لاغارد: مؤتمر مراكش سيناقش إجراءات لإطلاق إمكانات العالم العربي

مديرة صندوق النقد الدولي قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه يجب دعم زيادة مساهمة النساء في الاقتصاد

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
TT

لاغارد: مؤتمر مراكش سيناقش إجراءات لإطلاق إمكانات العالم العربي

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد

تولي كريستين لاغارد مدير صندوق النقد الدولي، اهتماما كبيرا بمؤتمر «الازدهار للجميع... تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي» الذي ينظمه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع الحكومة المغربية ووزارة الاقتصاد والمالية وصندوق النقد العربي والصندوق العربي لإنماء الاقتصادي والاجتماعي في مراكش اليوم وغدا، وتركز فيه على قضيتين أساسيتين هما النمو والوظائف.
وتطالب لاغارد في حوارها الخاص مع «الشرق الأوسط» صناع السياسات في العالم العربي بالاهتمام بإطلاق طاقات الشباب والمرأة وتحسين جودة التعليم وتذليل العقبات التي تواجه القطاع الخاص ليتمكن من خلق الوظائف التي تحتاجها المنطقة العربية.
وتشير إلى مشكلة البطالة وارتفاع مستويات الفساد وانخفاض القروض المقدمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة العربية بما يصل إلى 2 في المائة فقط من إجمالي الناتج القومي.
وتتطرق مدير صندوق النقد الدولي إلى التحديات التي تمر بها دول مثل تونس والأردن والمغرب ومصر، وتبدي تفاؤلا نظرا لحجم الفرص التي اغتنمتها بعض الدول لجلب الاستثمار، مثل المغرب الذي اتخذ خطوات لتنفيذ الإصلاحات وخفض معدلات البطالة، وما قام به الأردن من إصلاحات لخفض الدين العام، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية لتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز ثقة المستثمرين، لكنها أشارت إلى أهمية إلغاء دعم الوقود كأولوية في برنامج الإصلاح المصري، وإلى ضرورة خفض نسب الدين العام لدي دول المنطقة العربية بصفة عامة.
ومع انشغال الأسواق المالية بالعملات الرقمية الجديدة مثل بيتكوين، أشارت لاغارد إلى منافع ومخاطر كثيرة لهذه العملات الرقمية.

> تعقدون مؤتمرا في مراكش اليوم وغدا في فترة من التوترات والاضطرابات السياسية في المنطقة العربية. ما الذي تسعون إلى تحقيقه؟
- يُعقَد المؤتمر في فترة حرجة تمر بها المنطقة. فالشعوب لديها شعور مفهوم بالإحباط؛ حيث مضت سبع سنوات منذ الربيع العربي وكثير من تطلعاتهم الاقتصادية وغير الاقتصادية لم تتحقق. ولا يزال ربع الشباب وربع النساء عاطلين عن العمل. ويتشارك الصندوق مع الحكومة المغربية، وصندوق النقد العربي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لعقد هذا المؤتمر من أجل مناقشة الخطوات العملية الممكنة بشأن قضيتين أساسيتين: الوظائف والنمو. وأتوقع أن تثمر المناقشات أفكاراً عن كيفية التعجيل بإحداث التحول المطلوب في الاقتصادات العربية، وكيفية تشجيع الابتكار والشفافية لإطلاق إمكانات الاقتصاد في المنطقة.
> يركز المؤتمر على النمو المستدام والاحتوائي، فما هي توصيات الصندوق لبلدان المنطقة من أجل حماية الإنفاق الاجتماعي؟
- عانت المنطقة من صدمات خارجية كثيرة طوال سنوات؛ فقد تأثرت بالصراعات المطولة وأعمال الإرهاب وانخفاض أسعار النفط والاضطرابات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، وهو الشريك التجاري الأساسي للمنطقة.
وأدت هذه الصدمات إلى تفاقم مشكلات طويلة الأمد مثل تضخم حجم القطاع العام (حيث يؤمِّن القطاع العام وظيفة من كل خمس وظائف)، وارتفاع الدين، واستشراء الفساد، وارتفاع البطالة. كل هذا لم يتسبب في تثبيط الاستثمار وارتفاع البطالة فحسب، إنما أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في التمويل الحكومي للبرامج الاجتماعية الموجهة لحماية محدودي الدخل.
