علاقة الإعلام والأمن في تونس على مفترق طرق

علاقة الإعلام والأمن في تونس على مفترق طرق

عميد الصحافيين لـ «الشرق الأوسط»: طالبنا بالحرية في يوم الغضب
الاثنين - 27 جمادى الأولى 1439 هـ - 12 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14321]
تونس: المنجي السعيداني
«الإعلام التونسي لن يركع أمام كل أشكال الضغط والتضييق». عبارة قالها ناجي البغوري نقيب الصحافيين التونسيين باتت تتردد على ألسن كثير من الصحافيين خصوصاً المدانين منهم. أولئك يلتقون مباشرة مع قوات الأمن والجيش على المسرح نفسه عند تغطيتهم الأحداث الساخنة، آخرها موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها تونس للمطالبة بإلغاء قانون المالية الجديد القاضي بزيادات مجحفة في الأسعار.

إلى ذلك، نظم كثير من الصحافيين التونسيين في الثاني من فبراير (شباط) الحالي «يوم غضب» بدعوة من نقابتهم، للتنديد بالتهديدات والتجاوزات الأمنية اثر سلسلة حوادث سجلت أخيراً.

وجاءت هذه الاحتجاجات إثر سلسلة توقيفات لصحافيين تونسيين وأجانب، وإثر تهديدات بالاغتصاب نشرها عبر «فيسبوك» عضو نقابة أمنية، إضافة إلى تصريحات لوزير الداخلية التونسي لطفي براهم تحدث فيها عن «رصد» لمراسل ما أثار مخاوف من وجود عمليات تنصت على الهواتف.

عشرة أيام مرت على هذا اليوم الذي اختار فيه أهل الصحافة التونسية الانتفاض رفضاً لتقييد القلم والصوت. غضب واضح في الشارع الصحافي، لكن الوضع لا يزال متعثراً.

ولئن توحي العلاقة بين وسائل الإعلام التونسية ومؤسستي الأمن والجيش التونسي أنها في مفترق طرق، وأنها في وضع متأزم للغاية، فإن وضعية الإعلام التونسي تطورت خلال السنوات الماضية على مستوى الكم، وبلغ عددها 39 قناة تلفزيونية وقرابة 50 إذاعة و229 صحيفة بين يومية وأسبوعية وشهرية، بالمقارنة مع عددها قبل 2011 الذي لم تتجاوز فيه وسائل الإعلام 4 قنوات و14 إذاعة وقرابة 30 صحيفة.

لكن ذلك الكمّ يخفي كثيراً من المشكلات المهنية وتأتي مسألة الجدوى الاقتصادية على رأس الاهتمامات، إذ يعاني كثيراً منها من صعوبات مالية مما يجعل حالات الطرد الجماعي من وسائل الإعلام التونسية موجودة بكثرة.

ورغم التقدم الكبير والإضافات التي قدمها المرسومان 115 و116 من خلال تعديل القطاع السمعي البصري ومن خلال استقلالية لجنة إسناد بطاقة الصحافي المحترف وحصانة الصحافي وتقديم إجراءات قانونية جديدة في المجال الجزائي، فإن أغلب الخبراء يعتقدون أن تلك المراسيم جاءت لتأطير فترة سياسية انتقالية، وأن ما بلغته حرية الصحافة من تهديد في مستوى غياب تعددية الرؤى والأصوات، وفي مستوى ضعف الأداء المهني وفي مستوى غياب الشفافية المالية يستوجب مراجعة قانونية جذرية.

يسخر كثير من التونسيين من واقع الإعلام التونسي، ويصفونه بـ«إعلام العار» و«إعلام الثورة المضادة»، وأنه يخدم أجندات خاصة لأطراف سياسية معينة، في حين أن هاجس المؤسسات الإعلامية هو تفادي مخاطر الإفلاس من خلال البحث عن «البوز»، واعتماد الإثارة المبالغ فيها عبر ما يُعرَف بتلفزيون الواقع.

واحتلت تونس خلال السنة الماضية المرتبة 97 ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة، وتراجعت بمرتبة وحيدة عن تصنيفها سنة 2016. ويقدر عدد الصحافيين المحترفين في تونس بنحو 1500 صحافي موزعين على مختلف وسائل الإعلام.

وتتدخل الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي والبصري (الهايكا) بفرض عقوبات مالية، وإيقاف البرامج والتهديد بسحب التراخيص لكل من يقدم مادة إعلامية لا تراعي طبيعة المجتمع التونسي، إلا أنها تتعرض أيضاً إلى مجموعة من الانتقادات حول دورها في إغراق المشهد السمعي البصري في تونس بإذاعات وتلفزيونات لا تمتلك القدرة على الاستمرار في العمل.

وبشأن التضييقات الكثيرة التي ترافق العمل الميداني، فقد طرحت مثل هذه الممارسات في أكثر من مناسبة، ولكل طرف وجهة نظره الخاصة، فالإعلاميون يطالبون بحقهم في تغطية الأحداث ونقل كل ما يجري دون رتوش أو عمليات تجميل، في حين ترى المؤسستان العسكرية والأمنية أن خطوطاً حمراء لا بد من احترامها، لا سيما عند تغطية الأحداث المرتبطة بالعمليات الإرهابية، وترى أن الإعلام قد يقدم خدمات للتنظيمات الإرهابية دون أن ينتبه إلى ذلك، من خلال الإعلام عن تحركات قوات الأمن والجيش وطريقة انتشارها.

ومن نتائج هذا الخلاف ما جدَّ خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها تونس خلال بداية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي حين اتهمت وزارة الداخلية التونسية بالتنصت على مكالمات بعض الإعلاميين ومصادرة آلات تصوير بعض المشتغلين في مسرح الاحتجاجات ومطالبتهم بفسخ صور تلك الاحتجاجات، وأدى هذا الأمر إلى تنظيم النقابة التونسية للصحافيين التونسيين «يوم غضب الصحافة التونسية».

وفي هذا الشأن، قال ناجي البغوري عميد الصحافيين التونسيين لـ«الشرق الأوسط»، إن يوم غضب الصحافة التونسية لم يطالب بالترفيع في الأجور أو مراجعة الوضعية المهنية الصعبة للصحافيين، بل يطالب بضمان حريتهم التي باتت في خطر على حد قوله. وأكد أن هذا القرار يأتي كردة فعل على الحملة التي تشنّ على الصحافيين من قبل الأجهزة الرسمية، وحملات الثلب والتشويه والتهديد على شبكات التواصل الاجتماعي من طرف أمنيين، في إفلات تام من المحاسبة والعقاب على حد تعبيره.

وأضاف البغوري أن التهديدات وصلت إلى حد فسخ المادة الإعلامية ومضايقة ممثلي الصحافة الأجنبية، والتصريح بإعادة وكالة الاتصال الخارجي التي لعبت أدواراً مشبوهة في تلميع صورة النظام السابق. وقال إن النقابة وجهت رسالة مفتوحة إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، للتعبير عن موقف النقابة الرافض لسياسة التضييق على حرية الصحافة وتواصل الاعتداءات على الصحافيين.

واعترف لطفي براهم وزير الداخلية التونسية أمام لجنة الأمن والدفاع في البرلمان التونسي، بأن عملية إيقاف أحد الصحافيين خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها البلاد ضد قانون المالية والزيادات في الأسعار، كانت نتيجة كشف اتصالات أجراها مع مجموعة من المحتجين.

وإثر تصريحه بالتنصت على مكالمات الصحافيين، اعتبرت نقابة الصحافيين التونسيين أن «أيادي الأمنيين أطلقت بشكل فج وصل إلى حد محاولة أحد الأمنيين الاطلاع على محتوى تسجيلات أحد الصحافيين والتنصت على الهواتف».

وأعلنت منظمات حقوقية وأحزاب سياسية تونسية دعمها لتحركات الإعلاميين التونسيين، ودعت السلطات التونسية إلى «لَجْم أعوان وزارة الداخلية خلال تعاملهم مع الإعلاميين خلال مختلف الاحتجاجات السلمية التي توجه انتقادات إلى الحكومة».

ومن نتائج هذه التحركات أن استقبل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أعضاء المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين، وإثر هذا الاجتماع أثنى رئيس النقابة على التفاعل الإيجابي لرئيس الدولة والتزامه بحماية ودعم حريّة الإعلام والتعبير باعتبارها أحد أهم ضمانات نجاح المسار الديمقراطي.

وأكد أهمية مواصلة الحوار مع كل الأطراف المعنيّة لتجاوز الإخلالات الأخيرة وضمان عدم تكرارها في المستقبل، إضافة إلى العمل على مزيد دعم حرية الصحافة والنهوض بقطاع الإعلام العمومي وتحسين ظروف عمل الصحافيين من خلال التسريع بإرساء القوانين اللازمة.

وفي المقابل، يرى إعلاميون تونسيون أن المشهد الإعلامي الحالي تتخلله مخاوف متنوعة من عودة التضييقات التي كان الإعلام التونسي يعاني منها قبل الثورة، وهي مخاوف تجد أرضية خصبة في ظل التطورات الحاصلة ومحاولات إخضاع المؤسسات الإعلامية لأجندات معينة وظهور مشكلات على مستوى الكيف والكم.

وفي هذا السياق، قال مصباح الجدي الصحافي بجريدة «الصحافة اليوم» الحكومية، إن معادلة الكم والنوع ما زالت مطروحة على الإعلام التونسي ككل، واقترح لتفعيل هيئة المجلس الأعلى للصحافة ليكون دوره تعديلياً ورقابياً وفق صلاحيات محددة، واعتبر أن المشهد الإعلامي في تونس يسيطر عليه تغول البعض بأموال الإشهار وتبييض الأموال الفاسدة دون رقابة، وهذا بشهادة تقارير هيئات مختصة، وأهل المهنة أنفسهم، على حد تعبيره.

وفي السياق ذاته، دعت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، البرلمان واستقلالية هيئة الاتصال السمعي البصري، وتضع حدّاً للمحاولات التي تهدد الدور التعديلي للهيئة وتحد من استقلالية الإعلام ونجاعة عمله، على خلفية مشروع القانون الأساسي لهيئة الاتصال السمعي البصري، الذي اقترحته وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان على البرلمان.
تونس إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة