حميد بوحبيب: الثقافة الأمازيغية افتقدت التدوين قروناً طويلة

الشاعر الأمازيغي وأستاذ الأدب الشعبي الجزائري يتحدث عن التراث الضائع

د. حميد بوحبيب
د. حميد بوحبيب
TT

حميد بوحبيب: الثقافة الأمازيغية افتقدت التدوين قروناً طويلة

د. حميد بوحبيب
د. حميد بوحبيب

في هذا اللقاء، يتحدث د. حميد بوحبيب، الشاعر الأمازيغي وأستاذ الأدب الشعبي الجزائري بكلية الأدب العربي بجامعة الجزائر عن التاريخ الثقافي لشعب الأمازيغ الثقافي، وإشكالية الشفاهية والكتابة، وضياع الكثير من المدونات الأمازيغية، وكذلك الشعر الشفاهي، الذي لم يحظ بالتدوين إلا بالقرن الخامس عشر، بعكس الشعر العربي الذي دُوِّن في القرن السادس الميلادي.
وهنا نص الحوار:

> بداية، هل يوجد في الشعر الأمازيغي شعر قديم وشعر حديث شأن الشعر العربي؟
- في الحقيقة محاولة تأريخ الأدب الأمازيغي تضعنا أمام إشكالية الشفاهية والكتابة، لأنه بسبب انعدام ثقافة تقاليد كتابية عريقة جدا مثلما هو موجود في اللغة العربية منذ عصر التدوين، فإن اللغة الأمازيغية أضاعت كثيرا من مدوناتها القديمة وشعرها القديم، فما وصلنا موثقاً يعود في أحسن الأحوال إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هل كان قبل ذلك للأمازيغ شعر وقصة وغير ذلك؟ أكيد، لأن الشعر لا يمكن أن ينشأ من عدم فجأة في القرن الخامس عشر. أكيد أن هنالك شعرا من قبل، ولكن لأنه كان شفويا لم يُدَون ولم يصلنا، الشعر الذي أتكلم عنه هو شعر الأفراد المعروف المؤلف، وهذا لم يصلنا.
> ماذا عن الشعر المجهول المؤلف وحافظت عليه ذاكرة الأمازيغ الجمعية؟
- نعم، ثمة شعر آخر هو شعر جمعي، مجهول المؤلف وبالتالي لا يمكن أن نؤرخ له، هذا الشعر الجمعي المجهول المؤلف مرتبط بطقوس الحياة من ميلاد الفرد وهو جنين في بطن أمه، منذ أن تتوحم الأم هناك أشعار تصاحب هذا الحمل إلى الميلاد إلى الختان بعد ذلك إلى أن يكبر هذا الطفل ويصبح شابا، ما يسمى «دورة الحياة»، (Cycle de vie) إلى أن يموت، تصحبه أشعار جنائزية، وهناك شعر جني المواسم، الحصاد وقطاف الزيتون وأشعار طقوس مصاحبة للعمل، مثل شعر صنع الفخار، وشعر النسيج سواء السجاد أو البسط، وشعر طقوس (التويزة)، أي العمل الجماعي التطوعي.
> هل هذه هي موضوعات الشعر الأمازيغي في الذاكرة الجمعية؟
- لا، هذا الشعر يصاحب الفعل، وهو شعر مجهول المؤلف وبالتالي لا يمكن أن نؤرخ له، لا نستطيع أن نقول متى بدأ، بالتالي ما نعثر عليه شعر طقوسي مرتبط بالموت، بالجنازة، بالدفن، إلى غير ذلك، ولا نعرف من كتبه، لا نعرف متى قاله، لا يمكن أن نجزم أن هذا الشعر يعود للقرن السادس عشر أو الخامس عشر، معنى ذلك أن ثمة شعرا في ذاكرة جمعية، لا نعرف متى قيل وأصبح متداولاً عند الأمازيغ.
> مقارنة مع الشعر العربي ما هو المعلم الزمني للشعر الأمازيغي القديم؟