وبالطبع فإن النموذج الذي تتاح فيه فرص محدودة لمعظم أفراد المجتمع ولا يحصل فيه على الموارد إلا قلة محظوظة منهم، هو نموذج غير قابل للاستمرار. ويجب حل هذه القضايا بالانتقال إلى نموذج نمو أكثر احتواءً للجميع. ويتطلب هذا مفاضلات صعبة، ولكنها لازمة لزيادة الإنفاق الاجتماعي والموارد العامة. والنتيجة الوحيدة لتأخير هذه الإصلاحات هي استمرار ارتفاع التكاليف وتحميلها للأجيال القادمة.
وقد عملنا مع شركائنا في المنطقة للتأكد من أن الإصلاحات متوازنة اجتماعياً ولإرساء برامج تَحُول دون تحميل الفقراء عبء الإصلاحات. وتختلف هذه البرامج من بلد إلى آخر، تبعا لظروفه الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين الإجراءات في هذا الصدد تقديم مساعدات اجتماعية للمستحقين بالتوازي مع الإصلاحات الضريبية، والحفاظ على حد أدنى من الإنفاق الموجه لتغطية تكاليف العجز والمرض والشيخوخة والأسر والأطفال والمسكن، بالإضافة إلى أعمال البحث والتطوير في مجال الحماية الاجتماعية. وهناك إجراءات إضافية تتعلق بالمرأة أيضاً، ومنها تيسير الحصول على التمويل وتخفيض تكاليف إجراءات الموافقة على الاستثمارات التي تساعد على خلق فرص العمل.
> كيف يمكن لدول المنطقة زيادة الفرص للنساء والشباب؟
- خلق الفرص للشباب والنساء يأتي على رأس الأولويات. فالشباب دون سن الثلاثين يشكلون 60 في المائة من مجموع سكان المنطقة. وسيصل أكثر من 52 مليون نسمة إلى سن العمل في غضون الخمس سنوات القادمة، منهم أكثر من 27 مليون نسمة سينضمون إلى سوق العمل. وأمام حكومات المنطقة فرصة هائلة للاستفادة من هذه الإمكانات الضخمة التي تنتظر إطلاقها.
أولا: ينبغي لصناع السياسات الاستثمار في تعزيز مهارات الأفراد، عن طريق تحسين جودة التعليم. ويتضمن هذا تطويع التعليم لاحتياجات القطاع الخاص، وزيادة فرص الحصول على التدريب المهني والتلمذة الصناعية والتدريب العملي الداخلي والاستشارات الوظيفية وخدمات التسكين الوظيفي.
ثانيا: يجب أن تدعم الحكومات زيادة مساهمة النساء في الاقتصاد، الأمر الذي يحقق منافع اقتصادية جمة ويساعد على تخفيض مستوى الفقر. وقد يتضمن ذلك إجراءات مثل ساعات العمل المرنة، وزيادة فرص الحصول على خدمات رعاية الطفل، وتوفير شبكات للنقل العام تتسم بالكفاءة وانخفاض التكلفة، وإتاحة خيارات لخفض تكاليف الأجور عن وظائف القطاع الرسمي التي تشغلها المرأة. وهذه الأنواع من الإجراءات الداعمة لمشاركة المرأة في سوق العمل مدرجة بالفعل في برامج السياسات الاقتصادية لدى بلدان يدعمها الصندوق، مثل الأردن ومصر.
وفي مراكش، سنناقش اليوم هذه القضايا مع مجموعة بارزة من القيادات النسائية والشابة في المنطقة. وقد أطلقنا قبل المؤتمر حملة الشباب العربي للابتكار التي تسعى لتسليط الضوء على الفكر الابتكاري لدى الشباب العربي وما يقدمونه من أفكار رائدة للتغلب على العقبات.
