هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

كليتشدار أوغلو يدخل ولايته الثالثة على رأس «الشعب الجمهوري» بشعار «إزاحة إردوغان»

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟
TT

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

يرى كثير من المراقبين أن كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، قد يكون محقّاً في إشارته إلى أن تركيا تعيش «مناخاً من الخوف». ويسوق هؤلاء كأدلة الانتقادات المتتالية من الغرب وحلفاء تركيا والمنظمات الحقوقية الدولية والمنظمات المعنية بحرية الصحافة والتعبير لما تعيشه تركيا برئاسة رجب طيب إردوغان من تضييق منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016 وحتى الآن. وكانت السلطات قد فرضت حالة الطوارئ بعد المحاولة الانقلابية مباشرة، وهي منذ ذلك الحين تشهد أوسع حملة إعادة تصميم وهيكلة لمؤسساتها بدءاً من الجيش والقضاء إلى المؤسسات الأمنية والإعلامية والتعليمية، وهذا فضلاً عن «حملة التطهير» التي أطلقتها الحكومة بحجة التخلص من أنصار الداعية فتح الله غولن. والمعروف أن السلطات تتهم غولن بتدبير محاولة الانقلاب، لكنها توسّعت لتشمل المعارضين لحكومة حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك حتى الآن، توقيف أكثر من 60 ألف شخص وإقالة أو إيقاف أكثر من 160 ألفاً آخرين عن العمل في مختلف هذه المؤسسات.
اختار حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا زعيمه كمال كليتشدار أوغلو، وريث مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال (أتاتورك)، ليواصل رئاسته للحزب في فترة ثالثة حتى عام 2021. وجاء ذلك بعدما جدد انتخاب كليتشدار أوغلو رئيساً في الرابع من فبراير (شباط) الحالي خلال أعمال المؤتمر العام السادس والثلاثين للحزب، متغلباً على منافسه الوحيد و«التقليدي» النائب محرم إينجه بأصوات 790 عضواً مقابل 447 صوتاً لمنافسه الذي كان ترشح أمامه للمرة الثانية على التوالي. ولقد افتتح السياسي المخضرم، ولايته الثالثة على رأس حزب الشعب الجمهوري، بالتأكيد على «مواصلة النضال لحين إنهاء حكم الرئيس رجب طيب إردوغان» قائلاً: «اعتباراً من اليوم انطلقَتْ مسيرتنا للإطاحة بحكومة إردوغان».

