قصف تركي على «الوحدات» الكردية في اليوم العاشر لـ«غصن الزيتون»

المعارضة التركية تدعو إلى «مصالحة مع الأسد»

TT

قصف تركي على «الوحدات» الكردية في اليوم العاشر لـ«غصن الزيتون»

واصلت المدفعية والطيران التركي قصفهما مواقع وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين في إطار عملية «غصن الزيتون» العسكرية التي تشارك فيها فصائل من الجيش السوري الحر موالية لتركيا التي دخلت يومها العاشر، الاثنين، في وقت دعت فيه المعارضة التركية حكومة العدالة والتنمية إلى التعاون مع نظام بشار الأسد إذا كانت ترغب في القضاء على تهديدات التنظيمات الإرهابية في سوريا، محذرة من استخدام عملية «غصن الزيتون» لتعبئة الشارع التركي من أجل انتخابات مبكرة محتملة في البلاد.
وشنت المدفعية التركية المتمركزة في ولاية كليس التركية الحدودية قصفاً عنيفاً على أهداف للوحدات الكردية في جبل «درماك» تزامناً مع تحليق للطائرات الحربية فوق سماء عفرين.
وكانت القوات التركية والجيش السوري الحر كثفا من قصفهما الجوي والمدفعي لأهداف الوحدات الكردية في بلدة جندريس غرب مدينة عفرين ليل الأحد - الاثنين، فيما قامت وحدات من الجيش الحر بعمليات استطلاع بالمنطقة عبر طائرات دون طيار.
وتعد جندريس من أهم النقاط الاستراتيجية التي تستخدمها الوحدات الكردية في القصف الصاروخي على بلدة ريحانلي بولاية هطاي جنوب تركيا وتمثل سهلاً يمتد إلى مركز مدينة عفرين.
في السياق ذاته، دفع الجيش التركي بتعزيزات عسكرية جديدة إلى وحداته المنتشرة على الحدود مع سوريا بولاية كليس جنوب البلاد تشمل وحدات مدفعية من طراز «العاصفة». إلى ذلك، أعلن الجيش التركي في بيان مقتل 40 من عناصر الوحدات الكردية ليصل عدد من تم تحييدهم في إطار عملية غصن الزيتون إلى 597 مقاتلاً من الميليشيات الكردية، بحسب بيان لرئاسة هيئة الأركان التركية أمس.
وأشار البيان إلى أن المقاتلات التركية دمرت خلال غاراتها الليلة قبل الماضية 44 هدفاً عسكرياً شملت أوكاراً ومخابئ ومستودعات ذخيرة ومرابض أسلحة. في غضون ذلك، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس (الاثنين)، إن القصف التركي المستمر على سد 17 نيسان أو ما يعرف بـ«سد ميدانكي» يهدف إلى إغراق منطقة عفرين بعد ما وصفه بـ«فشل العملية العسكرية التركية».
وأضاف المرصد السوري، ومركزه بريطانيا، أن القوات التركية تقصف بطائراتها منذ منتصف ليل أول من أمس أماكن في محيط سد 17 نيسان، الواقع على بعد نحو 12 كلم إلى الشمال من مدينة عفرين السورية، ما أسفر عن أضرار مادية بالسد.
وأشار إلى تزايد المخاوف بشأن استهداف السد وتخريبه من قبل الطائرات التركية التي استهدفته للمرة الثالثة خلال 10 أيام.
ويقع سد 17 نيسان على نهر عفرين، ويبعد عن بلدة ميدانكي نحو كيلومترين، ويعمل على حجز الفيضانات الناتجة عن هطول الأمطار وتجمع المياه، ويحمي المناطق الزراعية الواقعة خلفه.
ويؤمن السد أكثر من 15 مليون متر مكعب من المياه سنوياً لمدينتي إعزاز وعفرين، حيث يعيش أكثر من 190 ألف نسمة. إلى ذلك، قال نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة بكير بوزداغ، إن من غير المنطقي توقع تهاون تركيا حيال تأسيس «دولة إرهابية» على حدودها.
