سبعة قتلى و23 جريحا حصيلة اندلاع جولة القتال الـ18 في طرابلس

الجيش اللبناني يتدخل.. وميقاتي يمنح القوى الأمنية غطاء للقيام بدورها

صبي لبناني يركض مسرعا لتفادي القناصة بينما تحذر لافتة كبيرة من نيرانهم في طرابلس أمس (رويترز)
صبي لبناني يركض مسرعا لتفادي القناصة بينما تحذر لافتة كبيرة من نيرانهم في طرابلس أمس (رويترز)
TT

سبعة قتلى و23 جريحا حصيلة اندلاع جولة القتال الـ18 في طرابلس

صبي لبناني يركض مسرعا لتفادي القناصة بينما تحذر لافتة كبيرة من نيرانهم في طرابلس أمس (رويترز)
صبي لبناني يركض مسرعا لتفادي القناصة بينما تحذر لافتة كبيرة من نيرانهم في طرابلس أمس (رويترز)

عادت مدينة طرابلس في شمال لبنان إلى واجهة الأحداث في لبنان أمس، مع اندلاع جولة جديدة من الاشتباكات بين منطقتي جبل محسن، ذات الغالبية العلوية، وباب التبانة ذات الغالبية السنية، أودت بحياة سبعة قتلى وأدت لإصابة 23 شخصا في محصلة أولية مساء أمس.
وتأتي جولة الاشتباكات هذه، وهي الجولة القتالية الثامنة عشرة بين المنطقتين المنكوبتين منذ عام 2008، بعد أقل من عشرين يوما على توقف جولة الاشتباكات الأخيرة بين الطرفين، علما أن حوادث فردية تكررت خلال الأسبوعين الأخيرين، تخللها إطلاق النار من قبل مجهولين على عمال علويين في المدينة.
واندلعت الاشتباكات أمس بعد إطلاق «عناصر مسلحة في حي المنكوبين في طرابلس، النار باتجاه أحد مواطني محلة جبل محسن وإصابته بجروح»، وفق ما أعلنته قيادة الجيش اللبناني في بيان صادر عنها أمس. وأصيب وسيم الخطيب، وهو علوي من سكان جبل محسن، يعمل كبائع متجول، في رجليه بعد إطلاق النار عليه في منطقة البداوي - المنكوبين أثناء توجهه إلى عمله في عكار.
وكان سكان من منطقة جبل محسن، تعرضوا منذ توقف الاشتباكات السابقة في العاشر من الشهر الماضي (نوفمبر/تشرين الثاني) لاعتداءات متكررة أثناء توجههم إلى أعمالهم، ومرورهم في شوارع طرابلس. وتكررت حوادث إطلاق النار عليهم وتصويرهم ونشر صورهم وهم مصابون على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار احتقانا شديدا في جبل محسن. وتخطى عدد الذين استهدفوا وهم عزل أثناء تجوالهم في المدينة ما يزيد على عشرين شخصا، حتى يوم أمس. وهدد «الحزب العربي الديمقراطي» في جبل محسن تكرارا بأن الصبر بدأ ينفد إلى أن جاءت حادثة أمس، لتكون النقطة التي يطفح بها الكيل.
وذكرت قيادة الجيش اللبناني أنه بعد إطلاق النار على الخطيب «شهدت منطقة جبل محسن - التبانة عمليات قنص، كما تعرض عدد من مراكز الجيش لإطلاق النار». وردت وحدات الجيش على مصادر إطلاق النار، كما أوقفت أحد الأشخاص المشتبه فيهم بالاعتداء على الخطيب، «معززة من وجودها وإجراءاتها الأمنية وملاحقة المسلحين، لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه».
واشتعلت الاشتباكات، على مختلف المحاور، ورد الجيش على الطرفين بالمضادات محاولا ردع المعتدين، فيما تعرض عناصره لإطلاق نار متكرر، ما أوقع ستة عسكريين جرحى بينهم ضابط برتبة ملازم، بجروح مختلفة، وأحدهم حالته حرجه، بحسب ما أعلنته قيادة الجيش بعد ظهر أمس، نتيجة استهداف مراكز عسكرية. واشتدت عمليات القنص التي حصدت عددا من المدنيين، إذ سجل سقوط سبعة قتلى وما يزيد على 23 جريحا. وتوفي أحد الضحايا، البالغ من العمر 70 سنة، بذبحة قلبية، خوفا وهلعا، بعد أن أطلقت النار باتجاهه، كما استهدفت حافلة مدرسية، وأصيب طفل بجروح.
وحوصر تلامذة «مدرسة لقمان» في منطقة الملولة في باب التبانة، بسبب كثافة الرصاص، مع بدء الاشتباك ما اضطر الجيش للتدخل وإخلائهم، وإيصالهم إلى منازلهم.
وساد جو من التشاؤم الشديد أمس أوساط بعض المشايخ الذين عرفوا بدفاعهم الشديد عن باب التبانة ومقاتليها، وأكد أحدهم لـ«الشرق الأوسط» رافضا الكشف عن اسمه، بأنه «لا توجد مجموعات رئيسة تشارك في هذه المعركة في باب التبانة». وتابع: «لا بل أقول أكثر من ذلك، كل من يطلق طلقة في هذه المعركة على جبل محسن، أو على المواطنين العلويين في طرابلس، هو يخدم حزب الله والنظام السوري»، مستنكرا «التعرض لأبرياء في طرابلس لأي طائفة انتموا».
