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن روسيا لن تُغرق أسواق النفط. وقال: «تلقيت تأكيدات من وزير الطاقة ألكسندر نوفاك والرئيس بوتين بأنهما سيبقيان ملتزمين بالتعاون بين أوبك والمنتجين من خارجها وفقا لإعلان التعاون».
وأضاف أن الانخفاضات التي شهدتها أسواق النفط والأسهم في الآونة الأخيرة كانت «مجرد ومضة لحظية... ومن ثم فالعوامل الأساسية قوية جدا أيضا ولا نتوقع أي سقطات على طول الطريق مثلما حدث لنا أو ما شهدناه العام الماضي».
وقال الأمين العام لأوبك إنه غير قلق بشأن زيادة المنافسة بين أوبك وروسيا والولايات المتحدة في السوق الصينية، مشيرا إلى أن «القلق المتنامي الآن في القطاع هو بشأن ما إذا كانت لدينا طاقة إنتاجية كافية، وما إذا كنا جاهزين ومستعدين للاستمرار في إمداد هذه السوق في ظل مثل هذا الطلب المتنامي».
وفي الأسواق، ارتفعت أسعار النفط صباح أمس بدعم من تعافي أسواق الأسهم العالمية بعد تسجيل خسائر حادة الأسبوع الماضي. وسجلت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 59.65 دولار للبرميل بحلول الساعة 07:24 بتوقيت غرينيتش بارتفاع قدره 36 سنتا، أو ما يعادل 0.6 في المائة، عن التسوية السابقة. وبلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 62.99 دولار للبرميل بارتفاع قدره 40 سنتا يعادل 0.6 في المائة أيضا مقارنة مع التسوية السابقة.


مقالات ذات صلة

أميركا تسحب ثاني دفعة من احتياطي النفط الاستراتيجي منذ الحرب

الاقتصاد محطة للوقود تعرض الأسعار في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

أميركا تسحب ثاني دفعة من احتياطي النفط الاستراتيجي منذ الحرب

أعلنت وزارة الطاقة الأميركية، الجمعة، أنها أقرضت 8.48 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي الاستراتيجي لأربع شركات نفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية مدنيون كوبيون يتابعون تدريبات عسكرية في هافانا (أ.ب)

الرئيس الكوبي يرفض التنحي تحت الضغوط الأميركية

رفض الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، التنحي تحت ضغوط إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في حين تعهَّدت روسيا بـ«عدم خيانة» حليفتها في النصف الغربي للأرض.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة غاز طبيعي مسال في ميناء يوكوهاما الياباني (أ.ف.ب)

اليابان تؤكد خطط الإفراج عن احتياطيات نفطية إضافية تكفي 20 يوماً

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، الجمعة، أن اليابان تخطط للإفراج عن احتياطيات نفطية تكفي لمدة 20 يوماً بدءاً من مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (طوكي)
الاقتصاد رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة بومباي في مومباي (رويترز)

رغم تقلبات الحرب... تدفقات صناديق الأسهم الهندية تصل إلى أعلى مستوى في 8 أشهر

أظهرت بيانات صادرة عن رابطة صناديق الاستثمار المشتركة في الهند، يوم الجمعة، ارتفاع تدفقات الاستثمار إلى صناديق الأسهم الهندية بنسبة 56 في المائة في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )
الاقتصاد طائرة تابعة لشركة «ساوث ويست» تقلع من مطار لاس فيغاس الدولي في ولاية نيفادا الأميركية (رويترز)

شركات الطيران العالمية تحلق وسط دوامة الوقود

تواجه صناعة الطيران العالمية ضغوطاً غير مسبوقة مع الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، نتيجة تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران

«الشرق الأوسط» (عواصم)

باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
TT

باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)

دعت باكستان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع السعودية، وذلك خلال زيارة وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع القيادة الباكستانية العليا.

وجاءت هذه الزيارة، وهي الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في وقتٍ من المقرر أن تعقد فيه إسلام آباد محادثات سلام بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين.

