القاهرة تحذف اسم سليم الأول من أحد شوارعها

في ظل توتر العلاقات بين البلدين

أحد الشوارع بوسط القاهرة - أرشيف (رويترز)
أحد الشوارع بوسط القاهرة - أرشيف (رويترز)
TT

القاهرة تحذف اسم سليم الأول من أحد شوارعها

أحد الشوارع بوسط القاهرة - أرشيف (رويترز)
أحد الشوارع بوسط القاهرة - أرشيف (رويترز)

قررت محافظة القاهرة حذف اسم السلطان العثماني سليم الأول من أحد شوارع حي الزيتون بالعاصمة المصرية.
وقال عاطف عبد الحميد، محافظ القاهرة، بحسب وسائل إعلام مصرية، إن تغيير اسم الشارع يأتي بناء على ما تقدم به الدكتور محمد صبري الدالي أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، وإنه «لا يصح إطلاق اسم مستعمر» أفقد البلاد استقلاليتها وحولها لمجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية.
وتابع المحافظ أن سليم الأول قتل آلاف المصريين خلال دفاعهم عن البلاد، وأعدم آخر سلطان مملوكي، وهو طومان باي وحل الجيش المصري.
ولم يتم بعد اختيار الاسم الجديد للشارع الواقع بأحد أحياء القاهرة العريقة، ويقول عبد الحميد إنه سيتم إجراء نقاش مجتمعي مع الأهالي والمهتمين والمثقفين والمؤرخين لاختيار الاسم المناسب.

* توتر سياسي

ويأتي تغيير اسم الشارع في وقت يتزايد فيه توتر العلاقات بين القاهرة وأنقرة، على خلفية حقول الغاز والتنقيب عنه في شرق المتوسط.
وحذرت الخارجية المصرية تركيا، أمس (الأربعاء)، من المساس بحقوقها الاقتصادية في منطقة شرق المتوسط بموجب الاتفاقية المبرمة مع قبرص لترسيم الحدود البحرية في عام 2013، وأنها ستتصدى لأي محاولة للمساس بسيادتها في تلك المنطقة.
جاء ذلك ردا على تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي أبدى اعتراضا على الاتفاقية بين مصر وقبرص، وأعلن أن تركيا تخطط لبدء أعمال التنقيب في شرق البحر المتوسط قريبا.
واتهم جاويش أوغلو القبارصة اليونانيين بالقيام «بشكل أحادي بأنشطة للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط».
وشدد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية أحمد أبوزيد، في بيان، على أن اتفاقية 2013 «لا يمكن لأي طرف أن يُنازع في قانونيتها»، مضيفا أنها مُودعة لدى الأمم المتحدة كاتفاقية دولية.
وساهم اكتشاف مصر لحقل ظُهر العملاق للغاز في عام 2015 في تشجيع سباق التنقيب في منطقة شرق البحر المتوسط التي يعتقد أنها تحتوي على مخزون كبير من الغاز الطبيعي المهم لأوروبا المتعطشة للطاقة.
وبدأت مصر بالفعل إنتاج الغاز من حقل ظُهر العملاق الذي اكتشفته شركة إيني الإيطالية، ويحتوي على مخزون يقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعبة.
والعلاقات بين مصر وتركيا متوترة بالفعل منذ إطاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين عام 2013 بعد احتجاجات حاشدة على حكمه.
وبينما كانت أنقرة أحد أبرز داعمي الإخوان بعد وصولهم إلى سدة الحكم في 2012، ولكن بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) من العام التالي والإطاحة بنظام الإخوان، واصلت تركيا استضافة قيادات إخوانية على أرضها وبعضهم متهم أو صدرت بحقهم أحكام من القضاء المصري، مما زاد من توتر العلاقات مع القاهرة.

* مَن هو سليم الأول؟

سليم الأول هو السلطان التاسع للدولة العثمانية بين عامي 1518 و1520، ولقبه الأتراك بـ«القاطع» و«الشجاع»، وعرف في إنجلترا بـ«سليم العابس»، نظرا لتجهم وجهه بشكل دائم بحسب مؤرخين، وفي فرنسا بـ«سليم الرهيب».
بعد استيلائه على سوريا عقب انتصاره على المماليك في موقعة مرج دابق، توجه سليم الأول إلى مصر، حيث واجه المماليك بقيادة طومان باي الذي رفض الاعتراف بالولاية العثمانية على مصر مقابل الصلح، ومن ثم قتل رسل العثمانيين.
دخل سليم الأول القاهرة في يناير (كانون الثاني) 1517 في موكب حافل وتحت رايات الدولة العثمانية، ليباغته طومان باي وجيشه بهجمات عنيفة في منطقة بولاق، وبمعاونة المصريين تم إشعال النار في معسكر السلطان العثماني.
اشتبك الجنود العثمانيون مع المماليك وأطلقوا النار على المصريين وقتلوا أكثر من 50 ألف نسمة من الأهالي، ثم أمر سليم الأول بقتل طومان باي شنقا على باب زويلة، ونصب نفسه واليا على مصر.



علي خليفة يروي بريشته حكايات من غزَّة مسقط رأس والدته

علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)
علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)
TT

علي خليفة يروي بريشته حكايات من غزَّة مسقط رأس والدته

علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)
علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)

تأثَّر الفنان التشكيلي الشاب علي خليفة بالقصص التي كانت ترويها له والدته عن غزَّة، مسقط رأسها. فتشكَّلت في خياله حكايات استوحى منها لوحاته، مستعيناً بمجموعة من الصور الفوتوغرافية لغزَّة قبل الحرب وبعدها.

يقدّم خليفة أعماله في معرضه «سيعودون... الأرض تتذكَّر» في غاليري «أرت ديستريكت» في الجميزة. وفي منشور يتوسَّط المعرض بعنوان «الأرض تحمل ما شهدته»، يطَّلع الزائر على الرؤية التي انطلق منها الفنان، إذ يقول: «الأرض ليست ثابتة أبداً، إنها تتشكَّل باستمرار وتضطرب ويُعاد رسمها انطلاقاً من مفهوم التقليب الحيوي للتربة». ومن خلال هذه الصورة، يتأمَّل خليفة مشاهد غزَّة التي أعاد تشكيلها النزوح والدمار، وكذلك البقاء وتبدُّل الحدود.

يلوِّن لوحاته أحياناً بالزهري والبنفسجي متفائلاً بعودة السلام (أرت ديستريكت)

ويقول خليفة لـ«الشرق الأوسط»: «لم أنقل الصور التي شاهدتها كما هي، بل استوحيت منها، ورويت قصصاً مختلفة عن غزَّة ومناطقها. فكل لوحة أنفِّذها أدرسها بإتقان، وأستخدم فيها خلفية وتقنية مختلفتين». ويوضح: «من بينها استعمال ورق الصفر مع ألوان مائية، فيما لجأت في أعمال أخرى إلى الفحم السائل وما يشبه بودرة الرخام. لماذا الفحم؟ لأنني وجدته مناسباً للموضوع الذي أتناوله. وشكَّلته بطبقات ذات ألوان تتراوح بين الأحمر والأسود والأزرق، فكنت أوفِّق بين تدرُّجاته وأفكار لوحاتي».

من حيّ التفاح شرق غزَّة، تنطلق حكايات خليفة وصولاً إلى شرق خان يونس. ومن خلال عناوين لوحاته، مثل «أمامنا الشيء نفسه»، و«سيعودون... الأرض تتذكَّر»، و«الشمس نفسها»، و«الشرق في كل مكان»، يستطيع زائر المعرض تكوين فكرة عن مضمون كل عمل. وهكذا يتنقَّل بين أحياء غزَّة ومعالمها، فيحطُّ تارةً في حيّ الرمال وبرج فلسطين، وتارةً أخرى في تلّ الزعتر وبيت حانون ودير البلح.

وفي لوحاته الصغيرة الحجم، يستكشف خليفة حكايات والدته عن النكبة ونزوح عائلتها من فلسطين. ويقول: «كنت أحبُّ الاستماع إليها وهي تروي لي قصصاً من تاريخ بلد وُلدت وتربَّت فيه إلى حين مغادرته، وكيف واجهت مع أهلها صعوبات جمَّة، جسدية ومعنوية، وفي تفاصيل الحياة اليومية. لقد تأثَّرت كثيراً بهذه القصص، ما حفَّزني على إقامة هذا المعرض الذي أنجزت لوحاته خلال الحرب الأخيرة في لبنان».