وأشار في كلمة خلال افتتاح مؤتمر حول القدس في إسطنبول أمس، إلى محاولات لتنفيذ خطة لتقسيم تركيا، لافتاً إلى أنه لا يوجد اعتراض حالياً من أي جهة حول قانونية عملية غصن الزيتون العسكرية في عفرين.
في السياق، أكد وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي أن الذخائر التي تستخدمها القوات المسلحة التركية في عملية «غصن الزيتون» بعفرين محلية الصنع بالكامل.
وقال جانيكلي، في تغريدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «ننتج محلياً كامل الذخائر التي يستخدمها جيشنا في عملية عفرين. مخازننا مليئة بالذخائر التي تكفي لتطهير المنطقة كلها من الإرهاب وليس عفرين فقط، ونحن مستمرون في الإنتاج».
وأورد أمثلة للأسلحة والذخائر المنتجة محلياً ومنها مدافع «العاصفة» وقذائفها، وراجمات الصواريخ «تشينار» وذخائرها، فضلاً عن قذائف «HGK» الذكية والموجهة التي تستخدمها طائرات «إف 16».
على صعيد موازٍ، اعتقلت السلطات التركية 311 شخصاً بتهمة «الترويج للإرهاب» على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تغريدات وانتقادات لعملية «غصن الزيتون».
وقالت وزارة الداخلية التركية في بيان أمس، إنه تم القبض على هؤلاء خلال حملة بدأت منذ الأسبوع الماضي في شتى أنحاء البلاد، خصوصاً في مدينة إسطنبول ومنطقة جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية.
وطالت الاعتقالات مسؤولين محليين في حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. ودعا الرئيس المشارك للحزب، المسجون منذ أكثر من عام على ذمة قضايا تتعلق بدعم الإرهاب، صلاح الدين دميرتاش المجتمع الدولي إلى التحرك لوضع حد للهجوم التركي. وكشف مسؤول في الحزب أن عدد أعضائه المعتقلين بلغ 209 أشخاص تم القبض عليهم بتهمة «الترويج للإرهاب» و«الحض على الكراهية»، بسبب تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي حول عملية «غصن الزيتون» في عفرين.
واتهمت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الحقوقية السلطات التركية بعدم تحمل الانتقادات الموجهة إليها.
وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان دعا إلى الوحدة والتضامن دعماً لعملية عفرين، وحذر المعترضين عليها في الوقت نفسه بأنهم سيدفعون ثمناً غالياً.
في الوقت ذاته، دعا كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، الحكومة التركية إلى إعادة العلاقات مع سوريا والتعامل مع نظام بشار الأسد، إذا كانت راغبة حقاً في القضاء على خطر التنظيمات الإرهابية في سوريا.
وقال كليتشدار أوغلو في لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية أمس في أنقرة، تناول فيها عملية «غصن الزيتون» في عفرين، إن الطريق لتحقيق السلام في سوريا والحفاظ على سلامتها ووحدتها تمر عبر إقامة حوار بين تركيا وسوريا، مضيفاً: «يجب أن نتعامل مع الحكومة السورية بطريقة أو بأخرى إذا كنا نرغب في ألا تجد التنظيمات الإرهابية مأوى لها في هذا البلد... نعتقد أنه يجب اتخاذ خطوات لإقامة علاقات مع سوريا».
وقطعت أنقرة علاقاتها مع دمشق أواخر عام 2011 بسبب حملة القمع الصارمة لنظام الأسد ضد جماعات المعارضة.
والأسبوع الماضي، دعت رئيسة «الحزب الجيد» المعارض ميرال أكشنار الحكومة إلى إعادة العلاقات مع الأسد بشكل صريح، لافتة إلى أن هناك اتصالات دبلوماسية تجري بشكل سري بين أنقرة ودمشق ومن الأفضل لتركيا أن تجريها في العلن.