مرحلة صعبة
قال كليتشدار أوغلو، الذي يلقبه أنصاره بـ«غاندي تركيا»، إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة عادية، وإن محازبيه سيناضلون في ظل أجواء صعبة. وأشار إلى أن تركيا تمر بأحد أصعب مراحلها، إذ «إن الخوف يعم المجتمع التركي في ظل الحكم القمعي»، متعهداً بأنه سيكسر هذا الخوف. وتجدر الإشارة إلى أن حزب الشعب الجمهوري، من منطلق وضعيته كأكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، يرى أن الحملة التي تلت المحاولة الانقلابية «اختلط فيها الحابل بالنابل»، وعمقت من حالة الاستقطاب التي تعيشها تركيا في السنوات الخمس الأخيرة. وهو يعتبر أنها لا تخلو من ظلم، ولذلك كرس جهوده لاستعادة «العدالة» وسيادة القانون اللتين يرى أنهما انتُهِكتا بشدة في هذه الأجواء المشحونة، فضلاً عن رفضه للسياسة الخارجية لحكومة «العدالة والتنمية»، التي يدعي أنها قادت البلاد إلى عزلة، وأضاعت هيبتها وقذفت بها إلى «بحار الفوضى في مستنقع الشرق الأوسط».
بالعودة إلى بداية صعود كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري، فإنها لم تكن بالبداية السهلة أيضاً. إذ إنه تقدم للمنصب بعد أكبر فضيحة سياسية عرفتها تركيا في مارس (آذار) عام 2010، وتمثلت بتسريب فيديو غير أخلاقي لرئيس السابق للحزب دنيز بايكال مع نائبة الحزب عن العاصمة أنقرة، نسرين بايتوك، نشره موقع صحيفة «وقت»، وانتشر بسرعة البرق على المواقع الإلكترونية.
في خضم هذه الأحداث تصدّى كليتشدار أوغلو لمهام قيادة حزبه الجريح، وهو الحزب الذي يقدم نفسه دوماً على أنه المدافع عن مبادئ أتاتورك. وزاد من صعوبة المهمة أن الفضيحة جاءت قبل 11 يوماً من الانتخابات العامة للحزب، وقبل موعد الانتخابات البرلمانية في يونيو (حزيران) 2011، وهو ما اعتبره بايكال تحدياً خطيراً يهدف للإطاحة به من الحزب الذي ظلَّ على رأسه منذ عام 1992. أما كليتشدار أوغلو فإنه بدأ حياته السياسية بعدما اختاره حزب الشّعب الجمهوري فعام 2002 ليكون مرشحه في الانتخابات العامة، لكنه لم ينجح. ثم ما لبث أن دخل البرلمان في عام 2007 عن الدائرة الثانية بإسطنبول، ثم ترشح في انتخابات المحليات عن بلدية إسطنبول الكبرى، وخسر المقعد لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية قدير توباش، الذي استقال من منصبه العام الماضي بسبب شبهات علاقة مع حركة غولن.
ومن ثم، استطاع كليتشدار أوغلو أن يحافظ على قوام الحزب. ومع أنه لم يتمكن من أن يحقق تغييراً كبيراً في قاعدته، فإنه استطاع إعادة تشكيل صورة الحزب رافعاً عنه الانتقادات الشديدة في نظرته إلى التدين والحجاب، وهما من القضايا الجدلية التي لازمت الحزب منذ ظهوره وحتى عهد قريب، إذ شجع على ضمِّ محجبات إلى صفوف الحزب وأنشأ مسجداً بداخله كما أرسل بعثة للحج.

صعود وهبوط
«أتاتورك» أسس حزب الشعب الجمهوري في 9 سبتمبر (أيلول) 1923، وكان زعيمه الأول. وبعد وفاته عام 1938 انتخب صديقه وساعده الأيمن عصمت إينونو رئيساً للحزب. وحتى عام 1946 احتكر حزب الشعب الجمهوري عملياً الساحة السياسية، قبل أن تنتقل تركيا إلى نظام التعددية الحزبية، وفي ذلك العام أُجرِيت أول انتخابات نيابية عامة في تاريخ البلاد وفاز الحزب بالسلطة بأغلبية ساحقة، لكنه خسر الانتخابات أمام الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندرس عام 1950، فبقي في المعارضة من عام 1950 حتى عام 1960.
وفي عام 1972 انتخب بولنت (بلند) أجاويد رئيساً للحزب، فكان الزعيم الثالث في تاريخه، وشكل الحزب بعد انتخابات 1973 حكومة ائتلافية مع حزب السلامة الوطني الذي كان يتزعمه الزعيم الإسلامي الدكتور نجم الدين أربكان، وفي عام 1978 تسلم مقاليد الحكم في حكومة ائتلافية أخرى.
وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر 1980، أغلق القادة العسكريون الحزب إلى جانب الأحزاب السياسية الأخرى، ثم أعيد فتحه بعد 12 سنة في عام 1992 بقيادة دنيز بايكال. وحصل الحزب في انتخابات 1995 على نسبة 11 في المائة من الأصوات مكنته من تحقيق 49 مقعداً في البرلمان. غير أنه فشل في انتخابات 1999 ولم يستطع أن يتجاوز الحاجز الانتخابي (10 في المائة من الأصوات) حين حصل على 8.7 في المائة فقط من الأصوات مع أنه كان الفائز بأغلبية واسعة في بعض المحافظات، ولذا فقد بقي خارج البرلمان.
حزب الشعب الجمهوري حزب يساري الاتجاه، ويُعدّ في الوقت الراهن الحزب المنافس الوحيد للإسلاميين في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) في ظل تراجع شعبية حزب اليسار الديمقراطي، خصوصاً بعدما أعلن أجاويد قراره اعتزال السياسة بعد الانتخابات، وتشتت الأحزاب اليسارية الأخرى. وحقاً، الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام دنيز بايكال، لا سيما، بعدما التحق كمال درويش وزير الشؤون الاقتصادية السابق بالحزب، كما قام بايكال خلال السنوات الأخيرة بتليين خطابه السياسي ووعد باحتضان مختلف شرائح المجتمع مهما كانت أفكارها وتوجهاتها.