- المدونات المكتوبة تعود في أحسن التقديرات إلى القرن الخامس عشر والسادس عشر. وقد جمع مولود معمري في كتابه «الشعر القبائلي القديم» نماذج من هذين القرنين.، زملاؤنا ومواطنونا وإخوتنا في المغرب الشقيق، حيث لهجات مختلفة للأمازيغية بالشلحة والريفية، أيضا لديهم أشعار تعود للقرن الخامس عشر والسادس عشر. ما قبل ذلك ليس لدينا مدونات تعود إلى أزمنة سحيقة. وهذا على خلاف الأدب العربي، الذي حظي بالتدوين منذ بداية القرن السادس الميلادي أي في القرن الهجري الأول، وأولُ كتاب دُوِّن هو القرآن الكريم، ثم جاء عصر التدوين فتراكمت مدونات كثيرة جدا في الشعر العربي. هذا بالنسبة إلى الزمن، ثم المنعطفات الحاسمة جدا في هذا الشعر من حيث التأريخ نجدها في الفترة الكولونيالية. سنجد أن القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي للشعر الأمازيغي بجميع اللهجات سواء في المغرب أو الجزائر أو في تونس أو في ليبيا أو حتى عند الطوارق، وحتى عند مواطني الطوارق في مالي ونيجر.
> هل كان الاستعمار الفرنسي عاملا في ازدهار الشعر الأمازيغي؟
- نعم بطريقة غير مباشرة، لأن الناس لما صدموا بهذا المُكتَسِح الغازي، الذي جاء من وراء البحر بجيوش وجحافل بقصد الإبادة، استعمار استيطاني، ظهر شعر المقاومة، ظهر الشعر السياسي، لم يكن ذلك معروفا من قبل، فتفتقت الموهبة الجماعية على رؤية للعالم لم تكن موجودة من قبل. كان في الماضي قبل الغزو الفرنسي شعر في إطار العشيرة والقبيلة الضيقة، ولكن بعد الاصطدام بالمستعمر الفرنسي أصبحت هناك رؤية للوطن، رؤية للأمة. هذه الأبعاد والشعور بالذات الجماعية الموسعة لم تظهر إلا بالاصطدام مع المستعمر الفرنسي. من هنا يعد العصر الذهبي للشعر الأمازيغي هو القرن التاسع عشر تقريبا، لكن لاحقا في القرن العشرين ستظهر معطيات جديدة أخرى. ستتحول هذه الشفاهية إلى كتابية، وأيضا ستظهر التسجيلات السمعية البصرية، لأول مرة مع نهاية الحرب العالمية الأولى 1919 تقريبا، وسيبدأ شعراء أمازيغ ومغنون ومطربون أمازيغ في الجزائر أو في المهجر، في فرنسا على وجه التحديد، يسجلون أشعارهم في شركات فرنسية، مثلا «باتي ماركوني» أول شركة سجلوا فيها مدونات شعرية كثيرة جدا منذ بداية القرن العشرين، فتحولنا من شعر الشفهية الخالصة إلى الشفهية المُعَلَّمة، يعني استعمال وسائل التسجيل، بعد ذلك ستصبح الأغنية المسجلة على أشرطة وعلى أسطوانات مصحوبة بصوت حي.
> متى بدأ جمع الموروث الشعري الأمازيغي أو المدونات كما أسميتها؟
- عندما يكون هنالك وعي بضرورة جمع هذا الموروث الشفهي وتسجيله لحفظه من الضياع سيبدأ النقد. في البداية كان هناك نقاد فرنسيون وإنثروبولوجيون فرنسيون قاموا بجمع هذه المدونات الشعرية، ثم أتى جيل من الدارسين الجزائريين، الذين ساهموا في جمع هذه المدونات بشكل جلي. بدأت حركة الجمع تقريبا في نهاية القرن التاسع عشر من دارسين فرنسيين، أولهم كان: جينرال هانوتو (Général Hanoto)، الذي جمع مختارات شعرية من 500 قطعة شعرية منذ 1867، كانت أول مدونة شعرية أمازيغية وقد كتبها بالحرف العربي، والحرف اللاتيني الفرنسي وترجمها إلى اللغة الفرنسية، كانت كتابا ضخما، يتيح