وقال كليتشدار أوغلو إنه يعتزم زيارة دمشق خلال الفترة المقبلة للمساعدة في استعادة العلاقات بين تركيا وسوريا، مضيفاً: «نقوم بتقييم زيارة محتملة لدمشق. ونعلق أهمية على فتح آليات اتصال بين تركيا والحكومة المركزية في دمشق من أجل استعادة العلاقات الثنائية». ولم يكشف عن موعد الزيارة وما إذا كانت تتضمن لقاء مع رئيس النظام السوري بشار الأسد أم لا.
وسبق لحزب الشعب الجمهوري القيام بمبادرات مماثلة وإرسال وفود إلى دول إقليمية توترت علاقات أنقرة معها بشدة مثل مصر والعراق.
واتهم كليتشدار أوغلو الحكومة بإلقاء تركيا فيما سماه «مستنقع الشرق الأوسط» من خلال التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا، قائلاً إن الحكومة ساعدت حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الكردية في اكتساب الشرعية الدولية في المراحل المبكرة من الحرب الأهلية السورية.
ووجه كليتشدار أوغلو حديثه إلى الرئيس رجب طيب إردوغان قائلاً: «ألم تستضف صالح مسلم (رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي السابق) في أنقرة على السجاد الأحمر؟»، في إشارة إلى زيارات مسلم المتكررة لأنقرة قبل منتصف عام 2015، قائلاً: «من المسؤول عن القتلى في عملية عفرين؟ من استضاف حزب الاتحاد الديمقراطي؟ إذا لم تكن قد اعتبرت الحزب منظمة إرهابية من قبل، فإن الولايات المتحدة لن تقبل أيضاً تصنيفه منظمة إرهابية. ثم عندما غيرت رأيك وصنفته منظمة إرهابية تريد من الولايات المتحدة أن تفعل الشيء نفسه، لكنها لن تفعل، إن سياساتكم هي التي أوجدت هذه المشكلة».
وعبر كليتشدار أوغلو عن عدم ارتياحه لحقيقة أن عملية «غصن الزيتون» يجري تنفيذها بمشاركة الجيش السوري الحر خصوصاً الفصائل السنية من العرب والتركمان، قائلاً: «لدينا جيش، جيش بطولي، يمكنه أن يحارب في ظل ظروف صعبة. لكننا نشعر أن بطولية جيشنا تنقل إلى الجيش السوري الحر. لماذا؟ ما هذا الجيش السوري الحر؟ نحن نشعر بالانزعاج لأن جيشنا مرتبط بهذه المجموعة».
وجاءت تعليقات كليتشدار أوغلو بعد أن قال نائب رئيس الحزب أوزتورك يلماظ الأسبوع الماضي، إن الجيش السوي الحر يضم في جزء منه مسلحين من تنظيمات إرهابية مثل «داعش» والنصرة والقاعدة.
وانتقد زعيم المعارضة التركية الإجراءات القانونية والإدارية ضد المعارضين الذين دعوا الحكومة إلى إنهاء العملية في سوريا التي شملت اعتقال 311 شخصاً، بسبب تعبيرهم عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: «هناك ضغط واضح على من لديهم وجهات نظر مختلفة حول عملية عفرين... لا أستطيع الحديث عن الديمقراطية في بلد لا يسمح فيه بحرية التعبير عن الأفكار».
وتوقع كليتشدار أوغلو أن تلجأ الحكومة إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة هذا العام، بدلاً من العام المقبل، محذراً من تسييس عملية «غصن الزيتون» من أجل تحقيق مكاسب سياسية للحزب الحاكم، وقال: «من المحتمل أن تكون هناك استطلاعات للرأي في وقت مبكر. ولكن يجب أن أقول إن استغلال عملية عفرين في انتخابات مبكرة لن يكون صحيحاً. هذه العملية يقوم بها جيش هذا الشعب وليس من قبل حزب العدالة والتنمية. هذا هو نضال تركيا».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.