عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

الإعلانات الترويجية وانعدام الضوابط القانونية يسهلان عمليات الاحتيال

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة
TT

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

يُسهِم مزيج من الالتباس الطبي وانعدام الضوابط القانونية في دعم عيادات العلاج بالخلايا الجذعية، وهو العلاج الذي لم يخضع للتجربة المخبرية.

حادثة وفاة
حدثت أول وفاة بسبب العلاج بالخلايا الجذعية لم يكن مدعوماً بالبراهين في أستراليا، حيث رأى زوج شيلا دريسدايل في العلاج بالخلايا الجذعية محاولةً أخيرةً ويائسةً لتخفيف عوارض الخرف التي تعاني منها زوجته. ولكن الزوجة توفيت للأسف عن 75 عاماً في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2013، في اليوم نفسه الذي تلقّت فيه العلاج في سيدني بأستراليا . وفي يوليو (تموز) 2016، حكم الطبيب الشرعي الذي كان يحقّق في القضية بأن دريسدايل نزفت حتى الموت نتيجة عملية شفط الدهون التي تطلبها العلاج، قائلاً إن هذه العملية الأخيرة حملت كثيراً من مؤشرات الاحتيال الطبي. وبعد الذعر الذي أثارته هذه القضية وأول حالة وفاة ناتجة عن العلاج بالخلايا الجذعية، إلى جانب حالات أخرى لم يشتبه بها، فرضت حكومتا الولايات المتحدة وأستراليا إجراءات جديدة مهمتها تنظيم العيادات غير القانونية التي تقدم هذا العلاج، وفي الوقت نفسه، دعم العيادات التي تطوّر علاجات قانونية. وتحمل الخلايا الجذعية - وهي الخلايا الأصلية التي لم تتحول بعد إلى خلايا متخصصة في الجسم - وعوداً كبيرة لأنها تتميّز بالقدرة على النضوج في قلب الأنسجة وإصلاح كثير منها في الجسم. وكانت بعض الشركات قد أعلنت العام الماضي أنها تدعم تطوير علاج بالخلايا الجذعية للسكري وآلام أسفل الظهر مثلاً. كما استخدم الأطباء لعدو عقود الخلايا الجذعية التي تنشط في الدم والنخاع العظمي لعلاج حالات كسرطان الدم بشكل غير مباشر.

ادعاءات زائفة
ولكن خلال السنوات القليلة الماضية، انتشرت مئات العيادات التي تقدّم علاجات بالخلايا الجذعية التي لم يتمَّ اختبارها بشكل دقيق في تجارب عيادية أو اعتمادها من قبل أجهزة الإشراف المعنية.
يقول شون موريسون، من مركز جامعة تكساس الطبي، الرئيس السابق للجمعية العالمية لأبحاث الخلايا الجذعية إن لائحة طويلة من العيادات تطرح ادعاءات لإجراء تجارب هي مستحيلة من الناحية العلمية. ويضيف: «تدعي هذه العيادات أيضاً أنها قادرة على شفاء حالات كمرض ألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري، والتوحد». وتعرض هذه الادعاءات بشكل ترويجي مؤثر على المواقع الإلكترونية وتقدم في الندوات التعريفية التي تهدف إلى اصطياد المغامرين. وعلينا إذن أن نفعل الكثير لحماية الأشخاص اليائسين.
حدّدت دراسة أُجرِيَت عام 2016، أسماء 351 شركة تقدّم تدخلات علاجية عمادها الخلايا الجذعية، سواء كانت قانونية أو غير قانونية، في 570 منطقة في الولايات المتحدة الأميركية. وتبيّن أن النقاط الساخنة التي تتضمن هذه العيادات هي كاليفورنيا التي تحتوي على 133 عيادة، وفلوريدا 104، وتكساس 71. ومنذ ذلك الحين، تمّ افتتاح أكثر من 100 مشروع و150 عيادة إضافية. يعتبر ليه تورنر من جامعة مينيسوتا الذي شارك في إعداد هذه الدراسة عام 2016 ولا يزال مستمراً في متابعة نتائجها، أن هذه العيادات تتوسع بشكل مستمر.
وتعج أستراليا أيضاً بعيادات علاجات الخلايا الجذعية، وتبيّن في الإحصاء الأخير أنها وصلت إلى 60 عيادة. في المقابل، لم تظهر عيادات الخلايا الجذعية في أي منطقة غرب أوروبا، مع افتتاح عدد قليل منها في شرق أوروبا. ويقول روبين لوفيل بادج من معهد «لندن فرانسيس كريك في حديث لمجلة (نيوساينتست) البريطانية»: «في أوروبا، استطاعت الهيئات المشرفة أن تسيطر على علاجات الخلايا الجذعية غير المجرّبة بشكل كبير، وبفضل الرقابة الشديدة على عدة مستويات، صعّبت القيام بأي مشروع خارج التجارب العلمية القانونية».