القراءة لمن لا يتقن العربية أو لمن لا يتقن اللغة الفرنسية، ثم توالت مدونات كثيرة جدا عبر الزمن، وأول دارس جزائري جمع مدونات شعرية وعلق عليها وشرحها هو «بوليفة سيدي عمار سعيد» سنة 1904. جمع مدونة ضخمة جدا من نحو 350 قصيدة، وترجمها إلى اللغة الفرنسية، وعلق عليها، وكانت هي فاتحة لجيل جديد من أشهرهم على الإطلاق مولود فرعون، ومولود معمري، ويوسف ناسيب، وسليم شاكر. هؤلاء كلهم جمعوا مدونات شعرية من مختلف القرى ومن مختلف المناطق وفي الغالب يترجمونها إلى اللغة الفرنسية أو يعلقون عليها.
> هذا الجمع لتراث المشافهة ولنقل الشعر، تأخر حتى نهاية القرن التاسع عشر، هل يعني أن الثقافة الأمازيغية هي ثقافة كلمة وليست ثقافة تدوين؟
- فعلا، هذه ملاحظة في محلها، يمكن أن نقول إن المشافهة هي تقريبا سمة نوعية مؤسسة للثقافة الأمازيغية، صحيح أن أسلافنا أبدعوا حرف «التيفيناغ»، وهو الخط الأمازيغي الذي تُكتب به الأمازيغية، وهو من أقدم الخطوط. وهناك رأي يعيد «التيفيناغ» إلى القرن 15 قبل الميلاد، يعني أنه حرف موغل في القدم، ولكن للأسف لم نُبدع شيئا بهذا الحرف، كأننا ابتدعنا الحروف الأبجدية ولكن لم نسجل بها أشعارنا وحكاياتنا وقصصنا وأساطيرنا، على خلاف إخوتنا السومريين والأكاديين والكلدانيين والآشوريين والبابليين الذي أبدعوا الخط وكتبوا بالخط المسماري باللغة الأكادية مثلا «ملحمة غلغامش» التي تعود إلى 2700 قبل الميلاد، على خلاف الأمازيغ أبدعوا حرفا ولكنهم لم يتركوا لنا أو يخلفوا شيئا ذا بال في الكتابة، وأكثر من ذلك كأن ثمة لعنة تاريخية على هذا المجال، فمعظم المثقفين الأمازيغ الذين كتبوا عبر التاريخ كتبوا بلغة الآخر، لدينا أمازيغ كتبوا باللغة اللاتينية، باللغة اليونانية، باللغة العربية وهم كثر، ولكنهم لم يكتبوا في التيفيناغ الحرف الأمازيغي، فبقيت الثقافة الأمازيغية شفهية كما تفضلت.
> كباحث ودارس وشاعر كيف كانت مكانة المرأة في الشعر الأمازيغي؟
- لا يوجد شعر في العالم لم يحتف بالأنوثة بالمرأة، بالجمال، فالشعر الأمازيغي على مختلف لهجاته يحتفي بالمرأة كثيرا جدا، ويتغزل بها، وكما يوجد غزل عذري وغزل ماجن في الشعر العربي أيضا له نظيره بالشعر الأمازيغي، ولو أن الغزل الماجن يدور في حلقات ضيقة، الباحث عليه أن يسعى للعثور عليه لأن الناس بفعل محافظتهم لا يعطون تلك المدونات ولا يروون هذا الشعر إلا في حلقات ضيقة، ولكن أنا خلال تحضير رسالة الدكتوراه على «الشعر الشفوي القبائلي» وجدت مدونات كثيرة جدا يمكن أن تسمى شعرا ماجنا، أو على الأقل فلنقل إنه شعر جريء يسمي الأشياء بأسمائها.
لكن الشعر العذري موجود كثيرا جدا، يحتفي بالمرأة وبجمالها. الشعر العربي يشبه المرأة الجميلة بالغزال، وفي الشعر الأمازيغي تشبه المرأة القبائلية بالحمامة، وأحيانا بالحجلة. والحجلة بالشعر الأمازيغي تعادل الغزال في الشعر العربي. وأحيانا تنوب كلمة حجلة عن كلمة امرأة.



«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.