تغييرات آنية في خطاب النخب الدعوية النسائية

كتاب يُعنى بدراسة تشكيل خطابهن في المشهد السعودي

تغييرات آنية في خطاب النخب الدعوية النسائية
TT

تغييرات آنية في خطاب النخب الدعوية النسائية

تغييرات آنية في خطاب النخب الدعوية النسائية

دخلت المرأة الداعية لاعباً أساسياً في إدارة الأفكار في الحياة اليومية في كثير من المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية، والسعودية على وجه التحديد، وأنتج ذلك نمطاً جديداً من النخب المؤثرة في المجتمع، استحوذ على حصة من الهيمنة على أفكار الناس من خلال توجيه المجتمع وفق رؤية هذه النخب للحياة، ووفق مرجعيتها المعرفية، وذلك على مدى عدة عقود. لكن فضاء الحركة الدعوية يشهد حالياً انحساراً كبيراً لتأثير السلفية، مقابل تأهب صعود اتجاهات دينية كانت مغيبة، وهو ما طرح تساؤلات بشأن جوانب التجديد في فضاء الدعوة السلفية، خصوصاً في مسألة دخول النخب النسائية الدعوية في المشهد.
الدكتور عبد الرحمن الشقير، المؤرخ والباحث الاجتماعي السعودي رئيس المرصد الاجتماعي للدراسات المهتم برصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع السعودي والخليجي، أنجز أخيراً كتاباً يُعنى بدراسة تشكيل النخب النسائية الإسلامية في بلاده، من خلال المرأة الداعية التي حققت شهرة وجماهيرية، ورصد فيها مدى إسهامها في نشر الوعي الاجتماعي، أو إعادة إنتاج الواقع من خلال رؤيتها للعالم، وفرض تصوراتها الدينية على المجتمع، وعنون بحثه «النخب النسائية الإسلامية في السعودية (1744 – 2017)»، ونشره مركز «المسبار» للدراسات والبحوث في دبي، طارحاً في دراسته عن الموضوع تساؤلاً أساسياً، تمثل في مدى استطاعة الدعوة السلفية إنتاج نخب نسائية إسلامية، في ظل خطاب سلفي يرفض خروج المرأة في الفضاء العام، وأتبع ذلك بتساؤلات فرعية تمحورت في: هل تنتج المرأة الداعية خطاباً نسوياً إسلامياً نقدياً؟ وهل لها قضية ومشروع تثقيفي أو توعوي، أم أنها ظل لواقع الدعوة الذكورية؟ وهل الدعوة النسائية موضة ووجاهة اجتماعية؟
يقول الباحث الشقير، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «دراسته تسعى للتعرف على مفهوم الداعيات الإسلاميات، والفضاءات التي يعملن بها، وهل يعملن بشكل فردي أم مؤسسي؟ وهل يمكن التنبؤ بفكر الداعيات ومدى إمكان استغلال الجماعات المتشددة لإنتاج جيل جهادي نسائي متشدد دينياً؟ لافتا إلى أن الهدف من هذه الدراسة هو نقل الواقع كما هو، ثم تحليله واستشراف المستقبل، وتقديم صورة وصفيه حيادية للنخب النسائية الإسلامية».
وحدد الباحث ثلاث مراحل تطورية مر بها تاريخ الدعوة النسائية: بدأت المرحلة الأولى بالتجانس التام مع الرجل، والاتفاق الضمني على توزيع الأدوار الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. وفي المرحلة الثانية، ظهرت تصنيفات الناس الفكرية مع ظهور الصحوة، فانحازت المرأة للرجل، سواء أكان الاتجاه دينياً أم ليبرالياً، فكانت المرأة الدعوية ظلاً للرجل وانعكاساً لفكره. ثم في المرحلة الثالثة، ظهرت النخب النسائية الإسلامية، ولم يلحظ الباحث أن لهن مشروعاً علمياً أو دينياً، إذ بدأت المرأة تستقل بخطابها الدعوي، وظهرت للمجتمع بنفسها، وخاطبت الجماهير باستخدام الإعلام الجديد، المتمثل في التقنية ووسائل الاتصال. وتعد المرحلة الأخيرة معقدة بعض الشيء، إذ لاحظ الباحث أن خطابها لم يتبلور حتى الآن، كما أنها لم تستقل عن الدعوة الذكورية، فهي إما سلفية محافظة أو سلفية سرورية، تبعاً للوضع الذكوري.