وشهد اللقاء استعراض آفاق التعاون الاقتصادي بحضور كبار المسؤولين الباكستانيين، يتقدمهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، ورئيس أركان الجيش المشير سيد عاصم منير، وفق الحساب الرسمي لرئيس الوزراء الباكستاني على منصة «إكس».

وتأتي زيارة الجدعان، التي استمرت يوماً واحداً، في وقت تستضيف فيه إسلام آباد محادثات أميركية إيرانية تهدف إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

خلال اللقاء، نقل شهباز شريف تحياته وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مثمناً الدعم الاقتصادي والمالي السعودي التاريخي الذي وصفه بالدور «المحوري» في الحفاظ على استقرار باكستان المالي خلال السنوات الماضية.

وأشار شريف، الذي استذكر بتقدير اتصاله الهاتفي الأخير مع ولي العهد، إلى التزام حكومته وشعبه بالوقوف «كتفاً بكتف» مع الأشقاء في المملكة، مؤكداً تطلع إسلام آباد لتوسيع الشراكات في قطاعات التجارة والاستثمار النوعي. كما لفت إلى أن هذه العلاقة التاريخية تزداد رسوخاً تحت رعاية ولي العهد، بما يخدم المصالح المشتركة وتطلعات النمو في كلا البلدين.

من جهته، شكر وزير المالية السعودي رئيس الوزراء، وأكد مجدداً عزم المملكة على تعزيز العلاقات الأخوية العميقة والمتجذرة بين باكستان والسعودية، وفقاً لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وفي ختام الزيارة، كان وزير المالية والإيرادات الباكستاني، السناتور محمد أورنغزيب، في وداع الوزير الجدعان بمطار إسلام آباد الدولي ليلة أمس. وتبادل الجانبان الأحاديث الودية حول تعزيز التعاون الاقتصادي القائم، حيث أعرب أورنغزيب عن تطلعه للقاء الجدعان مجدداً خلال اجتماعات الربيع المقبلة لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، لمواصلة التنسيق الوثيق ضمن الشراكة الراسخة بين البلدين.


تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)

ستزيد تايلاند مخصصات السلع الأساسية اعتباراً من يوم الاثنين، للمساعدة في تخفيف الآثار الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، والتي تؤثر بشكل خاص على المزارعين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والفئات الأكثر ضعفاً.

وأعلنت وزارة المالية، في مؤتمر صحافي يوم السبت، أن أكثر من 13 مليون تايلاندي، ممن يحملون بطاقة تخولهم الحصول على إعانات اجتماعية في هذا البلد الواقع في جنوب شرقي آسيا، سيشهدون زيادة في مخصصاتهم الشهرية من 300 بات إلى 400 بات (من 9.31 دولار إلى 12.42 دولار) لتغطية نفقاتهم اليومية.

وقال وزير المالية، إكنيتي نيتيثانبراباس، إن هذه الإجراءات تهدف إلى «حماية الفئات الأكثر ضعفاً، ومنع امتداد الوضع إلى قطاعات أخرى».

كما سيتمكن المزارعون وأصحاب المشاريع الصغيرة من الاستفادة من قروض بفائدة تفضيلية، وكذلك الراغبون في شراء سيارات كهربائية، أو تركيب ألواح شمسية.

كما أقرت الحكومة دعماً لشركات النقل، قبيل احتفالات رأس السنة التايلاندية، أو «سونغكران». وأضاف إكنيتي: «هذا التحدي طويل الأمد. لذا، لا نكتفي بتطبيق إجراءات قصيرة الأجل، بل نعمل أيضاً على تهيئة الجمهور، ورواد الأعمال للتكيف مع ارتفاع محتمل في تكاليف الطاقة، والمنتجات».


السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)
TT

السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)

في وقت تحبس فيه أسواق الطاقة العالمية أنفاسها تحت وطأة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية التي خنقت مضيق هرمز، برزت السعودية حائط صد استراتيجياً جنّب الاقتصاد العالمي تداعيات صدمة عرض غير مسبوقة. فبينما كانت التوقعات المتشائمة تدفع ببرميل النفط نحو حاجز الـ200 دولار، نجحت حكمة الرياض في كبح جماح الأسعار عند حدود 112 دولاراً، مستدعيةً بنية تحتية جبارة، وخيارات لوجيستية مرنة أثبتت للعالم أن المملكة ليست مجرد منتج، بل هي «البنك المركزي للطاقة» الذي لا يخذل عملاءه وقت الأزمات.

