رشيد الخيون: كتابي ليس عنصرياً... وسودٌ في عهد العبودية كانوا أسياداً

رشيد الخيون: كتابي ليس عنصرياً... وسودٌ في عهد العبودية كانوا أسياداً

تحدث في حواره مع عن قصة لقاء جدّه مع الملك عبد العزيز
الثلاثاء - 20 جمادى الأولى 1439 هـ - 06 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14315]
لندن: بدر القحطاني
شكلت صعوبة الفصل بين الأشخاص السود والعبيد في المراجع الإنجليزية (إبان عهود العبودية) أحد التحديات التي واجهت الباحث العراقي رشيد الخيون، قبل أن يخرج كتابه «أثر السود في الحضارة الإسلامية»، الذي فاز بجائزة الملك عبد العزيز للكتاب، فهناك من الكتاب من لا يميز بينهم، إذ جرى تداول كلمة «slave» - عبد - بلا تفرقة، وهذا غير صحيح، كما يقول الخيون في هذ الحوار، فهناك من السود من كانوا أسياداً لا عبيداً.

في هذا الحوار معه، عبر البريد الإلكتروني، يتحدث الخيون عن الصعوبات التي واجهته في تأليف الكتاب، وعن سبب اختياره موضوعاً حساساً مثل هذا قد ينتج عنه سوء فهم وردود أفعال سلبية واتهامات، بالإضافة إلى صعوبته بسبب اختلاط الروايات، لدى الكُتاب والمؤرخين. ويسرد الخيون أيضاً قصة لقاء جده مع الملك عبد العزيز، ويكشف عن جديده المتمثل في كتاب عن «التطرف والتشدد وضده» بعد إنجاز كتاب «ضد الطائفية»، بالإضافة إلى قضايا بحثية ومعرفية أخرى. وفيما يلي نص الحوار:

> كيف استقبلت نبأ فوزك بجائزة الملك عبد العزيز عن كتابك «أثر السود في الحضارة الإسلامية»؟ هل تعتبرها منعطفاً في مسيرتك البحثية؟

- كلُّ تقديرٍ وتثمينٍ بالتأكيد يُفرح، وعلى وجه الخصوص في الثَّقافة والبحث، فهو مجال يكثر فيه التحاسد وعدم الاعتراف، ربما لطبيعة المجال أو النَّاس، وهذا لم يكن جديداً، فقد قرأت أن شاعراً كُلف بتقديم قصائد الشعراء لهارون الرشيد، وكان أبو نواس بينهم، فلم يجز قصيدة الأخير لبغض بينهما، ولا يذهب بال أحد أنها لم تكن لائقة، مثل الكثير الذي قاله ولم يقله أبو نواس نفسه. ولا أخفي إذا قلت إن هناك أعضاء في بعض الجوائز قد يؤثرون سلباً، وقد افتضح أمر العديد منهم، ولا أقصد جائزة بعينها، لهذا أحسب أن الفوز كان مضاعفاً بفرحته، لأن لا علم لي بترشيح الكتاب إلى الجائزة، فناشر الكتاب قدمه للجائزة بلا علمي، وكان خبر الفوز مفاجئاً لي أيضاً. ذات صباح اتصل بي الصديق الإعلامي تركي الدخيل مهنئاً، وكان قد قرأ الخبر في الصحف، فاعتبرتُ الأمر مزحة منه، لكنه أرسل لي نص قرار دارة الملك عبد العزيز مانحة الجائزة، بفوز الكتاب لعام 2017، في فرع الدراسات التاريخية والإسلامية، وفاز معي بالجائزة نفسها باحثون أجانب لفروع أخرى.

> لماذا اخترت هذا البحث بالذات؟ كيف راودتك فكرة اختيار مثل هذا الموضوع غير المطروق تقريباً من قبل؟

- اختيار الموضوع يعود إلى مكتبة الملك عبد العزيز، وإلى عام 2004 عندما فاتحتني المكتبة بمشروعها، وتأجل العمل به، ثم تواصل معي مشرف المكتبة فيصل المعمر، وتم التأليف. وللكتاب قصة تتعلق بالنظرة النمطية للحضارة الإسلامية تجاه هذه الفئة من البشر، مع ما ظهر بينهم في الحضارة الإسلامية من فقهاء وشعراء وكتاب، وليس هنا أعلى كعباً بين القدماء من الجاحظ، المتوفى السنة 255هـ، فهو ينحدر من أسرة سوداء، وظهر بينهم حاكمون كبار مثل كافور الإخشيدي، المتوفى 357هـ، بمصر والشام، وآل نجاح (في القرن الرابع والخامس الهجريين) بزبيد وصنعاء ومناطق أخرى من اليمن، وقادة كبار وفرسان.