ويلمس الناظر إلى أعمال خليفة احتدام أفكار متداخلة تنبع من مشاعر عميقة. ففي لوحة «وردة في غير أوانها»، يحضر الأحمر والبرتقالي، وتتخلَّلهما بقع سوداء متناثرة، بما يوحي بمواجهة غير ملموسة بين الأرض وزهورها من جهة، والحرب وآثارها من جهة أخرى.

يستخدم خليفة تقنيات مختلفة في تنفيذ لوحاته (أرت ديستريكت)

أما في لوحة «سقوط الوادي»، التي يغلب عليها الأسود والأبيض وتتخلَّلها مساحات حمراء، فيظهر مكان صاغته الحياة ذات يوم قبل أن يجتاحه الدمار. وفي «الدقيقة التي تجاوزت ما حدث»، يغوص خليفة في أعماق لحظات تتأرجح بين الموت والحياة. ففي اعتداء حربي واحد على مأوى، أُزهقت أرواح كانت، قبل ثوانٍ قليلة، تنبض بالحياة.

وفي لوحة «عرفت الطيور قبلنا»، يعبر طائر وحيد الأفق تحت دخان متصاعد، وسط نار برتقالية تظهر آثار اشتعالها على الأشجار. ويعلِّق خليفة: «في هذه اللوحة، أنقل مشاعر انتابتني وأنا أتأمَّل صورة لمنطقة جباليا شمال شرقي غزَّة. وقد استخدمت ألواناً زيتية على ورق قطني مُحضَّر بطبقة من مادة الجيسو الشفّاف، لأمنح العمل بُعداً رؤيوياً. فتبدو الطبيعة وكأنها استشعرت الخطر قبل حدوثه، فيما أبقيت في قسم من اللوحة على الأرض كما كانت قبل الانهيار».

يروي خليفة قصصاً ترجمها بريشته عن غزّة (أرت ديستريكت)

ويستعير خليفة من عناصر الطبيعة الأساسية، مثل الشمس، صوراً تحمل إشارات إلى انعطافات سياسية وأخلاقية. ففي لوحة «حين اتجهت الشمس غرباً»، تبدو الشمس محمّلة بدلالات تدعو إلى التأمُّل في خيارات العالم السياسية والأخلاقية ومصائرها المجهولة.

وبين لوحات تجعل السماء شاهدة على الانفجارات، وصباح شديد السواد يشيِّع فجراً لم يولد، وظلام يحلّ في الظهيرة بفعل الحرب، يذهب خليفة بموضوعاته إلى خارج المألوف، ويترجم مشاعره في أعمال تشبه القصائد، تصبح فيها لحظة السلام أملاً يولد بعد الفرار من العنف والنار.

ويقول: «من أحاديث أمي ومن محتوى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وُلدت أفكاري. وهي تتأرجح بين معانٍ غارقة في السواد وأخرى مشبعة بالأمل. لذلك، ترين بعض لوحاتي تسودها الألوان الزهرية والأرجوانية والخزامية. وأشير من خلالها إلى أنه مهما حملت الأيام من قسوة ودمار، فلا بدَّ أن يأتي الفرج والرجاء».


مصر: غموض يحيط بحفلات مهرجان الموسيقى العربية

يحيي علي الحجار حفلين بالقاهرة والإسكندرية في المهرجان (حسابه على «فيسبوك»)
يحيي علي الحجار حفلين بالقاهرة والإسكندرية في المهرجان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

مصر: غموض يحيط بحفلات مهرجان الموسيقى العربية

يحيي علي الحجار حفلين بالقاهرة والإسكندرية في المهرجان (حسابه على «فيسبوك»)
يحيي علي الحجار حفلين بالقاهرة والإسكندرية في المهرجان (حسابه على «فيسبوك»)

تسود حالة من الغموض حفلات مهرجان الموسيقى العربية في مصر، المقرر إقامته خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مع عدم الإعلان عن الجدول النهائي لحفلات المهرجان وأسماء الفنانين المشاركين في الحفلات بعد إعادة برمجتها.

وكانت إدارة المهرجان قد أعلنت في وقت سابق من الشهر الماضي جدولاً للحفلات بمشاركة عربية محدودة قبل اعتذار عدد من الفنانين عن الاشتراك مثل محمد ثروت ومروة ناجي وعاصي الحلاني لأسباب مختلفة.

لكن إدارة المهرجان عملت على إعادة برمجة الحفلات والاتفاق مع بعض الفنانين الذين اعتذروا في وقت سابق على غرار علي الحجار الذي يتواصل وجوده في المهرجان، وسيقوم بإحياء حفلين، أحدهما في القاهرة والآخر في الإسكندرية، ضمن فعاليات المهرجان.

وعادة ما كان يتم الإعلان عن الحفلات بشكلها النهائي، ومن دون تعديلات في النصف الثاني من سبتمبر (أيلول)، مع فتح باب حجز التذاكر في الأسبوع الأول من أكتوبر، لكن مشكلة الاعتذارات التي أعقبت المؤتمر الصحافي عطلت المسار المعتاد للمهرجان.

وقال مدير المهرجان محمد الموجي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجدول النهائي سيعلن خلال ساعات بعد الانتهاء من جميع الترتيبات الخاصة بالحفلات للفنانين المشاركين، ويتضمن مشاركة فنانين مصريين وعرب لم تكن أسماؤهم موجودة من قبل»، لافتاً إلى أن طرح تذاكر الحجز للحفلات سيكون عقب الإعلان عن جدول الحفلات كاملاً.

وأوضح أن من بين الفنانين الذين يحيون الحفلات بالقاهرة والإسكندرية علي الحجار وخالد سليم، وكلاهما سيكون له حفلان بالفعاليات، مشيراً إلى أن البروفات الخاصة بالفنانين ستكون بشكلها المعتاد وبصورة تضمن خروج الحفلات بشكل يليق بالمهرجان والنجوم المشاركين فيه.

يشارك مدحت صالح في المهرجان بحفلين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب إدارة المهرجان، فقد تأكدت مشاركة مدحت صالح، ومحمد الحلو، وعلي الحجار، وغادة رجب، وخالد سليم، ونادية مصطفى، والأخيرة ستشارك في حفل الافتتاح الذي يحمل اسم هاني شاكر، بينما ستشارك نداء شرارة من الأردن وفؤاد زبادي من المغرب.

وأكد الناقد الموسيقي أمجد مصطفى، أن المهرجان يشهد وجود عدد كبير من الفنانين بالحفلات بشكل يومي يقدم نجومها أغنيات مختلفة مما يستلزم وقتاً للفرق الموسيقية للتدريب وإجراء البروفات اللازمة قبل كل حفل لضمان خروجه بالشكل المناسب، مستغرباً استمرار التأخير حتى الآن في تحديد جدول الحفلات بشكل دقيق مع تبقي نحو أسبوع فقط على حفل الافتتاح.

وأضاف مصطفى لـ«الشرق الأوسط»، أن «السنوات الماضية كان الجدول وحجز التذاكر يتاحان قبل المهرجان بنحو شهر من أجل التسويق والترويج للحفلات بشكل جيد، لكن هذا العام وبسبب ضيق الوقت أصبح الفارق الزمني بين الإعلان عن الجدول وموعد الحفلات عدة أيام فقط».

الملصق الترويجي للمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

وعبّر مصطفى عن أمله في تجاوز الصعوبات التي حدثت خلال ترتيب فعاليات الحفلات بالمهرجان باعتباره المهرجان الموسيقي الأقدم والأهم وفي ظل الحرص على دعم إقامته وتنظيمه بأفضل صورة ممكنة.

وكانت وسائل إعلام محلية قد نشرت اعتذارات بعض الفنانين بسبب عدم مناسبة المواعيد المقترحة لهم بالحفلات مع ارتباطاتهم الأخرى، من بينهم إيهاب توفيق ومصطفى قمر.

ويشهد المهرجان تكريم 9 شخصيات أسهمت في إثراء الحياة الفنية في مصر والعالم العربي. ويشمل التكريم أسماء هاني شاكر، والشاعر رضا أمين، والموسيقار مختار السيد، إلى جانب الفنانين طارق فؤاد ووليد حيدر، وعازف الكمان الدكتور سمير رشاد، والفنان محمد فودة، والمؤلف الموسيقي محمد هلال، والناقدة الموسيقية الدكتورة إيناس جلال الدين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«أصيلة»... الفنون التشكيلية ترسم هوية المدينة وتستقطب تجارب عالمية

الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)
الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)
TT

«أصيلة»... الفنون التشكيلية ترسم هوية المدينة وتستقطب تجارب عالمية

الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)
الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)

في مدينة أصيلة المغربية، على ساحل المحيط الأطلسي، التي جعلت من الفنون البصرية هوية لها، لا تنتهي اللوحة عند حدود القماًش، ولا تقتصر التجربة التشكيلية على قاعات العرض؛ إذ تفيض ألوان الفن التشكيلي في الأزقة، والساحات، وتتحول جدران البيوت إلى فضاءات للفن، فيما يجد الفنانون القادمون من ثقافات مختلفة فرصة للحوار، والتجريب، واكتشاف أساليب جديدة للتعبير.

في أزقتها وساحاتها تفيض ألوان الفن التشكيلي (الشرق الأوسط)

ومنذ انطلاق موسم أصيلة الثقافي الدولي عام 1978، ارتبط اسم المدينة بالفنون التشكيلية، والبصرية، وأصبحت جدارياتها إحدى السمات التي تميز عمرانها القديم. وعلى امتداد ما يقارب نصف قرن، أسهم هذا المشروع في تغيير علاقة السكان بالفن، وفتح أمام الفنانين من مختلف الأعمار فرصاً لممارسة الرسم، والاحتكاك بفنانين من المغرب، والعالم.

وفي الموسم السابع والأربعين تتجدد هذه التجربة بمشاركة فنانين يحملون رؤى وأساليب مختلفة، وتجمعهم مدينة تحولت من مكان لعرض الأعمال إلى فضاء للتعلم، والإنتاج، والتبادل الثقافي.

خلال جولة بين ورش الرسم والجداريات التقت «الشرق الأوسط» فنانين من المغرب، وإيطاليا، والسنغال، وتحدثوا عن علاقتهم بأصيلة، وعن أثر المكان في تجاربهم أثناء إنتاج أعمالهم.

المدينة تعلم أبناءها

بالنسبة إلى الفنان المغربي طارق فيطح، ابن أصيلة، لا تمثل الجداريات أعمالاً فنية يراها في شوارع مدينته فحسب، بل تشكل جزءاً من ذاكرته، وتكوينه الفني.

يقول فيطح لـ«الشرق الأوسط» إن أصيلة كانت مدرسة لجيله، وإنه نشأ وهو يشاهد الفنانين يرسمون على جدران المدينة، ويتابع تغير الجداريات، وتجددها مع كل موسم ثقافي.

ويستعيد تلك التجربة قائلاً: «كانت أصيلة بالنسبة إلينا، نحن أبناء المدينة، مدرسة فنية. فمنذ طفولتنا فتحنا أعيننا على الجداريات».

تتحول جدران بيوت أصيلة إلى فضاءات للفن (الشرق الأوسط)

ولا يقتصر أثر الموسم، في رأيه، على ما يقدمه من معارض، وأعمال فنية، بل يمتد إلى فرص التعلم التي يوفرها للفنانين المحليين.

ويضيف: «إن الفرصة التي تتاح لنا كل عام للعمل مع فنانين من مختلف أنحاء العالم كان لها فضل كبير في تكويننا كفنانين».

تكشف شهادة فيطح عن جانب من تجربة أصيلة يتجاوز استضافة الفنانين. فقد أسهمت المدينة في تكوين بعض أبنائها، عبر احتكاكهم المتواصل بالفن منذ الطفولة، ومشاركتهم في الورش التي تجمع أجيالاً وتجارب مختلفة.

وفي هذه التجربة لم تعد الجداريات مجرد وسيلة لتجميل الشوارع، بل أصبحت جزءاً من تعليم بصري مفتوح، يتلقى فيه الأطفال دروسهم الأولى من مشاهدة الفنانين أثناء العمل.

أما الفنان المغربي جلال أوتيكني، المولود في أصيلة، فيعود إلى الرسم بعد انقطاع استمر عشرين عاماً، ليجد في مدينته مصادر الإلهام التي رافقته منذ طفولته.

وحين سألناه عما تمنحه له أصيلة من أفكار، ومشاعر تساعده على الرسم، جاءت إجابته مرتبطة بالبحر، وغروب الشمس.

يقول: «أحب البحر، وغروب الشمس، وأستلهم منهما أعمالي».

في المدينة يجد الفنانون القادمون من ثقافات مختلفة فرصة للحوار والتجريب (الشرق الأوسط)

وتكشف تجربته عن علاقة تجمع بين التجربة البصرية والذاكرة الشخصية. فالبحر الذي يطل على المدينة، وتغير ألوان السماء عند الغروب، يمثلان جزءاً من البيئة التي تشكل وجدان الفنان، وعلاقته بالمكان.

يحمل أوتيكني تجربة فنية وتعليمية خارج المغرب. فقد تنقل بين عدد من البلدان الأوروبية، بينها إيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، وعرض أعماله في إسبانيا، وإيطاليا.

ويشير إلى أنه درس في أكاديمية الفنون الجميلة بمدينة تورينو الإيطالية في مطلع التسعينات.

ومن إيطاليا جاء الفنان داريو غراسو إلى أصيلة للمرة الأولى، حاملاً تجربة فنية تقوم على استخدام خامات مختلفة، بعضها مأخوذ من المواد الطبيعية، واليومية.

لكن ما لفت انتباهه في زيارته الأولى للمغرب لم يكن الفن وحده، بل طبيعة العلاقات الإنسانية التي لمسها في المدينة.

يقول غراسو لـ«الشرق الأوسط»: «هذه زيارتي الأولى إلى أصيلة، وقد أدهشتني الثقافة هنا. إنها مختلفة عما اعتدت عليه، وكان اكتشافها تجربة مؤثرة بالنسبة إليّ».

أصيلة جعلت من الفنون البصرية هوية لها (الشرق الأوسط)

وحين سألناه عن أوجه الاختلاف بين أصيلة وإيطاليا، رغم ما توفره إيطاليا من تاريخ فني وثقافي، قال: «أعتقد أن الاختلاف الأبرز يكمن في الجانب الإنساني. فالناس هنا يتميزون بالدفء، والاهتمام بالآخرين، ويحرصون على متابعة ما تقوم به، ومنحك اهتمامهم».

أما على المستوى الفني، فإن غراسو يقدم تجربة تقوم على تجاوز الاستخدام التقليدي للألوان، والخامات، ويقول: «أعمل عادة بمواد مختلفة، بينها مواد عضوية. أستخدم الفحم، والعجين، والملح، والقهوة الخام، وأمزج هذه العناصر بالألوان، والورنيش، والأكريليك، ومواد الطلاء».

وتكشف هذه التجربة عن اهتمام الفنان بالخصائص المادية للعمل التشكيلي، حيث لا يقتصر اللون على الأصباغ التقليدية، بل يتشكل أيضاً من خامات تختلف في ملمسها، وكثافتها، وطريقة تفاعلها مع السطح.

أما الفنانة التشكيلية القادمة من السنغال، آني سيليستينا، فإنها تقدم في موسم أصيلة لوحات تستلهم فكرة التعدد الثقافي، والتواصل.

تقول سيليستينا إن مشاركتها تتيح لها التعرف إلى تجارب وأساليب فنية متنوعة، وترى أن هذا التفاعل يمثل جانباً من أهمية الموسم.

الفنانة التشكيلية آني سيليستينا (الشرق الأوسط)

وتوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يتناول عملي الفني التعدد الثقافي. ففي أصيلة تلتقي فنانين من بلدان مختلفة، وهذا أمر يثير اهتمامي».

وتضيف: «إن امتزاج الثقافات يتيح لنا التعرف إلى ثقافة الآخر، وإلى تجارب الفنانين الآخرين. إنها فرصة للتبادل، والمشاركة».

وتكشف شهادتها عن البعد الدولي لموسم أصيلة الذي يجمع فنانين لا ينتمون إلى مدرسة واحدة، أو خلفية ثقافية متشابهة.

الجداريات... حين يصبح الشارع معرضاً للفن

في أصيلة تكتسب الجداريات مكانة تتجاوز حضورها الجمالي. فقد ارتبطت بتاريخ الموسم منذ بداياته، وأصبحت إحدى الوسائل التي نقلت الفن من فضاء العرض المغلق إلى الشارع.

وعلى جدران المدينة العتيقة تتجاور الرسوم مع الأبواب، والنوافذ، والممرات، ويصبح العمل الفني جزءاً من العمارة التي تحتضنه.

وقد أسهمت ورش الجداريات في إدخال الفنون البصرية إلى الحياة اليومية، وشارك أطفال المدينة في تنفيذ بعض الأعمال إلى جانب الفنانين، في تجربة هدفت إلى إشراك السكان في العناية بالمكان.

وبعد ما يقارب نصف قرن من انطلاق تجربتها، تقدم أصيلة نموذجاً لعلاقة الثقافة والفن بالمدينة، وإمكانية أن تصبح الممارسة الفنية جزءاً من الحياة الاجتماعية.