وأجمع الخبراء في تصريحاتهم لـ«الشرق الأوسط» على أن الخط الاستراتيجي «شرق-غرب» (بترولاين) كان «بيضة القبان» في هذه الأزمة.

استراتيجية «البنك المركزي للنفط»

أوضح عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، فضل بن سعد البوعينين، أن السعودية تكرّس مكانتها كـ«بنك مركزي للنفط العالمي»، عبر إدارة فاعلة، وسياسات واضحة تستهدف التوازن، واستدامة الإمدادات. وأشار إلى أن هذا الدور تجسد عملياً إبان أزمة مضيق هرمز؛ حيث نجحت المملكة في تحويل مسار صادراتها من الشرق إلى الغرب عبر خط الأنابيب الاستراتيجي (بترولاين)، بضخ نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع، وُجه جزء منها للمصافي المحلية، والقدر الأكبر للتصدير الخارجي.

بدائل آمنة وموثوقية عالمية

واعتبر البوعينين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن امتلاك «أرامكو السعودية» لبدائل تصديرية آمنة مكّن المملكة من تجاوز الأزمة، وطمأنة الأسواق، مؤكداً أن هذه الموثوقية هي نتاج استثمارات ضخمة، وطويلة الأمد في قطاعات الإنتاج، والنقل، بالإضافة إلى بناء مخزونات خارجية استراتيجية تعمل كصمام أمان لأي انخفاض طارئ في الصادرات.

وشدد على أن «أرامكو» تلعب دوراً محورياً في صياغة خطط الطوارئ الاستباقية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية الراهنة.

كبح جماح الصدمة النفطية

وفيما يخص إغلاق مضيق هرمز، أوضح البوعينين أن حجب خُمس الاحتياج العالمي من النفط شكّل صدمة حادة للاقتصاد الدولي، وهدّد أمن الملاحة، إلا أن البدائل السعودية خففت من وطأة الأزمة عبر استخدام المخزونات العالمية لتعويض النقص. وأكد أن التزام المملكة تجاه عملائها، وعدم لجوئها لإعلان «القوة القاهرة» كان العامل الحاسم في منع أسعار النفط من القفز فوق حاجز 150 دولاراً.

تحذير من تضاعف التداعيات

واستدرك البوعينين محذراً من أن تداعيات الصدمة الحالية قد تتضاعف إذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل يؤمن الملاحة في المضيق، نظراً لارتباط ذلك بقطاعات حيوية، كالزراعة، والبتروكيميائيات.

وتساءل حول كفاية الجهود الحالية، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي يتطلب ضمان تدفق النفط من كافة الدول المنتجة كسبيل وحيد لضبط الأسعار، وطمأنة الأسواق بشكل مستدام.

الجغرافيا المرنة والبحر الأحمر كخيار استراتيجي

من ناحيته، أكد رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، الدكتور عبد الرحمن باعشن، أن الرياض نجحت في توظيف «جغرافيتها المرنة» عبر استثمار البدائل الملاحية التي تديرها «أرامكو السعودية»، مما عزز ثقة أسواق الطاقة العالمية بالرغم من تداعيات الصراع الإقليمي الراهن.

وأشار باعشن إلى أن المملكة استطاعت إيجاد البديل المائي لمضيق هرمز عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي لتصدير البترول، الأمر الذي مكّن «أرامكو» من الحفاظ على ضخ الطاقة بشكل انسيابي، ومقدر، مرسخةً بذلك الثقة الدولية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تحت أصعب الظروف.

طريق الشمال الدولي بطول 1700 كيلومتر يربط المملكة بدول المنطقة وأوروبا (واس)

كبح جماح الأسعار وحماية الأمن الغذائي

وشدد باعشن على أن استمرار السعودية في ضخ إمداداتها عبر البحر الأحمر لعب دوراً حاسماً في كبح جماح أسعار الطاقة؛ فبالرغم من وصول سعر البرميل إلى 112 دولاراً، فإن هذا التحرك الاستراتيجي منع السيناريو الأسوأ المتمثل في قفز الأسعار إلى حاجز 200 دولار.

