النقد التشكيلي كممارسة تعتمد المعرفة

كتاب للسوري معلا يبحث في تأثيره المباشر على نهضة الفنون

النقد التشكيلي كممارسة تعتمد المعرفة
TT

النقد التشكيلي كممارسة تعتمد المعرفة

النقد التشكيلي كممارسة تعتمد المعرفة

هل ثمة جدوى بعد الآن لوجود نقاد في الفنون البصرية؟ وهل وجودهم يسهم في تطوير الفنون؟ وهل حافظ النقد على وظيفته المتمثلة في تقريب العمل الفني من المتلقي؟ ثم ماذا يحتاج النقد الجديد لتكوين لغة بصرية متخصِّصة بمفردات وصيغ وتقنيات خاصة تتجاوز حالات الوصف والتعميم؟ ومن أين نستمد النقد البصري اليوم؟
انطلاقاً من هذه الحيثيات، صدر هذه الأيام عن الهيئة العامة السورية للكتاب «بؤس المعرفة في نقد الفنون البصرية» للفنان الناقد التشكيلي طلال معلا الذي استطاع بفعل الممارسة والبحث أن يجمع بين الشقين التطبيقي والنظري، بين الفعل بالألوان والفعل بالكتابة، بين اللون والكلمة.
يستعرض المؤلف في كتابه الجديد ما وقع على النقد في بلداننا العربية من تغيرات خلال السنوات الأخيرة، واتهامات البعض بأن الناقد «ضلّ طريقه، فبدأ بعرقلة الفنانين وهم ماضون في طريقهم... عرقلة لا تقف عند حد الكتابة، إنما تتجاوز ذلك للعب دور كابح ومعيق، حين يتم إبراز النقاد كموظفين في الصالات والمؤسسات الفنية». النقد من وجهة نظر طلال معلا، ظل حتى الوقت الحاضر، نشاطاً يباشر الناقد عبره الأعمال الإبداعية في مجال الفنون البصرية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك تقييمها وتقويمها بتحديد مكامن الضعف وعناصر القوة فيها، ويقوم ذلك على عمليات منها الملاحظة الدقيقة والفاحصة، ومنها التفكيك بقصد التبرير للأحكام، ومنها التلميح إلى ما كان ينبغي أن يقوم عليه بناؤها بديلاً للمنجز. وبهذا يكون النقد نافذة نرى من خلالها إعادة بناء الأعمال وفق ملاحظات وإشارات مبنية على تحليل منهجي له آلياته ومصطلحاته الخاصة في نقد الفنون البصرية. يقول الكاتب في معرض رده على تلك التقولات: «تكشف هذه المرارة عن حقيقة لا تزال تسكن الصلة بين الإبداع البصري والإبداع النقدي الموازي، إن لم يكن الأخير متقدماً على الأول في أيامنا هذه مع بروز التوجهات الإبداعية الجديدة، حيث بات من السهل اكتشاف الكثير من الادعاءات، ولعل تصفح تاريخ الكتابات النقدية عن الفنون التشكيلية العربية تاريخياً وحاضراً، ومحاولة حصره ودراسته الدراسة الصحيحة يثبت مدى التراكم المتحقق، والنصوص النوعية المميزة لدى بعض الباحثين والنقاد، جراء الثمار المعنوية التي قدمتها فنوننا على مدى القرن الماضي».
يوضح الكاتب الفنان من خلال فصول كتابه الـ32 زائداً توطئة ومقدمة، أن النقد ممارسة تعتمد المعرفة، وله التأثير المباشر على النهوض بالفنون والتأثير العميق فيها استناداً إلى مقوماتِ التربية الفنية، وما تحمله من دعائم تفيد المبدعين تقنياً وفنياً وشكلاً ومضموناً، وعبر الملاحظة والتوصيف والشرح والتحليل يقود الناقد إلى إصدار انطباعات تحمل الملاحظة الثاقبة والتفسير والقدرة على الغوص في تفسير تركيبة العمل الفني، إلا أن عملية النقد، أو الكتابة النصية البصرية لإيجاد حلول لأية إشكالية تتعلق بجوهر الإبداع، قدر الانخراط النظري في الأنساق المعرفية المولدة للجوهر ذاته من طريق آخر هو الكتابة. حول مثل هذا الجهد يقول لنا معلا: «إذا كانت الفنون بعمومها تحتاج إلى دعم حكومي أو مؤسساتي أو مجتمعي مدني كي تستطيع أن تبلور مشروعها، وتحّول الوعي الاجتماعي إلى قيم جمالية، فإن مظاهر الفنون كما نريد اليوم بقيت مع بدايات القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر باهتة المظهر لاحتياجها للخلفية الفكرية والفلسفية التي لم تستطع أن تحققها تحولات ثورية كتلك التي طالت التغيير الفلسفي في الغرب، كما حدث في انقلابات كالثورة الفرنسية (1798) والثورة الصناعية، والثورة التقنية، التي واكبها تغيير في الوعي، وتغيير في المذاهب والاتجاهات الفنية التي ما زالت تحدد معالم وتيارات الفنون في عالم اليوم». من يواكب عملية النقد، يجد من الضروري وهو يتقصى هذه العلاقة، أن ممارسة النقد تتحقق في شكل حوار بين طرفين يقبل كل منهما بوجود الآخر. وعملية النقد تضعنا أمام شكلين متفارقين من الممارسة. النقد حوار بين منهجين مختلفين، وأن يعترف كل منهج بوجود المنهج الآخر، وهي علاقة قبول واختلاف.