كان الكتاب من الكُتب المحكمة، فبعد إنجازه عُرض على لجنة وفاحصين، فنال الرضا بحثاً وموضوعاً. وبعد نشره جاءت ردود فعل إيجابية وسلبية أيضاً، وأذكر السلبية منها وتتعلق بعنوان الكتاب، وذلك بسبب الوهم عن «السواد»، على أنه مرتبط بالعبودية والعنصرية، من دون علم أن العبودية طبقت على البيضان والسودان على حد سواء، وطبقها اليهود العبرانيون على العبرانيين أنفسهم، وطبقها اليونان على اليونانيين وهكذا. أما استعباد السود فيبدو أنه جاء متأخراً على استعباد البيض من قِبل البيض. وأؤكد هنا أن أسياداً سوداً مارسوا استرقاق السود أنفسهم، وأن كتباً كثيرة صنفها الأقدمون دفاعاً عن أصحاب البشرة السوداء، وكان أولها رسالة الجاحظ «فضل السودان على البيضان»، وكتاب ابن الجوزي «الغبش في فضل السودان والحبش»، ثم ما كتبه جلال الدين السيوطي وغيرهم. ورد في الكتاب باب خاص بالعبودية عبر التاريخ البشري، وتفاصيل إلغاء تجارة الرقيق وإغلاق أسواقها، وإلغاء الرق بالكامل بالدول الغربية والعربية، ثم عن ثورات السودان في تاريخ الإسلام، وما يتعلق بالعتق، الذي عده عبد الرحمن الكواكبي إلغاءً تدريجياً، وهو يكتب عن مؤتمر زنجبار، في نهاية القرن التاسع عشر، ناقداً السلطات العثمانية بعدم تطبيق إلغاء العبودية بالحجاز، وبعد ذلك يأتي الباب الثاني المتعلق بتراجم الشخصيات من رجال ونساء، مشهورين ومغمورين، من شعراء وفنانين وفقهاء وقادة، وفصل الشعراء كان الأكبر بينها.

> هل تعتبر نفسك جريئاً بنشر الكتاب... هل ترددت أو خشيت من اتهامات مثل «العنصرية» قد توجه إليك؟

- أحسبُ الجرأة للناشر، مكتبة الملك عبد العزيز، بتقديم مثل هذا الموضوع، وكنت متوقعاً مثل هذه التهمة، لكن مَن يقرأ الكتاب يتبدد الوهم عنده تماماً، فبعد أن اتخذ العباسيون اللون الأسود شعاراً وراية ولباساً رسمياً، ورواية قدوم أصحاب الرايات السود مشهورة في التاريخ، فهو كان لون السيادة، وجاء مدح السواد كثيراً في التراث العربي الإسلامي، فمَن اعتبر العنوان عنصرياً عليه قراءة تفنيد أسطورة سبب سواد حام بن سام، ومن قِبل الأقدمين، فعلينا اعتبار السواد كالبياض، مثلما لا نهار بلا ليل وبالعكس، فالبشر اختلفوا بألوانهم حسب بيئاتهم التي عاشوا فيها على مدى آلاف السنين، فهؤلاء الصفر وأولئك السود، وغيرهم الشقر وهكذا، وسواد أهل السند غير سواد أهل غانا، وهكذا لا يعني اللون تمييزاً عنصرياً، عند العقول غير العنصرية.