ويمكن حسب الكتاب تقسيم القضايا العامة التي تطرحها الدعوة النسائية إلى قسمين: قضايا الفكر والثقافة، مثل قيادة المرأة للسيارة، وكشف وجه المرأة والابتعاث. وهنا، ليس للمرأة بصفة عامة رأي مختلف عن خطاب الدعوة الذكوري. أما القسم الثاني، فيتمثل في مسائل الفقه الخاصة بالمرأة، وفيها تظهر شخصية الداعية أكثر استقلالاً وفهماً من فقه الرجل، وذلك لأنها تتميز عن الرجل بعنصري الموثوقية والخوض في التفاصيل.
ولاحظ الباحث الشقير أن اتجاهات الداعيات حملت معها بذور الاتجاهات الذكورية ذاتها، وكانت ظلاً لها، ولم تستقل عنها، إذ تضمن أنماط السلفيات: المحافظات، والسروريات، والجهاديات، ولكن الصعود المنظم كان للسلفيات السروريات، بحكم وعيهن المبكر بأهمية التقنية ووسائل التواصل، ولأن الساحة الدعوية النسوية كانت شبه فارغة، كما يلحظ الباحث التداخل بين شخصية الداعية بوصفه داعية، النسائية أو الذكورية، وبين شخصيته بوصفه مؤلفاً، إذ يسيرون غالباً وفق القوانين الدعوية المتمثلة في التلقين، وليس وفق قواعد البحث العلمي ومناهجه.
ودرس الباحث إمكانية تصنيف الدعوة الإسلامية النسائية في السعودية ضمن إطار التنظيمات النسائية، التي تسعى - وفق دراسة أجرتها الأمم المتحدة عن الحركات النسائية في العالم العربي - إلى إحداث تغييرات وترتيبات آنية في الوضع القائم، من خلال الحد من سلبياته، دون أن يمس نشاطها البنية الذكورية وآلياتها التي تفرض التمييز الجنسي. وينم العمل الجمعي لهذه التنظيمات عن رغبتها في تحسين أوضاع النساء، دون أي إرادة للتغيير الجذري. وتندرج ضمن هذا النطاق جمعيات ومنظمات واتحادات تتبنى العمل الخيري والرعائي، فهي «لا تهدف إلى تحسين أوضاع النساء من خلال معالجة الخلل المرتبط بالسياسات الحكومية في مجالي الاجتماع والاقتصاد، وإنما تسعى إلى تغيير جذري لأوضاع النساء وفقاً لمنظومة فكرية محددة». وفي هذا الصدد، اعتبر الباحث الشقير أن هذه إشكالية عامة تواجه جميع النسويات الإسلاميات، إذ ترى كثير من الدراسات أنها لا تسعى إلى تقديم أية تصورات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي للدولة، أو حتى على مستوى المجتمع المدني، ويرون أن النسوية الإسلامية لا تزال في كثير من جوانبها آيديولوجية نخبوية.
وفي رؤية استشرافية مستقبلية للنخب النسائية، اعتبر المؤلف أن ظاهرة النخب النسائية الإسلامية (الداعيات) لا تزال في طور التجربة، فهي ظاهرة جديرة بالاهتمام لتمتعها بمقومات الصعود، فرائدات الدعوة من جيل الصحوة، وهن سعوديات، وهذان سببان كافيان لأن يتمتعن بعنصري: الموثوقية والأفضلية في المجتمع النسائي. وإذا كانت تطبيقات التواصل الاجتماعي هي سبب شهرتهن، فإنهن اتجهن لمأسسة الدعوة من خلال تأسيس مراكز دعوية تقدم دورات تدريبية واستشارات تضمن استمرار نشاطهن إذا ما تعثرت التقنية، ومن ثم فأمامهن فرصة للصعود المستقبلي، كما أن أمامهن الخيارات ذاتها المتاحة للدعاة الذكور.
وأوصى المؤلف بأهمية تجديد الخطاب السلفي بكل المؤسسات الدعوية، وأن يراعى حجم التغيرات التي طرأت عليها، وموقف الناس منها، وهذا لا يعني بالطبع أن للحق أسلوباً واحداً وخطاباً واحداً ونصاً لا يقبل إعادة التفسير، لافتاً إلى أنه لاحظ من استقراء التاريخ المحلي أن عوامل التغيير في الخطاب السلفي تكون غالباً رد فعل على استفزاز خارجي.
واقترح المؤلف أن يهتم الخطاب الدعوي بثلاثة أسس، تتمثل في: التركيز على الإصلاح الاجتماعي، ونشر السلام والتسامح والتعاون، بدلاً من افتعال خصوم غير مؤثرين وتحقيرهم اجتماعياً، ونشر قيم الإنجاز والعلم وبذل العطاء التي هي من أصول الدين، لكنها لا تزال مهملة، ولم تلق التركيز الذي يليق بها، خصوصاً في هذا الزمن.