لقد أصبح النقد الفني في أغلب الدول العربية هذه الأيام في عموميته، يحتكم إلى الشخص بدل العمل الفني، وما يفرضه من معاينة دائمة ومن فتنة فنية وجمالية وقيمة معرفية وفلسفية كبرى، تفرض سلطتها على المشاهد، ليكون محصناً ذاته بجملة من التخصصات الأدبية والفنية والتاريخية والأنثروبولوجية، تساعده على الوصول إلى ماهية العمل الفني، وفك شفراته الملغزة من خلال عنصر مهم في القراءة التحليلية أو عتبة أولى، لا تتحقق إلا من خلال إحياء وتنشيط.
ولا شك أن عملية نقد الفنون التشكيلية، كغيرها من الفنون، نشاط ملازم لها، يحاول استنباط الكامن والدفين فيها شكلاً ومضموناً، معيناً على اكتشاف أسرار الجمال والنقص فيما يتناوله من أعمال، وبذلك يخوض مع سائر المتلقين، ومنهم المبدعون، تجربة الاستمتاع والكشف والتحليل وإصدار الأحكام. والناقد من هذه الناحية عليه أن يكون أكثر ثقافة وأدق ملاحظة وتحليلاً من غيره، ما يكفل له إصدار الأحكام المبررة حول ما يشاهده من أعمال فنية. إلا أن هذا لا يلغي ما يطلق عليه النقد التأثري أو الانطباعي القائم على ما نشعر به إزاء العمل الإبداعي تلقائياً، فنظهر إعجابنا أو امتعاضنا إزاءه، وقد نبرر ما نحس به بشكل ما فنقترب إلى النقد التخصصي، ولكن بنكهة مختلفة.
وتتجلى أهمية النقد في كونه مساعداً على الاستنارة والإبانة عن مواطن الرقي الجمالي والفني في الأعمال الإبداعية عامة، والتشكيلية خاصة، علاوة على كونه معيناً على تذوق الفنون التشكيلية باختلاف فروعها، وعاملاً دافعاً إلى بلورة وتجديد الفنون التشكيلية، مساهماً في إرساء قواعد وأسس متينة تساهم في تطويرها والتعريف بسر الجمال فيها، كما يساعد على اكتشاف الهنات والثغرات التي يمكن أن تعتري المنجز الإبداعي.
السؤال الملحّ والمتداول في الأوساط الفنية، هو هل العمل الفني الحديث (المفاهيمي) يحتاج إلى نقد؟ يرى معلا أن ذلك يستدعي من الناقد مجموعة كبيرة من المعارف ليحقق نصه النقدي المطلوب حول الفنان وعمله الفني، وأن غموض الفن، بألعابه الافتراضية، يمنح اللغة طاقات تجاوزية تجعل منها جزءاً من العملية الشعرية والإبداعية ذاتها، والأفكار التي كان يتم تركيبها بطريقة ذهنية محددة باتت اليوم خارج القواعد التي ترتب التجربة البصرية المعاشة في ظل التدفق اللايقيني للصور التي لم يعد بالإمكان رؤيتها بجزئياتها بل بكلياتها التي تقدم حقائق العصر ومواضيعه وقضاياه الإنسانية. يميز الكشف الناقد المبدع، ويدعم رؤيته، ويؤكد اختياراته باستمرار حين تحتوي إرادته الحرة الطروحات البصرية المتنوعة، وتوجهاتها الفلسفية والفكرية التي تشكل قمة العطاء لدى المبدعين، وكأن هذا الكشف جزء لا يتجزأ من كينونة الناقد، الذي يجيد التعبير عن الاستعارات الجمالية، وهو يحولها من عالم الصورة الفنية أو المرئي المادي بتنوع تجلياته إلى عمل بلاغي، متجاوزاً إمكانية إصدار الأحكام وفق المعايير المحددة.
إذن يصير النقد الفني عملية ضرورية ينبغي أن تلازم المنجز في الفنون التشكيلية بغية جعلها في مستوى العصر، وما يحمله من ملامح التجدد الحاصل على الأذواق، وعلى مظاهر الحياة في شتى المجالات. ومهمة الناقد أن يشخص ما هو قيم ويدافع عنه بصرف النظر عن اتجاه التيار أو المذهب الفني أو الأسلوب.



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».