وأوضح أن هذا الالتزام السعودي لا يقتصر على استقرار أسواق الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكداً على الدور المحوري والإيجابي للمملكة داخل منظومة «أوبك» و«أوبك بلس» في التحوط لآثار الحرب، وحماية الاقتصاد العالمي من المخاطر ذات الصلة.

الموثوقية العالية والاستجابة التاريخية

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم العمر، المشرف على شركة «شارة» للدراسات الاستشارية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية برهنت على موثوقية استثنائية كمنتج رئيس للطاقة؛ إذ لم تستغرق «أرامكو» سوى ساعات معدودة من نشوء الأزمة لتحويل شحنات النفط من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وأوضح العمر أن المملكة استحضرت في هذه اللحظة الحرجة بنية تحتية استراتيجية أُنشئت قبل أربعة عقود لظروف مشابهة، لتتحول اليوم إلى «درع طاقة» للعالم أجمع.

وأشار إلى قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر خط «شرق-غرب»، حيث ارتفع المتوسط من 770 ألف برميل يومياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً، وصولاً إلى ما فوق 5 ملايين برميل يومياً في أسابيع قليلة. واصفاً هذه الزيادة بأنها تكشف عن «مرونة تشغيلية نادرة» لا تملكها سوى دولة تُعرف بأنها «البنك المركزي للنفط العالمي».

درع العالم أمام صدمات الأسعار الكارثية

وشدد العمر على أن «الاستعداد الاستراتيجي» للمملكة حافظ على نحو 85 في المائة من صادراتها، ليصبح خط الأنابيب صمام أمان فعلياً أمام أشد صدمات العرض. وحذّر من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي، لا يستمد أهميته من طاقته الاستيعابية فحسب، بل من تأثيره المباشر على التسعير؛ إذ إن أي نقص في المعروض بنسبة 20 في المائة كان سيقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية تتراوح بين 230 و300 دولار للبرميل، وهو ما كان سيحدث صدمة هيكلية كارثية في الاقتصاد العالمي.

وأشار العمر إلى أن استمرار الضخ السعودي عبر البحر الأحمر ساهم في «إعادة النور» إلى مشهد كان سيكون مظلماً لولا تلك القدرات الاستثنائية، وهو ما أكده رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، حين صرح بأن الاستجابة السعودية السريعة وإعادة توجيه ثلثي الصادرات كانتا السبب الأكبر في منع خروج الوضع عن السيطرة.

ميناء جازان (واس)

تحدي التسعير العادل والدور الريادي إقليمياً

وحول استمرار التصدير السعودي في كبح الأسعار رغم تجاوزها حاجز الـ 112 دولاراً، أوضح العمر ضرورة التفريق بين السعر الراهن والسعر الذي كان سيسود في حال «خلا الميدان» من البديل السعودي. وأكد أن توافر خط الأنابيب حال دون بلوغ مستويات سعرية مدمرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ليظل الخط صمام أمان عالمياً لأزمات الإمداد والتسعير.

وعلى الصعيد الإقليمي، وصف العمر السعودية بأنها «قاطرة الاقتصاد الخليجي»، مستندة إلى ركيزتين:

  • القدرات الإنتاجية، والبنية التحتية الجاهزة بعيداً عن بؤر الصراع في المنطقة.
  • الدعم اللوجيستي في استيراد ونقل المنتجات الضرورية عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية لكافة دول الجوار.

واختتم العمر حديثه بالتذكير بأنه لولا القدرات اللوجيستية السعودية لتعرضت المنطقة لكارثة حقيقية؛ خاصة بعد إعلان قطر حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز، وانخفاض إنتاج الكويت، والإمارات، وانهيار 70 في المائة من صادرات العراق النفطية، فضلاً عن أزمة الأمن الغذائي الحادة. وأكد أن المملكة وقفت وحدها لتقدم لأشقائها ثلاثة مستويات من الدعم: الممر البديل، والاستقرار النسبي للأسعار، والدعم اللوجيستي متعدد الأبعاد.