مقالات ذات صلة

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

كتب «نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

في الوقت الذي يؤكّد فيه المؤلف على الأهمية المركزية لمفهوم الطاقة فإنّه لا يتغافل عن التصريح بأنّ كتابه ليس كتاباً مخصوصاً عن الطاقة بذاتها.

لطفية الدليمي (بغداد)
كتب ليدي إيفلين كوبولد

«من لندن إلى مكة»... أول رحلة حج لامرأة بريطانية

تفاصيل ومشاعر فياضة بالروحانية تصف بها الكاتبة البريطانية رحلتها للحج التي أصرت على خوضها بعد أن أشهرت إسلامها في أربعينات القرن الماضي لتكون بذاك أول امرأة أوروبية تقدم على هذه الخطوة

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «درب زبيدة»... أقدم طريق للحج بين العراق والسعودية

«درب زبيدة»... أقدم طريق للحج بين العراق والسعودية

يقدم هذا الكتاب، تعريفاً لطريق الحج البري القديم بين العراق والسعودية وكيفية اكتشافه وما لحقه من إهمال ونسيان، ويوضح جهود الحكومتين العراقية والسعودية في ثلاثينات القرن العشرين بالسعي إلى إحيائه وتجديد محطاته لأهميته التراثية.

علاء المفرجي (بغداد)
كتب «أطروحات في قلب رؤية 2030»

«أطروحات في قلب رؤية 2030»

يُوثِّق الكتاب أثر رؤية السعودية 2030 في تجاوز أكثر من 15 تحدياً تنموياً مرتبطة بقطاعات مختلفة في المجتمع، من بينها صحية وتأمينية ومالية كانت تواجهها قبل إطلاق رؤية 2030؛ وكيف تم تجاوزها بعد إطلاقها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون القراءة كقصة عاطفية

القراءة كقصة عاطفية

يروي بروست في هذا الكتاب عن محبته للقراءة وطقوسه التي تصاحبه في ذلك وكأنه يروي عن طفولته فيتذكر نفسه وهو الصبي الذي يقتنص ويتحيّن الفرص للاختلاء بكتاب جديد ليغنم هذه المتعة

منى أبو النصر (القاهرة)

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير
TT

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

صدر حديثاً (2024) عن «مركز الملك فيصل للبحوث والدّراسات الإسلاميَّة»، كتاب «أخبار النِّساء» للأمير مجد الدولة أُسامة بن مُنِقذ الشَّيزريّ الكنانيّ (488 - 584هـ)، ضمن سلسة تحقيق التُّراث (52)، من مخطوطات المركز المحققة. عدت مخطوطة الكتاب نسخة فريدة منها بالعالم، مِن مواضيعه: كتاب الأُمهات، كتاب الزَّوجات، كتاب البنات، والأخوات، والجواري، كتاب مراثي النِّساء، كتاب أوصاف النِّساء، كتاب الخطبة والتَّزويج والتَّطليق، كتاب أحكام النِّساء. بلغ عدد صفحات المطبوع (700) صفحة متضمنة الفهارس المفصلة.