> ما الجزء الأصعب الذي واجهك أثناء البحث؟

- ليس هناك فصل محدد، وإن كان البحث في تاريخ العبودية هو الأصعب، لكن الأكثر صعوبة هو اختلاط الروايات لدى الكُتاب والمؤرخين، ممن جعل اللون وفقاً للاسم، أو المكان أو العمل، وهنا عليك التدقيق هل كان الشاعر أو الفقيه الفلاني أسودَ، كي يتضمنه الكتاب، لأن لقبه الأفريقي مثلاً، ومعلوم أن الأفارقة بشتى الألوان، فسُكان شمالها غير سكان جنوبها وغربها. كذلك الصعوبة بالفصل بين الأسود والعبد (في عهود العبودية)، في المصطلح الأجنبي بالذات، فمَن كتب بالإنجليزية لم يميز بينهما، الكل اعتبره «slave»، وهذا غير صحيح، فهناك من السود من كانوا أسياداً لا عبيداً. على أي حال أزعم أن الكتاب يساهم بإنصاف هذه الفئة من البشر، التي على الرغم من سقوط العبودية أو الرق ظل اللَّون يطاردهم، بمعنى أن الرقيق الأبيض عندما يُعتق ينتهي الأمر، لكن الرقيق الأسود يظل يُميز ضمن الأعراف والتقاليد الاجتماعية المتأثرة بالقبلية أو العشائرية بحجة اللَّون.

ليس في منطقتنا فقط، بل إن إلغاء الرق بأميركا تحقق عام 1863 بينما العنصرية ضد السود استمرت مائة عام. كانت الحكومات التي قَدمت على إلغاء الرق تعاني من صعوبات جمة، في مقدمتها نفوذ مُلاك الرقيق، بل الرقيق أنفسهم، لأن الحرية غير المكفولة بالمعاش تأتي بالكارثة والضياع عليهم، لهذا ما حصل بالمملكة العربية السعودية 1962 أن عُوض أصحاب الرقيق، وفتحت دورات لتدريب الرقيق كي يعيشوا بعد تحريرهم، وهناك مواجهة أخرى ليست سهلة أيضاً، وهي مع رجال الدين، في أكثر من بلد، لأن الرق مشروع في الدين، فيأتي التحرير أو إلغاء العبودية تجاوزاً على الشرع، مع أن الدنيا تتبدل وتتبدل معها الأحكام، فقيل: «تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان»، وتتبدل الفتوى بتبدل الزمان، هذا ما قرأته في كتاب ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة 751هـ «إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين»، أما الدول التي كانت تحت الاحتلال البريطاني أو الفرنسي فألغيت فيها العبودية تبعاً لإلغائها بالدول المحتلة، فقد ألغت بريطانيا الرق عام 1833، واتخذت قراراً ألا تُقيم علاقات مع أي دولة يمارس الرِّق على أرضها.

> كيف كانت ردود الفعل تجاه الكتاب، وهل هناك نية لترجمته للإنجليزية؟

- العمل جار لترجمته إلى الإنجليزية وكذلك إلى الفرنسية، ومِن قِبل الناشر، مكتبة الملك عبد العزيز بالرياض، لكن ما زالت الصعوبة في الحصول على مترجم لغته الأُم إنجليزية أو فرنسية ومتمكن من قراءة التراث، كفكر وفقه وأدب، والكتاب جمع الأنواع الثلاثة.

> ما العناوين الأخرى التي نافست العنوان الأخير لكتاب «أثر السود في الحضارة الإسلامية»؟

- إذا كنت تقصد كتبي، فلا أميز بين كتاب وآخر، وليس بينها تنافس، فكل كتاب له موضوعه أو مناسبته، فـ«الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها» (ثلاثة أجزاء) اختص بتاريخ وحاضر ديانات ومذاهب العراق الحيَّة، وجاء بإلحاح من خشية انقراض التعدد الديني بالعراق نتيجة الهجرة، التي بدأت كبيرة بعد حرب الكويت واشتدت في الحصار ثم ما بعد 2003، وصنفت كتاب «بعد إذن الفقيه» بدافع إلغاء قانون الأحوال الشخصية بالعراق، وزواج الصغيرات، اللاتي سميت الفصل الخاص بهنَّ «عرائس الموت»، وقد اقتبسته من عنوان ورد في الصحافة اليمنية، أما ما كتبته عن الاعتزال (كتابان) «إخوان الصفا» و«جدل التنزيل» فيتعلق بتخصصي الدقيق، وهو علم الكلام، ويأتي المعتزلة بالمقدمة.