تجاوز الحدود
ثلاثة عوامل أسهمت في انتشار العيادات الخاصة التي تعتمد علاجات الخلايا الجذعية في الولايات المتحدة وأستراليا.
• العامل الأول هو الغموض المحيط بإمكانية اعتبار إجراءات مثل إزالة وإعادة حقن الخلايا الجذعية في جسم الشخص نفسه، معياراً طبياً معتمداً يشابه نقل شريان معيّن من قَدَم أحدهم لاستخدامه في عملية فتح الشريان التاجي في قلبه مثلاً. وفي حال عمدت إحدى العيادات مثلا إلى استبدال نسيج أحدهم، واستخدام خلايا جذعية مستخلصة تم إنضاجها داخل المخبر لتصبح ناضجة أو متحولة إلى خلايا من نوع آخر، قد يتحوّل الأمر إلى علاج جديد، يتطلب الاختبار والترخيص اللذين يتطلبهما أي دواء حديث.
إلا أنّ معرفة من تجاوز هذا الحدّ يمكن أن يكون أمراً صعباً ومربكاً؛ فقد وجدت «دراسة تورنر» أن 61 في المائة من عيادات العلاج بالخلايا الجذعية تُقدِّم علاجات تعتمد على سحب وإعادة حقن الخلايا الدهنية، وتحديداً الأنسجة الدهنية. بعض هذه العيادات كان يعمل سابقاً في عمليات شفط الدهون ثم انتقل إلى علاجات الخلايا الجذعية.
• العامل الثاني هو التراخي الذي تتعامل به الهيئات القانونية المنظمة كإدارة الغذاء والدواء الأميركية، التي يحكمها مناخ مناسب للأعمال الحرّة، على عكس أوروبا.
• والعامل الثالث هو ازدياد القوانين الأميركية التي تخول الناس تجربة العلاجات غير الخاضعة لاختبار مخبري، وفي الوقت نفسه تحرمهم حقّ الملاحقة القانونية في حال سارت هذه العلاجات بشكل سلبي. هذه القوانين التي توضع في خانة «حقّ المحاولة» معتمَدة وتطبَّق في 38 ولاية.
ولكن إدارة الغذاء والدواء الأميركية ونظيرتها الأسترالية «إدارة السلع العلاجية» قررتا بشكل منفصل العام الماضي بأن تتحركا، فاقترحت الهيئتان تغييرات تنظيمية للتمييز بين التقديمات العيادية القليلة التدخل في الجسم، التي تُعتَبَر كأي جراء طبي روتيني، والعلاجات الأكثر تجذراً، التي يتمّ فيها حقن الجسم بخلايا أو أنسجة معدلة في الخارج، فيجعل منها علاج جديد غير مجرّب.
ويقول موريسون: «إن عمل الخبراء على تنمية الخلايا في الزرع، يتيح لهم مثلاً إدخال التعديلات عليها قبل إعادة حقنها». كما أن إعادة حقن الخلايا الدهنية قد يكون شديد الخطورة في عدّة أماكن، كالحقن المباشر في مجرى الدم أو الدماغ.
رحّب مؤسسو وأعضاء الجمعيات المناصرة لتنظيم هذه العيادات بالقوانين الجديدة، التي من المتوقع أن تنتهي صياغتها في الولايات المتحدة وأستراليا في أواخر هذا العام، إلا أن البعض يخشى ألا تذهب هذه الإجراءات إلى الحدّ المطلوب من التنظيم.
يقول جون راسكو، من مستشفى الأمير ألفريد الملكي في سيدني والكاتب الرئيسي في التحقيقات العالمية التي أجريت عن الخلايا الجذعية عام 2016: «لا يمكننا أن نحدّد درجة فعالية هذه القوانين التي ستعتمدها إدارة السلع العلاجية قبل أن نطّلع على تفاصيلها».
في الولايات المتحدة، يخشى الخبراء أن يحول افتقار إدارة الغذاء والدواء إلى المصادر المطلوبة دون نجاحها في التحقيق في أمر مئات العيادات. فقد لَمّح سكوت غوتليب، ممثل الإدارة في مؤتمر صحافي في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى أن عدد العيادات الناشطة التي تقدم علاجات احتيالية قليل، وأنها ستكون الهدف الأول.