كذلك كان «أخبار النِّساء» فريداً في منهجه ومحتوياته، جمع بين التاريخ، والأدب، والسِّير لأشهر النِّساء، جاء زاخراً بالمنثور والمنظوم، والأحكام الفقهيّة؛ فقد صُنفت كتبٌ غير قليلة في أحوال النِّساء، رصدتها مقدمة التّحقيق، لكن ليس لأيٍّ منها الشُّموليّة التي امتاز بها كتاب ابن مُنقذ، وهو أحد أبرز أمراء الحرب مع الإفرنج وما عُرف بالحروب الصّليبيّة، وكان كتابه «الاعتبار» سيرة ذاتية لنفسه، وربّما عُدَّ ابن منقذ أولَ من أهتم بكتابة سيرته بقلمه، وبعده ابن خلدون (ت 808هـ)، وكتابه «التّعريف».

التقى السُّلطان صلاح الدِّين الأيوبيّ (ت 589هـ)، متأخراً، فلم يتمكن من مرافقته في الحروب التي خاضها الأيوبيّ، وذلك لكبر سنه، وقد تجاوز الثمانين، حين التقاه، وتُوفي مناهزاً السادسة والتسعين. كان صلاح الدِّين شغوفاً بشعر ابن منقذ، فضَّل ديوانه على دواوين بقية شعراء تلك الفترة، جمعه له نجله مُرْهف بن أُسامة بن منقذ، وكانت له حظوة عنده، بعد وفاة والده (ابن شامة، كتاب الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريّة والصّلاحيَّة). كان والد وإخوة أسامة شعراء وأدباء، وكذلك ولده أبو الفوارس مُرْهف (ت 613هـ) كان شاعراً وكاتباً وجامعاً للكتب، وحصل أن اشترى منه ياقوت الحموي (ت 622هـ) مجموعة كتب (الحمويّ، معجم الأدباء). لأبي الفوارس شرح لديوان المتنبي، قُدمت مخطوطته أطروحة في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة ، وهي من محفوظات مكتبة الملك فهد الوطنيّة بالرياض.

على الرّغم مِن انشغاله في الحروب، لكن ابن منقذ كان غزير التأليف، فمن غير «أخبار النّساء»، وكتاب «الاعتبار»، له عشرات الكتب مِن المنشورات والمفقودات، و«أخبار النساء» كان مفقوداً، حتّى عُثر عليه بين أكوام مِن الأوراق المخطوطة. كان للمؤرخ تقي الدّين المقريزي (ت 845هـ) فضله في جمع شتات مصنفات ابن منقذ؛ في قائمة ضمنها كتابه «المقتفى الكبير»، شملت أسماء كتبه وعناوين مواضيعها، ما وصَلَنا منها، وما ظلّ مفقوداً، وبينها «أخبار النّساء»، وما ذكره المقريزي عن محتويات الكتاب، جاء مطابقاً لما ورد في المخطوط.

لكنّ باباً مِن أبواب الكتاب، والخاص بالجواري، كان ضائعاً، فالمخطوط فُقدت منه أوراق غير قليلة، من بدايته ونهايته، غير أنَّ جلال الدّين السِّيوطيّ (ت 911هـ) اقتبسه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، ووثّق ذلك بالقول: «قال أُسامة بن مرشد في (أخبار النِّساء)». فمِن غير الوارد أنْ يُصنف ابن منقذ كتاباً في النّساء، وبهذه الشّمولية، ويغفل أخبار الجواريّ، بينما الكتب التي اقتبس منها كانت ملأى بأخبارهنَّ. يمكن إضافة ذلك إلى ما ذكرناه في مقال سابق، على صفحات «الشّرق الأوسط» «خزانة التُّراث.. كُتب تنقذ كُتباً مِن الضِّياع».