وشدد المصدر ذاته على أن «هذه المعركة هي تدمير لطرابلس وقتل لأهلها»، مؤكدا أن «الإسلاميين لا يقاتلون، ومن يطلق النار من باب التبانة، هم تابعون لسياسيين أو جهات أمنية أو جهات مشبوهة، لا تريد الخير لطرابلس». وقال إنه مقابل «عشرين جريحا في طرابلس وسبعة قتلى لا يوجد إلا ثلاثة جرحى في جبل محسن»، متسائلا: «من المتضرر إذن؟ ولمصلحة من تدور هذه المعركة؟».
ونفى مصدر ميداني مطلع في باب التبانة، أن يكون هناك «أي اتفاق أو بوادر حل ظهرت خلال الاجتماع الذي عقده رئيس حكومة تصريف الأعمال أمس في طرابلس مع سياسيي المدينة ونوابها وعدد من الأمنيين»، معتبرة أن «الجولة القتالية رقم (18) قد بدأت وأن القتال قد يدوم لعدة أيام ولا بوادر لأي إجراءات مختلفة عن التي سبقتها».
ووصف المصدر الخطة الأمنية، لا سيما الجزء الثاني منها، الذي نفذت خلاله قوى الأمن الداخلي انتشارا واسعا في باب التبانة، لحفظ الأمن بـ«فيديو كليب» عابر، وقال إن «عناصر قوى الأمن انسحبوا ولم يعودوا إلى المنطقة، وتركونا لوحدنا»، مستبعدا أن يكون «لهذه القوى، حتى لو بقيت، القدرة على ضبط الأمن، ووقف المعارك».
وقال الرئيس ميقاتي تعليقا على ما يحدث في طرابلس أمس «إننا نحاول العمل، والوعود والكلام يترجمان بالكلام، وهناك إجراءات نأمل في أن تأخذ مجراها»، مشيرا إلى أن «حوادث إطلاق النار مدانة وكل الفئات ترفض هذا العمل، ولم نتقاعس عن القيام بأي عمل».
وقال ميقاتي إن «علي عيد (النائب العلوي السابق ورئيس الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن) متهم بالتفجير (في إشارة إلى تفجيري مسجدي السلام والتقوى خلال أغسطس/آب الماضي)، وصدرت بحقه مذكرة بحث وتحر، ويجب أن تقوم الأجهزة القضائية بدورها كي لا نسمح لأحد بالثار لنفسه»، مؤكدا منح «كل الغطاء للأجهزة الأمنية للقيام بدورها»، علما بأن عيد مطلوب للتحقيق حول دوره في تهريب مطلوبين في قضية تفجيري طرابلس ولم يمثل أمام القضاء اللبناني.
وكانت مجموعة أطلقت على نفسها اسم «اللجنة العسكرية لأولياء الدم في تفجيرات مساجد طرابلس» أعلنت قبل أيام استهدافها «أبناء الطائفة العلوية في طرابلس، واستمرارها في ذلك، ما لم يسلم زعيم الطائفة العلوية علي عيد وابنه رفعت نفسيهما للعدالة».
وقال أحد فعاليات باب التبانة الذين بدا انقسامهم كبيرا أمس إن «هذه الأفعال وهذه الشروط المستحيلة تدخلنا جميعا في ورطة دموية».
وتواصلت الاشتباكات على مختلف المحاور بين جبل محسن والتبانة والريفا والبقار والمنكوبين ومشروع الحريري، حيث سجل سقوط قذائف صاروخية عدة أدت إلى احتراق منازل. ولم تتمكن فرق الإطفاء من الوصول إلى المكان نتيجة أعمال القنص والقصف. واستخدمت الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وعلى الرغم من جهود الجيش الكبيرة، لردع المقاتلين، فإن ذلك لم يخفض وتيرة المعارك التي يبدو أنها لن تتوقف سريعا.
وفي سياق متصل، نقلت وكالة الأنباء «المركزية»، الخاصة في لبنان، عن مصادر بارزة في حزب الله قولها إن «كل ما كان يحذر منه الحزب في طرابلس يحصل»، مشيرة إلى أنه «منذ ثلاثة أسابيع وبعد اغتيال عضو جبهة العمل الإسلامي الشيخ سعد الدين غية ونحن نشعر أن هناك إصرارا على إحداث فتنة بين السنة والعلويين في طرابلس».
واعتبرت مصادر حزب الله أن «استعمال سنّة طرابلس ولبنان كورقة للمشاركة في الحرب على سوريا لن يجر إلا الويلات»، داعية إلى «حل سياسي بين باب التبانة وجبل محسن ورفع الغطاء عن العصابات المسلحة وترك القوى الأمنية والعسكرية تنتشر لفرض الاستقرار وملاحقة المسلحين والمخلين بالأمن».
وكان حزب الله اتهم قبل يومين، في بيان أصدره غداة إطلاق مجهولين النار على أربعة عمال علويين في بلدية طرابلس، فريق «14 آذار» بـ«التغطية السياسية لجرائم عصابات القتل والإجرام»، في حين شدد رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة، على أن «ما تشهده بعض أحياء طرابلس من حوادث وتعديات واعتداءات على أبرياء بين حين وآخر، هو عمل مجرم ومستنكر ومدان من قبلنا». وقال السنيورة، الذي يرأس كتلة تيار المستقبل في البرلمان اللبناني، إن الاعتداء على عمال من جبل محسن «عمل جبان ومشبوه يقصد تشويه صورة طرابلس وصورة أهلها وتسامحهم واعتدالهم، ولتصويرهم على غير ما هم عليه تحضيرا لفتنة كبرى في المدينة تعم لبنان».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.