التحقيق مع العيادات
حتى اليوم، عملت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على التحقيق في ملفات ثلاث عيادات فقط. وقد جرى الإعلان عن آخر إشعار تحذيري تلقته أحدها في أوائل هذا الشهر، في حين أعلن عن التحقيقين بشأن العيادتين الأخريين في أغسطس (آب) الماضي، قبل الكشف عن القوانين الجديدة. ولكن النقاد يقولون إن إدارة الغذاء والدواء تستخفّ بتقدير حجم التحرك المطلوب، إذ إن الأمر لا يقتصر على بعض المراكز السيئة فحسب بل ويمتد إلى العيادات الذائعة الصيت.
هناك أيضاً عائق آخر يتمثّل بالناس أنفسهم، أولئك الذين يستمدون التشجيع من قانون حقّ المحاولة الذي تروج له منظمات كثيرة، ويرون في إدارة الغذاء والدواء عدواً للخيار الحرّ.
ويقول مناصرو الخيار الحر إن أقل من 3 في المائة من المرضى الأميركيين الذين وصلوا إلى مراحل المرض النهائية يلجأون إلى الخضوع لعلاجات تجريبية من خلال تجارب عيادية، ويحاججون بأن آخرين لا يُسمَح لهم إلا بتناول أدوية تجاوزت اختبارات السلامة الأساسية. ويضيف أن أكثر من مليون أميركي يموتون سنوياً لأن إدارة الغذاء والدواء يمكن أن تؤخر إصدار موافقتها حتى 15 عاماً. أمّا بالنسبة للأشخاص الذين يستطيعون الخضوع لهذه التجارب، فغالباً ما يأتون بعد أن يكون الأوان قد فات.
ولكن داعمي حملة إدارة الغذاء والدواء الأميركية ضدّ علاجات الخلايا الجذعية المريبة يقولون إن توسيع إمكانية الخضوع لهذه العلاجات سيعطي لهذه العيادات المساحة تقديم علاجات غير قانونية.
ويضيف موريسون أن الناس لا يفهمون أن قوانين حرية المحاولة هي فرص لتحويل المرضى إلى ضحايا دون تحمّل أي عواقب.
ويقول الخبراء إن مسؤولي الإدارة يحتاجون إلى مزيد من المحققين لإرسال المزيد من الإنذارات. أما الخطوة الأثقل فستكون الإدانات الجرمية وإثبات عمليات الاحتيال وتعرّض الناس لضرر حقيقي. إن إدانة أحدهم بارتكاب جرم الاحتيال سيكون له النتيجة الأكثر فعالية.

العلاج بالخلايا الجذعية قد يصبح مدمراً

تعرّض الأشخاص الذين تلقوا العلاج في عيادات الخلايا الجذعية التي تسوق علاجات غير قانونية إلى ضرر بالغ، كما عُرض عليهم الحصول على أدوية باهظة لا تحمل أي فرصة للشفاء، بل زادت حالتهم سوءًا.
الشهر الماضي، تقدّمت امرأة ادعت أنها أصيبت بالعمى جرّاء علاجات الخلايا الجذعية بدعوى قضائية ضدّ الشركات المنتجة للأدوية. وفي مارس (آذار) 2017، برز تقرير يتحدّث عن ثلاث نساء يعانين من التنكس البقعي (في العين) المرتبط بتقدم العمر، أصبن بانحسار حادة في الرؤية بعد تلقيهن حقناً تحتوي على أنسجة دهنية في العينين يُفتَرَض أنها تتضمن خلايا جذعية علاجية، وانتهى أمر إحداهن بفقدان البصر التام.
دفعت كلّ واحدة من هؤلاء النساء مبلغ 5000 دولار مقابل العلاج، وسارعن جميعهن إلى تلقي علاجات فورية للعوارض الجانبية التي ظهرت عليهن عام 2015.
وعانت أيضاً امرأة أميركية مصابة بالشلل تلقت حقن خلايا جذعية من الأنف في العمود الفقري في البرتغال من انزعاج واضطراب شديدين بعد ثماني سنوات على الحقن. ووفقاً لما أعلن عام 2014، فإن سبب هذا الانزعاج يعود إلى نمو نسيج أنفي يحتوي على عظمة وصل حجمه إلى ثلاثة سنتيمترات في منطقة الحقن.
وكانت مجلة «نيو ساينتست» قد عرضت العام الماضي لما أعلنته عيادة هندية تقدّم علاجاً بالخلايا الجذعية لعلاج 14 شخصاً من متلازمة داون، وهي الحالة التي يصاب بها شخص ورث كروموسومات إضافية. ولكن على الرغم من ادعاء العيادة أن هذا العلاج آتى ثماره، عجز خبراء تواصلت معهم المجلّة عن تفسير كيف يمكن لعلاج بالخلايا الجذعية أن يعطي أي نتائج إيجابية.


مقالات ذات صلة

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

صحتك التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

في عالمٍ تتصدّر فيه ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة» عناوين الصحة والتغذية تميل الأنظار غالباً إلى مكونات شهيرة مثل الأفوكادو والكينوا والكيوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك المشروبات الغازية والمُحلّاة تُعد من أبرز العوامل التي قد تؤثر في خصوبة الرجال (بيكسلز)

أطعمة تضرّ خصوبة الرجال… تعرّف عليها

تُعدّ مشكلة العقم من التحدّيات الصحية الشائعة على مستوى العالم، إذ يُعاني منها نحو 15 في المائة من الأزواج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مسكنات الألم تُعد من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم (أرشيفية-أ.ف.ب)

اكتشف تأثير مُسكنات الألم على الكلى

تُعد مسكنات الألم من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم، ومع ذلك فإن استخدامها قد يحمل في طياته مخاطر صحية غير مرئية، خصوصاً على الكلى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعدّ مرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات الأيض من أكثر الأمراض انتشاراً (رويترز)

1.8 مليار شخص مهددون بالإصابة بأمراض الكبد الأيضية بحلول 2050

أشارت دراسة حديثة إلى أن أمراض الكبد الأيضية ستؤثر على 1.8 مليار شخص حول العالم بحلول عام 2050؛ نتيجة لارتفاع معدلات السمنة والسكري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»