إضافة إلى شهرة أُسامة بن منقذ، التي سارت بها البغال الشُّهب مثلما يُقال؛ إلا أنّ اختياره الكتابة في «أخبار النّساء» يلفت النّظر، فقرون ولا تُعرف فهارس خزائن المخطوطات، إلا كتاب «أخبار النّساء» لأبي فرج عبد الرّحمن بن الجوزيّ (ت 597هـ)، الذي عاصر ابن منقذ، مع وجود الأول ببغداد، والأخير بين مصر والشّام، وقد نُسب كتاب ابن الجوزيّ هذا خطأً وتوهماً إلى الفقيه شمس الدين بن القيم الجوزيَّة (ت 751هـ)، بل هناك مَن ظنّه جزءاً من كتاب ابن منقذ، وقد حوى أوصاف النساء، وما يتعلق منهن بالزواج، والأشعار فيهنَّ، وما يتعلق بالغيرة وأخلاقهنَّ، هذا ما أشار إليه الباحث محمد عزيز شمس متوهماً، عندما قال: «هذا كتاب (أخبار النساء) لابن منقذ» (مجلة المجمع العلميّ العربي / العدد 2 السنة 1990). قال ذلك، ولم يطّلع على كتاب «أخبار النساء» لابن منقذ، وكان معروفاً بالاسم فقط، وإلا فالكتابان مختلفان، كتاب ابن الجوزي عنوانه الأصل «أحكام النساء»، واقتصرت موضوعاته على التعاليم والوصايا؛ من الحلال والحرام في معاملتهنَّ، وهو ما يناسب ابن الجوزي الفقيه، لا ابن منقذ الأديب والشَّاعر.

صُنفت، مثلما ذكرنا، مئات الكتب في أحوال النِّساء، وكان أغلبها بأقلام الرّجال، حتّى فترة متأخرة، بدأت النّساء الكتابة عن بنات جنسهنَّ، وربّما كان السّباقَ إلى التصنيف في النساء صاحبُ «كتاب بغداد» الشهير، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور الكاتب (ت 280هـ)؛ «بلاغات النساء».

لكنَّ كلَّ ما صُنف وظهر مطبوعاً، في أحوال النِّساء، لا يجاري كتاب ابن المنقذ، الذي أرّخ للمرأة الأمّ والأخت والبنت والزوجة، وبالأسماء، وفي أزمان مختلفة، ومن غير ما نقله ابن منقذ مِن الكتب التي سبقته، أضاف حوادث عاشها. عندما يأتي على باب الأمهات، أو «كتاب الأمهات»، يتفرع إلى بركاتهنَّ، وخلاف الأبناء معهنَّ، وما تعرضنَّ إليه مِن مِحن، وأخبار الأبناء معهنَّ، وأخبار الآباء مع البنات، وهكذا كان منهجه مع كلّ فئة يتعرض لها، دون إغفال ما يتعلق بالجدات والخالات.

على ما يبدو، ظل الكتاب تتداوله الأيدي حتَّى القرن العاشر الهجري، فمثلما تقدَّم، اقتبس منه جلال الدّين السّيوطي، وهو من أعلام القرنين العاشر والحادي عشر، وبسبب عدم وصول المختصين بفهرسة المخطوطات إليه، فكان بيد أفراد لم يعرفوا قيمته، ولا موضوعه، لا تجد أثراً له عند كبار المفهرسين، مثل كارل بروكلمان (ت 1956) وكتابه «تاريخ الأدب العربيّ»، حتى وقع بيد المحقق والمهتم بالمخطوطات العربيَّة، الباكستاني الدكتور أحمد خان، الذي اشتراه مع مجموعة من الأوراق، وظل يستفسر عن هويته، فاكتشف أنه «أخبار النساء» لابن منقذ، وقد راسلتُ أحمد خان، وعرفتُ منه قصة وصول الكتاب إليه، ومنه إلى خزانة المخطوطات في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات».

هذا، ولكلِّ كتاب قصته، في الضياع والعثور عليه، والأوهام والحقائق التي تدور حول هذا الكتاب أو ذلك، فلسنواتٍ كان المحقق مصطفى جواد يعتقد أن كتابَ «الحوادث» هو كتاب «الحوادث الجامعة والتجارب النّافعة في المائة السَّابعة» للمؤرخ ابن الفوطي (ت 723هـ)، وكان مؤلفه الأقرب لواقعة اجتياح بغداد مِن قبل المغول، لكن بعد المقابلة بين أسلوب الكتاب وكتب الفوطي اكتشف جواد نفسه، ما حققه ونشره (1932)، ليس لابن الفوطي، فأعيد نشره، بعد حين، بعنوان «كتاب الحوادث» بتوقيع: مؤلف مجهول.

غير أنَّ «أخبار النِّساء»، إضافة إلى اعتراف ابن منقذ به، وعدِّه ضمن قائمة كتبه، وما نُقل عنه مِن نصوص، فأسلوبه أسلوب بقية كتب ابن منقذ، ولولا الصّدفة أن يعرض أحد باعة الأوراق القديمة، على مالكه الأول، لربّما راح مستعملاً مِن قِبل البقالين، وكمْ مِن كتب تلفت في الدكاكين للجهل بها، فكان يُصيب الكتب، التي ضمّتها خزائن مكتبات الملوك والوزراء الأقدمين، ما يصيبهم مِن عوادي الزّمان.

حوى الكتاب مادة غزيرة، يستفيد منها المؤرخ الاجتماعي، ومؤرخ الأدب، وما يتعلق بالفقه ومعاملة النّساء، وتراه يرفع شأن النّساء، على خلاف كثير مِن المصنفين الذين تناولوا أحوالهنَّ، إلى جانب ما امتاز به الكتاب من أسلوب المصنف الرشيق في الكتابة، ومادته الثّرية.

لم نقف، بسبب ضياع الصفحات الأولى والأخيرة مِن الكتاب، على دافع ابن منقذ في تصنيف الكتاب، وهو الأديب والشّاعر والمحارب، وقد اعتاد، في مقدمات كتبه، ذِكر دافع التصنيف، فنجده مثلاً ذكر سبب تصنيفه كتابه «المنازل والدّيار»، قائلاً: «ما دعاني إلى جمع هذا الكتاب، ما نال بلادي وأوطاني مِن الخراب، فإن الزَّمان جرَّ عليها ذَيله، وصرف إلى تعفيتها حوله وحِيله، فأصبحت كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، مُوحشة العرصات بعد الأُنس، قد دثر عمرانها، وهلك سُكانها، فعادت مغانيها رسوماً، والمسرّات بها حسراتٍ وهموماً، ولقد وقفتُ بعد ما أصابها مِن الزَّلازل ما أصابها، وهي أولُ أرض مسَّ جلدي تُرابها، فما عرفتُ داري، ولا دُور والدي وإخوتي...» (المنازل والدِّيار، دمشق 1965). هذا، وكان تصنيفه «أخبار النِّساء» قد سبق أهم كتبه، كـ«الاعتبار»، و«المنازل والدِّيار»، و«التّاريخ البدريّ»، ويقصد بدر الكبرى (2هـ)، وهذا واضح مِن تضمين هذه الكتب نصوصاً مِن «أخبار النّساء».

تضمّن كتاب «أخبار النّساء» لابن منقذ، بعد أخبار السيدات الأُول؛ مِن حواء، وأمّ النّبي موسى، والسيدة مريم، وزوجة النبي أيوب، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وبلقيس، والسيدة خديجة الكبرى، وغيرهنَّ، ثم فصل أحوال النِّساء، كأمهات وزوجات وبنات وأخوات، وصفات النساء، بذكر أوصاف الأسنان، والعيون، والأنوف، والحواجب، والأرداف، والمعاصم، والشَّعر، مع الأقوال والأشعار.

عموماً، يُعدّ الكتاب معجماً لكلّ ما يتعلق بالنساء، وقد يكون المفقود مِن أوراقه فيه الكثير، وكان فصل الجواري منه بحكم المفقود، لولا أنَّ السّيوطي حفظه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، على أمل إلحاقه في طبعة جديدة من الكتاب، وإتمام الضائع مِن المظانّ التي أخذ عنها ابن منقذ.