> لماذا منع كتاب «عمائم سود بقصر آل سعود: انطباعات شخصية من نجد والحجاز» ثم أجيز مرة أخرى. وما سر تغيير العنوان؟

- كانت الرحلة الأولى إلى المملكة العربية السعودية 2010، واكتشفت أن العراق حاضر هناك، لإلمام النجديين والحجازيين بشأن تاريخه وفنه، وكذلك البيئة، ووجدتُ هناك البلبل العراقي الشهير. أما العنوان فيتعلق بمشهد رؤية فقهاء شيعة يعتمرون العمائم السود أثناء استقبالنا في القصر الملكي. نعم مُنع الكتاب في معرض الرياض، ربما لعنوانه اللافت... لا أدري، بينما كان الكتاب عبارة عن وصف الأماكن والمناسبات، وإنصاف للثقافة وللمثقفين السعوديين، فمن يجهل هذه البلاد تأخذه النظرة النمطية، ومؤثرات الماضي البعيد، ولا يريد الشعور بتبدل الدنيا. حينها فوجئت بصورة الأكاديمي العراقي محمد مهدي المخزومي على بوابة قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود بالرياض، وآثار بقية الأكاديميين من علي جواد الطاهر ونوري جعفر وباقر سماكة وغيرهم موجود في الأذهان والأوراق. إن أول مَن التفت إلى سِفر جواد علي «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» هو المؤرخ السعودي حمد الجاسر، كان ذلك في مجلة الرسالة المصرية عام 1951. كذلك تفاجأت في السعودية بكثرة محبي المطربين حضيري أبو عزيز وزهور حسين وناظم الغزالي، وكثرة المعجبين بعلي الوردي، ورأيت صرح محاكم الرياض وسط سوق شعبية، وهي سوق «العطايف»، من تصميم المعمار محمد مكية، ولما سألته أصر على أن يكون البناء في هذا المكان، فالعدل يهم الناس مثلما السوق تهمهم.

> كيف تجيب عن قسم من الآراء التي تتهم كل من يكتب عن الملكيات بالمجاملة في أقل تقدير؟

- ليست المسألة من يكتب عن الملكيات أو الجمهوريات، المهم المعرفة، فالمرء مثلما يُقال عدو ما يجهل، وهناك نظرة نمطية عن «رجعية» الأنظمة الملكية و«تقدمية» الأنظمة الجمهورية، بينما هناك عناصر كثيرة في الملكيات أكثر تقدمية مما في الجمهوريات، ناهيك بالاستقرار، وتطور أسلوب الحكم. ما بتُ أهتم بآراء المعاندين التعميميين أصحاب الأفكار الخشبية، فمن يريد أن ينكر إنجازات نظامنا الملكي في العراق قبل 1958، ويشيطنه، مثلما فعلت إذاعة «صوت العرب» الناصرية، فهذا لا يرى أبعد من أرنبة أنفه. يبقى لكل نظام إيجابه وسلبه، لكن الانقلابات وحكم العسكر في أكثر من دولة جعلنا نراجع ما كنا نعتبره أخشابا مسندة.

> هل تعتبر نفسك ملتزماً بمشروع الحوار المذهبي، وهل تعتقد أنه سيأتي يوم ما ونرى هذا الحوار؟

- لستُ معنياً به، ومسألة التقريب بين المذاهب، في الفقه، لا تحتاج إلى تخلي هذا المذهب أو ذاك عن ثوابته، إنما ما يعنيني هو التعايش مع الاعتراف بالاختلاف، أي التأكيد على المواطنة، الذي يريد الإسلام السياسي تمزيقها. أجد أن القوانين التي تكفل حق المواطنة هي التي تصنع استقرار ورخاء الأوطان.

> ما قصة جدك مع الملك سعود بن عبد العزيز في الصورة الشهيرة؟

- كان جدي زعيم عشيرة كبرى بجنوب العراق - الأهوار، بنو أسد، ووزيراً في أول وزارة في الدولة العراقية (1920)، وفي عام 1952 ذهب إلى السعودية حاجاً، فاستقبل رسمياً من قِبل ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبد العزيز، ودعي إلى غسل الكعبة المشرفة معه، وكانت هناك صلات متبادلة له مع الملك عبد العزيز، ذكرتها في كتاب «عمائم سعود» لإثبات أن الطائفية ليست قدر المنطقة.
المملكة المتحدة Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة