عابرات المحيطات في معرض لندني... أناقة وثراء وسياسة

متحف «فيكتوريا آند ألبرت» يعرض 250 قطعة تستعرض تاريخ عصر ازدهارها

لوحة  للرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر من سلسلة لوحات نفذها عام 1941 كانت على متن الباخرة  («الشرق الأوسط»)
لوحة للرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر من سلسلة لوحات نفذها عام 1941 كانت على متن الباخرة («الشرق الأوسط»)
TT

عابرات المحيطات في معرض لندني... أناقة وثراء وسياسة

لوحة  للرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر من سلسلة لوحات نفذها عام 1941 كانت على متن الباخرة  («الشرق الأوسط»)
لوحة للرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر من سلسلة لوحات نفذها عام 1941 كانت على متن الباخرة («الشرق الأوسط»)

بمجرد أن تدخل أولى قاعات معرض «عابرات المحيطات: السرعة والأناقة»، بمتحف فيكتوريا آند ألبرت، تحس أنك تركت العالم خلفك، فأنت هنا في عالم المحيطات والبواخر العملاقة وركابها، والزمن ليس الآن، بل قبل قرن أو أكثر قليلاً. يستقبلنا مجسم عملاق لإحدى تلك البواخر ذائعة الصيت، وإلى جانب حائط بأكمله مغطى بإعلانات عن الرحلات الفارهة على متن السفن عابرة المحيطات. وتكفي تلك الملصقات لتثير حنيناً لماضٍ ربما لم نعشه، ولكن حتماً رأيناه في الأفلام، وقرأنا عنه كثيراً. كل قطعة في المعرض تحمل وراءها قصصاً تدور حول مشاهير في عصرهم وأثرياء ونبلاء، هم أبناء الطبقة المخملية الذين كانوا يمخرون عباب المحيطات، مستمتعين بفخامة البواخر العملاقة وبالثراء الداخلي للبناء والديكور والترفيه، وغير ذلك.
ولكن لننتظر قليلاً، فالمعرض في بدايته.. نمر للقاعة التالية عبر جسر خشبي صغير تتهادى تحته الأضواء وكأنها الأمواج تحملنا إلى داخل كل تلك السفن العملاقة من خلال قطع أثاث كانت على متنها، أو من أجزاء من محركات، أو من خلال بعض أطقم الطعام والملابس، بل ومقاعد وأسرة. وفي الخلفية أصوات لصافرات البواخر وجلبة الموانئ لتكتمل تجربة الزائر.
- السياسة والأناقة
الجناح الأول الذي يحمل عنوان «السياسة والأناقة» ينطلق من منظور عام للرحلات العابرة للمحيطات على متن تلك السفن العملاقة، فهناك أسباب سياسية واقتصادية لرواج تلك السفن، التي كانت تعتبر رموزاً للدول وهيمنتها في القرن الـ19، حيث تأججت المنافسات بين الدول الكبرى لتكتسب البواخر العابرة للمحيطات أهمية خاصة في فترات الحروب، وأصبحت وسيلة نقل فعالة في إدارة شؤون الإمبراطوريات ولنقل القوات العسكرية. وتحملت السفن العملاقة أيضاً نصيبها من ويلات الحروب، فخلال الحرب العالمية الأولى، تعرضت سفينة لاسيتانيا للقصف من قبل الألمان، وهو ما تسبب في غرق كامل طاقمها وركابها؛ 1198 شخصاً. ولكن الناقلات العملاقة كان لها دور في نقل القوات بسرعة وأمن خلال الحرب العالمية الثانية، وعرفت سفينة «كوين ماري» باسم «الشبح الرمادي»، نظراً لطلائها باللون الرمادي للتمويه حتى لا تصبح هدفاً لنيران الأعداء. ونعرف من خلال المعرض أن «كوين ماري» نقلت 765 ألف جندي في تلك الفترة، وتم تحويل المقصورات في السفينة لتستوعب أكبر عدد ممكن، فالكابينة التي أعدت لسفر راكبين تحولت لتسع 20 جندياً. وفي ضوء هذا، يمكننا فهم أسباب تحمل ميزانيات الدول الكبرى لتكاليف تصنيع تلك البواخر العملاقة.
وفي أوقات السلم، كانت الرحلات الفارهة بين دول أوروبا من أهم الأنشطة الترفيهية والثقافية لأفراد الطبقات الراقية في ذلك الوقت. ولإرضاء أذواق عملائها، تنافست شركات الملاحة في تحويل السفن لفنادق فاخرة عائمة، وظهر ذلك في الاهتمام بالمعمار والمفروشات، وأيضاً استخدام الفن التشكيلي لإضافة اللمسات الجميلة والمميزة على كل ركن منها. وبدأ الاهتمام بالديكورات الداخلية للسفن منذ عام 1880، ولجأ المصممون لإضفاء لمسات تاريخية على الديكور والمفروشات، بينما سيطرت الأساليب الفنية الحديثة، مثل فن «آرت ديكو» على خط المستعمرات، حيث يسافر الأثرياء والأرستقراطيون، وتميزت تلك الرحلات بالفخامة والأناقة.
وفي هذه القاعة، نرى أمثلة على بعض المفروشات: هنا نرى جداريات مختلفة استخدمت لتبطين جدران غرف التدخين على متن السفن، منها جانب من حائط داخلي يعود لحجرة التدخين في السفينة الفرنسية نورماندي. وحسب تقاليد ذلك الزمان، فقد كان الرجال يجلسون فيها بعد وجبة العشاء، بينما تنشغل النساء بشرب القهوة في غرفة منفصلة. والرسومات على اللوحة الجدارية زينت بخيال فنان الآرت ديكو الشهير جان دونان، إلى جانب لوحة من روائع ما أنتج الرسام الإنجليزي ستانلي سبنسر من سلسلة لوحات نفذها في عام 1941.
- نظام اجتماعي صارم
ونرى اختلافاً بين ألواح الخشب التي استخدمت لغرف التدخين للدرجة الثانية على متن سفينة فرنسية، وجداريات من الخزف الملون والألواح المعدنية المنقوشة التي تستخدم في قاعات الدرجة الأولى. هنا، تطل الفروق الاجتماعية بين الركاب على السفن، وتأثير ذلك يتضح مع كل جانب في هذا المعرض الضخم.
وصورت مأساة السفينة «تيتانيك»، وأسباب غرق كثير من ركابها بسبب عدم توفير قوارب نجاة كافية لركاب الدرجة الثانية، أشكالاً من التمييز الطبقي والاجتماعي؛ ما بين غرف كبار القوم الفارهة والمطاعم وغرف التدخين المجهزة بالمفروشات الفاخرة وغرف لنوم الركاب الأقل ثراء، وما يتبعها من أماكن للأكل وغيرها. والفصل لم يكن فقط بين ركاب الدرجة الأولى وركاب الدرجة الدنيا، بل كان هناك فصل صارم بين الركاب وطاقم العمل على السفينة. ونرى تصويراً بديعاً لذلك في مجسم لسفينة يعرض بدقة رسومات للغرف على السفينة، ما بين الغرف الفاخرة والمطاعم والشرفات المطلة على المحيط، وما بين سكان الدرجات الأقل، وهم أقرب للقاع، و أيضاً نرى غرف المحركات المزدحمة الخانقة والعمال فيها.
- عروض أزياء على الدرج الفاخر
غني عن الذكر أن السفن العابرة للمحيطات اهتمت بكل ما يحتاجه الراكب المرفه، وسرعان ما بدأ المهندسون في إضافة المزيد من الجوانب التي ترضي ذائقة الركاب، فنجد التوسع في مساحات سطح السفينة، مع إضافة حمامات للسباحة وأماكن للاسترخاء على الكراسي الخشبية الطويلة. ومن الممتع هنا دخول القاعة التي تجسد ذلك التطور. وبداية، الخلفية الصوتية تضيف لأصوات نورس البحر وأصوات الركاب أغاني وموسيقى تصاحب ركاب السفن وترافقنا. وقد تحول جانب من الحائط لمشهد فيديو لمياه المحيط، ونرى أمامنا تمثال لرجل أنيق يرتدي ملابس «سبور»: بدلة خفيفة وقبعة للشمس، وخلفه كرسي خشبي طويل؛ الوحيد المتبقي من كراسي «تيتانيك». نحن الآن على سطح السفينة، حيث يستمتع الركاب بأمواج المحيط وبالنسيم. وهنا أيضاً نرى سيدات بلباس السباحة؛ إحداهن مسترخية للتمتع بالشمس، وأخرى تستمتع بالماء في حمام السباحة. ويجب القول هنا إن المشهد كله تم تجسيده ببراعة من خلال مجسم لحمام سباحة تميزت به الباخرة «إس إس يونايتد ستيتس»، تم صنعه خصيصاً للمعرض. ولا تكتمل صورة السفينة حتى نرى عرضاً مبهراً بالفيديو للسلالم الرئيسية في السفينة، التي كانت نساء الطبقات الراقية يستمتعن فيها بالتمختر وعرض أزيائهن على باقي الركاب، خصوصاً وقت وجبة العشاء التي كانت تتحول لحفل ساهر يرتدي فيه الركاب أحدث الصيحات. وبهذا تحول النزول عبر السلالم الرئيسية إلى طقس هام في الرحلات الفارهة، ولا عجب أن تتحول تلك السلالم إلى منصات لعروض الأزياء الفعلية، حيث اتجهت بعض بيوت الأزياء لتنظيم عروضها على الماء. وفي هذه القاعة، نرى فيلماً يعرض على أكثر من شاشة لعروض أزياء أقيمت على متن السفن العابرة للمحيطات.
- جواهر وملابس وحقائب سفر
ويتضمن المعرض 250 قطعة من مجموعة متحف «فيكتوريا آند ألبرت» ومتحف «بيبودي إسيسكس» في مدينة سالم، بولاية ماساتشوستس الأميركية، يتصدرها جزء من حائط خشبي مزخرف تم إنقاذه من مقصورة درجة أولى بالسفينة «تيتانيك». وبعض تلك القطع لم يعرض من قبل في أوروبا، وحتى قطعة الحائط الخشبي من «تيتانيك» تعود لبريطانيا للمرة الأولى، إذ انتهى بها المطاف بعد غرق السفينة لتقبع في متحف كندي. والمعروضات المختلفة ترسم للزائر ملامح حياة اندثرت، تبقى منها مظاهر الثراء والطبقية، مثل تاج من الألماس من صنع الصائغ الشهير «كارتييه»، وكان ملكاً لليدي مارغريت آلان التي فقدت ابنتيها في غرق الباخرة «لاسيتانيا»، بفعل قذيفة ألمانية عام 1915.
هنا أيضاً ركن نرى فيه بدلة «تايور»، من تصميم كريستيان ديور، ارتدته الممثلة الألمانية مارلين ديتريتش وهي على متن رحلة السفينة «كوين إليزابيث» إلى نيويورك عام 1950. وإلى جانبها، نرى مجموعة حقائب تحمل اسم دوق ويندسور، من صنع «ميزون غوايار». وكان إدوارد دوق ويندسور وزوجته دوقة ويندسور (واليس سيمبسون) يسافران بفخامة وترف، ويروى أن متاعهما على متن سفينة «إس إس يونايتد ستيتس» بلغ 100 قطعة. والحقائب تعرض للمرة الأولى في بريطانيا، بعد أن كانت قابعة في المخازن.
- تيارات ثقافية وتصميمات فنية
حين نتحدث عن تصميمات الآرت ديكو، وعن التيارات الثقافية في النصف الأول من القرن العشرين، نجد أن الحديث يتجه تلقائياً لموضة الملابس والجواهر التي خالت بها النساء على أسطح البواخر الشهيرة. ويضم المعرض مثالاً لها، وهو فستان من طراز «فلابر»، الذي يتميز بانسيابيته والشراشيب المتتالية على قماش من الحرير المطرز بحبات من الزجاج الملون. والفستان من تصميم جان لانفان في عام 1925، وكان مِلكا لسيدة المجتمع الأميركية إميلي غريغزبي التي اشتهرت برحلاتها المتكررة عبر المحيط على متن العبارات الباذخة.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.