الصدام القوي
بدأت مرحلة الصدام القوي بين كليتشدار أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان منذ عام 2013، الذي شهدت نهايته فضائح فساد ورشوة طالت وزراء في الحكومة التي كان يرأسها إردوغان ومقربون منها. وكانت تلك فرصة لحزب الشعب الجمهوري للضغط على حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وفي الانتخابات الرئاسية عام 2014 سعى كليتشدار أوغلو إلى توحيد المعارضة في مواجهة إردوغان، فاتفق مع حزب الحركة القومية وعدد من الأحزاب الأخرى على مرشح واحد للرئاسة هو الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، الرئيس الأسبق لمنظمة التعاون الإسلامي والنائب عن حزب الحركة القومية.
وأعيد انتخاب كليتشدار أوغلو عام 2014 رئيساً لحزب الشعب الجمهوري وفي الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015 خاض حزبه الانتخابات بشعارات تُهدِّد بالإطاحة بالحزب الحاكم وانتزاع السلطة منه، إلا أن الانتخابات لم تؤهِّل أي حزب لتشكيل حكومة بشكل منفرد وكانت تلك هي المرة الأولى التي يخفق فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم في أن يشكل حكومة بمفرده منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2002.
بعدها، رفض كليتشدار أوغلو انضمام حزبه إلى حكومة ائتلافية بقيادة أحمد داود أوغلو، وهو ما دفع إلى الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في أول نوفمبر (تشربن الثاني) 2015، وحصل فيها الحزب كالمعتاد على المرتبة الثانية. عقب إخفاق حزبه عن الحصول على نسبة معقولة وجَّه له الصحافيون سؤالاً «هل ستقدم استقالتك؟»، إلا أنه أجاب «أنا مسرور بنتائج الانتخابات ولن أستقيل».

مواقف ثابتة
ورغم معارضة الحكومة والانتقاد المتكرر لسياسات إردوغان يحافظ كليتشدار أوغلو على ثوابت تنبع من مبادئ أتاتورك ويقدم مصلحة تركيا على الخلافات الحزبية. ولذا وقف حزبه منذ البداية في صف رفض محاولة الانقلاب الفاشلة التي هزت تركيا يوم 15 يوليو 2016، كما أيد مواقف الحكومة وفرض حالة الطوارئ. لكنه تمسك بالرجوع للبرلمان، وعاد بعد ذلك ليطالب بضبط حملة التطهير التي أطلقتها الحكومة في ظل حالة الطوارئ، معتبرا أن إردوغان يستخدم محاولة الانقلاب الفاشلة كذريعة للقضاء على الديمقراطية ودولة القانون.
وإبان فترة إعداد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، أبدى حزب الشعب الجمهوري موقفاً صلباً بعدما تحوّل حزب الحركة القومية المعارض إلى صف حزب العدالة والتنمية الحاكم وأيده في حملة تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي. وبعدها، خاض إردوغان خلال فترة حملة الاستفتاء على التعديلات الدستورية معارك مع خصومه في الداخل مُركِّزاً حملته بصفة أساسية على حزب الشعب الجمهوري، مستخدماً في ذلك أسلوب الطعن في كفاءة كليتشدار أوغلو تارة واتهامه بدعم المحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف يوليو 2016 ومنفذيها تارة أخرى. وهذا على الرغم من موقف حزب الشعب الجمهوري الصريح ضدها.
ولاحقاً، شكل حزب الشعب الجمهوري تكتلاً مع حزب الشعوب الديمقراطي (المؤيد للأكراد) إلى جانب مجموعات مدافعة عن حقوق الإنسان وحركات ديمقراطية في حملة للتصويت ضد التعديلات، وهو ما أدى إلى أن تخرج نتيجة استفتاء 16 أبريل (نيسان) 2017 على تعديل الدستور متقاربة بين المعسكرين. إذ صوّت بـ«نعم» 51.4 في المائة مقابل 48.6 في المائة صوتوا بـ«لا». وقاد حزب الشعب الجمهوري حملة رفض نتائج الاستفتاء بسبب التقارب الشديد في الأصوات واعترض، ومعه مراقبون أوروبيون على قرار اللجنة العليا للانتخابات بقبول أوراق تصويت غير مختومة، وهو ما أزال ضمانة مهمة ضد التزوير.
وشهد كليتشدار أوغلو، حملةً من الضغط المكثَّف بعد تصاعد الأصوات داخل الحزب تطالبه بالاستقالة من منصبه إذا لم يكن ينوي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية عام 2019. كذلك أشعل رئيس الحزب السابق بيكال حالة من الغضب بطرحه أسماء لمن يمكنهم قيادة الحملة القادمة للفوز بالانتخابات البرلمانية في 2019، طارحاً اسم الرئيس التركي السابق عبد الله غل - أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم - وميرال إكشنار نائبة رئيس حزب الحركة القومية السابقة التي فُصلت من الحزب بعد قيادة جبهة معارضة ضد رئيس الحزب دولت بهشلي والتي أطلقت لاحقا في 26 أكتوبر (تشرين الأول) حزباً جديداً برئاستها باسم «الحزب الجيد».

من أجل الديمقراطية
لقد قرر حزب الشعب الجمهوري تكريس جهوده بعد الاستفتاء على تعديل الدستور للمطالبة بالديمقراطية وعودة سيادة القانون من خلال الضغط على الرئيس إردوغان، واستغلال الفارق الضئيل بين معسكري «نعم» و«لا» ورفض تحويل الجمهورية التركية عن مسارها ونظامها الذي وضعه مؤسسها «أتاتورك». وأطلق الحزب مسيرة من أنقرة إلى إسطنبول في منتصف يونيو 2017 تحت شعار «العدالة» بعد صدور حكم بسجن النائب عن حزب الشعب الجمهوري أنيس بربرأوغلو لمدة 25 سنة، لإدانته بكشف أسرار دولة وتسليمه صحيفة «جمهوريت» صوراً لنقل أجهزة الاستخبارات التركية أسلحة لمسلحين في سوريا. وحققت المسيرة إقبالاً وتجاوباً شعبياً فاق توقّعات كيلتشدار أوغلو نفسه الذي أقرّ بأنه اتخذ قراره بالسير على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، من دون أن يفكّر في الخطوة التالية ولا ترتيب أمور الرحلة.
في المقابل، فشلت تهديدات إردوغان، الذي اعتبر المشاركين في المسيرة داعمين للإرهاب وللانقلابيين، في دفع المواطنين إلى الامتناع عن المشاركة فيها، إذ بلغت المشاركة في أيام 30 ألفاً. وساهم في المشاركة الشعبية الامتناع عن رفع شعارات حزبية. ولقد اعتبر كليتشدار أوغلو أن العدالة واستقلال القضاء باتا مطلباً لكل الأطياف في تركيا، حتى لدى الحزب الحاكم، بعدما تحوّلت المحاكم إلى «عصا تأديب وعقاب في يد إردوغان».
وكانت المفاجأة الحقيقية ليست فقط في نجاح «غاندي تركيا» في إنهاء مسيرة طويلة مشابهة لحراك «مسيرة الملح» الشهيرة التي نظمها غاندي في الهند عام 1930 ضد الاستعمار البريطاني، بل في ختامها في 9 يوليو، بعد 25 يوماً قطع والمشاركون فيها أكثر من 450 كلم سيراً على الأقدام، بتجمع مليوني. وخلال التجمع قرأ بياناً من 10 نقاط حددها كاستراتيجية لحزبه في المرحلة المقبلة، ودعا الأتراك لتبنّيها والدفاع عنها وكان أهمها إلغاء حالة الطوارئ، ودعم استقلالية القضاء، والإفراج عن الصحافيين المعتقلين، وضمان حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في الجامعات، وعدم الاعتراف بالتعديلات الدستورية التي أُقِرّت في الاستفتاء الأخير بطريقة غير مشروعة وبقاء النظام البرلماني.
وفي هذا السياق، يواصل حزب الشعب الجمهوري ضغطه على إردوغان بملف استقلال القضاء وانتهاك الحقوق والحريات، منتقداً صمت الرئيس عن رجل الأعمال رضا ضراب الذي يُحاكَم في نيويورك، والذي كان قد ادعى تورط الرئيس التركي بغسل أموال لصالح إيران. وردّاً على هجوم من قبل إردوغان اتهمه فيه بأنه يستهدف رجال الأعمال، قال كليتشدار أوغلو: «لا أنا ولا الدائرة القريبة مني أسسنا شركة في جزيرة مان أو مالطة للتهرب من الضرائب في تركيا».

مواقف تجاه المنطقة العربية
على صعيد السياسة الخارجية، أظهر حزب الشعب الجمهوري معارضة قوية لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم التي تدير ظهر تركيا للغرب وتتجه شرقاً. ويعتبر حزب الشعب الجمهوري أن سياسة تركيا الخارجية «عاجزة تماماً في سوريا العراق» و«جرت تركيا إلى مستنقع الشرق الأوسط بعد الربيع العربي»، وهو يرفض تدخلات إردوغان في شؤون الدول الأخرى كما فعل في مصر والعراق وسوريا.
وبالنسبة للأزمة السورية، بالذات، فإن حزب الشعب الجمهوري وعلى الرغم من تأييده لعمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» العسكريتين في شمال سوريا، فإنه يرفض تعاون تركيا مع «الجيش السوري الحر» بزعم أنه يحوي فصائل تتبع تنظيم القاعدة وداعش. وبالعكس، يطالب بالتعامل مع نظام بشار الأسد «إذا كانت تركيا ترغب في حماية حدودها والقضاء على خطر الإرهاب القادم من سوريا». وحقاً، يوصف كليتشدار أوغلو بأنه صديق للنظام السوري بسبب خلفيته الطائفية العلوية الشيعية، وكون حزبه محسوباً، عموماً، على هذه الطائفة، كما تجمعه علاقة قوية بنظامي الحكم في العراق وإيران.
أكثر من هذا، يرى الحزب أن السياسة التركية الخارجية إجمالاً «فاشلة»، وأدت إلى «عزلة تركيا» وانقطاع الصلة مع محيطها ومع بعض الدول المهمة في المنطقة مثل مصر، بسبب تأييد إردوغان لجماعة الإخوان المسلمين. وكان وفد من الحزب قد زار مصر، كما فعل مع العراق، وأعلن أخيراً أنه سيرسل وفداً إلى سوريا.
ختاماً، يرى كثيرون من المراقبين على أن مهمة كيليشدار أوغلو تبدو مستحيلة في المرحلة المقبلة. إذ عليه إبقاء المعارضة موحدة وتجهيزها لمعركة الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية في 2019 بوجه حزب العدالة والتنمية الذي بات يحظى بدعم حزب الحركة القومية اليميني. ولكن يرى البعض أنه مع ذلك نجح إلى حد بعيد في إيصال رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن تركيا ليست عبارة عن حزب واحد أو رجل واحد.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.