> تعد البطالة في معظم البلدان العربية من بين أعلى المستويات في العالم. ما هي الخطوات التي ينبغي أن تتخذها الحكومات لتشجيع رواد الأعمال وتمهيد الطريق لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
- من الواضح أن القطاع العام لا يستطيع خلق عدد الوظائف التي تحتاجها المنطقة. ويجب سد هذه الفجوة من خلال القطاع الخاص. ولتشجيع وجود قطاع خاص ديناميكي وحيوي، يتعين العمل على عدة جبهات، مثل تبسيط القواعد التنظيمية وتحسين كفاءة أسواق العمل.
ومن الملاحظ أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة لا تنشئ وظائف كافية في الوقت الراهن لأنها لا تستطيع الحصول على التمويل والاستثمارات والتكنولوجيا، مما يضيع عليها فرصة المشاركة في الأسواق العالمية. وتمثل القروض المقدمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة 2 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بنسبة 15 في المائة في آسيا الصاعدة و18 في المائة في أوروبا الصاعدة.
وتعتبر مكافحة الفساد توجهاً مهماً آخر يساهم في تشجيع نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فطبقا لمؤشر منظمة الشفافية الدولية المعني بالفساد، بالإضافة إلى مسح أجراه البنك الدولي، يبلغ الفساد المتصور في المنطقة ثاني أعلى المستويات في العالم كما أن 55 في المائة من الشركات تعتبر الفساد عقبة أساسية أمام الأعمال في المنطقة.
وبالتالي، فمن المؤكد أن القطاع الخاص يمكنه المساعدة. ولنأخذ المغرب على سبيل المثال. فقد نجح المغرب في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وأنشأ مدارس للتدريب المهني وأعطى العمالة المهارات المطلوبة في قطاعات ديناميكية كصناعة السيارات والطائرات. ويتطلع الآن إلى مزيد من التوسع باستخدام التكنولوجيا.
> نزل الناس إلى الشوارع في تونس للاحتجاج على الأحوال الاقتصادية الصعبة بعد سبعة أعوام من الربيع العربي. ما رأي الصندوق؟
- شعور الشعب التونسي بالإحباط مفهوم. فهم يريدون فرص عمل وحياة أفضل لأنفسهم ولأسرهم، كما يريدون العدالة. والحكومة تريد كل هذه الأمور أيضاً، كما نريدها نحن في الصندوق. ونحن نعتقد أن الإصلاحات الاقتصادية بالغة الأهمية لتحقيق هذه الأهداف.
ولننظر فيما تمر به تونس حالياً. فتونس تواجه تحديات بالغة التعقيد والصعوبة - من النمو المنخفض إلى البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب والنساء، إلى الفساد والهجمات الإرهابية التي ألحقت ضرراً بالغاً بالسياحة. فكيف تبدأ في حلحلة هذه المشكلات؟
تونس تنفق الكثير على رواتب القطاع العام. وتكلفة الأجور هذه، التي تبلغ 14.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وحوالي نصف الإنفاق الكلي، تعتبر من أعلى المستويات في العالم. فالقطاع العام في تونس يؤمِّن وظيفة من كل خمس وظائف.
وحين تنظر إلى الدين العام الداخلي والخارجي، تجد أن كليهما زاد بمقدار الضعف تقريباً منذ عام 2010 (من 39 في المائة إلى 70 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في حالة الدين الداخلي، ومن 49 في المائة إلى 80 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في حالة الدين الخارجي). ووصل التضخم إلى 6.4 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، صعوداً من 5.5 في المائة في يونيو (حزيران) 2017. مقارنة بنسبة 0.6 في المائة في المغرب في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كذلك وصلت الاحتياطيات إلى مستويات بالغة الانخفاض. وتشير هذه الأرقام إلى أهمية تنفيذ الإصلاحات، مع حماية شرائح المجتمع الأقل دخلاً.
إذن تمويل الصندوق في تونس يتيح متنفساً يسمح بإبطاء سرعة تخفيض الإنفاق ويساعد على زيادة الإيرادات الضريبية بصورة عادلة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نركز على ضرورة أن تكون الإصلاحات متوازنة اجتماعياً وجيدة التصميم بما يجنِّب الفقراء تحمل الأعباء المصاحبة. ويتضمن هذا الحفاظ على دعم المنتجات الغذائية الأساسية وزيادة الضرائب على السلع التي يستهلك معظمها الأثرياء. وقد حاولنا التأكد أيضاً من أن خفض التوظيف في القطاع العام يعتمد على نظام المغادرة الطوعية والتقاعد المبكر بدلاً من التسريح الإجباري.
وبالإضافة إلى ذلك، نساعد تونس في مكافحة الفساد. فالبرنامج الذي يدعمه الصندوق يتضمن إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة، واعتماد قانون أساسي للميزانية من شأنه زيادة الشفافية، واتخاذ إجراءات لتعزيز الإدارة الضريبية. وقد كانت جهودنا فعالة أيضاً في تحفيز الدعم الخارجي ونواصل حث شركاء تونس الدوليين على زيادة مساعداتهم لها وهي تجتاز هذه الفترة الانتقالية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
> إلى أي مدى تساهم البرامج المطبقة في بلدان مثل مصر والأردن والمغرب وتونس في تحقيق النمو وخلق الوظائف؟
- الوظائف تأتي مع النمو الاقتصادي. والنمو يأتي مع تحسن ثقة الأعمال والمستثمرين، وهو ما يأتي بدوره عندما تحقق البلدان الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية الإصلاحات. وحتى تنجح برامج الإصلاح، ينبغي أن يكون تصميمها مراعياً لظروف البلد المعني وأن تتبناها حكومته بصورة كاملة. ومن المهم أيضاً أن تُراعي هذه البرامج الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة، ونحن نحرص دائماً على أخذ هذا الجانب في الاعتبار. وكمثال للمساعدة التي يمكن أن تقدمها البرامج المدعومة من الصندوق، توجد حالات يصل فيها الدين العام إلى مستوى مرتفع ومتزايد، كما هي الحال في تونس ومصر، وفيها نقدم التمويل بما يتيح الفرصة لاتباع وتيرة أكثر تدرجاً في تطبيق الإصلاحات وبأسعار فائدة أقل مما يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى. وقد ذكرت منذ قليل كيف أن الصندوق في شراكة مع تونس لدعم اقتصادها.
وفي مصر، ستؤدي الإجراءات المتخذة لتحسين بيئة الاستثمار، كإصدار القانونين الجديدين للاستثمار ومنح التراخيص الصناعية، إلى تعزيز ثقة المستثمرين وزيادة فرص العمل في القطاع الخاص. ومن مقومات البرنامج أيضاً توفير غطاء قوي من الحماية الاجتماعية، كالتوسع في برامج التحويلات النقدية الموجهة للأسر محدودة الدخل، وتعزيز خدمات رعاية الطفل، وإدخال تحسينات على منظومة النقل العالم بما يساعد عدداً أكبر من النساء على الانضمام إلى سوق العمل.
ويقوم الأردن بتنفيذ حزمة إصلاحات تدريجية ومطردة لتخفيض الدين العام المرتفع. وقد أوصينا أيضاً بتعزيز بيئة الأعمال، وخاصة للشركات الصغيرة، وتشجيع التوظيف.
والمغرب يسير على المسار الصحيح. فهو يخطو خطوات واسعة في تنفيذ الإصلاحات ووضع الأساس لنمو أعلى وأكثر احتواءً لكل شرائح المجتمع. وقد عملنا مع المغرب من خلال قنوات مختلفة، منها المساعدة الفنية، والدعم باستخدام «خط الوقاية والمرونة» (PLL)، والحوار بشأن السياسات عن طريق الرقابة. وتركز مشورتنا بشأن السياسات على دعم الإصلاحات لتخفيض عبء الدين العام، والحفاظ على الإنفاق الداعم للنمو وللفقراء، ومساندة سياسات الحكومة لتخفيض البطالة من أكثر من 10 في المائة اليوم إلى 8.5 في المائة في 2021. ومساعدتها في العمل التحضيري اللازم للانتقال إلى نظام صرف أكثر مرونة، وهو ما أُعلِن في 21 يناير (كانون الثاني).
> تهدف السلطات المصرية إلى وضع الدين الحكومي على مسار تنازلي، لكن تحقيق هذا الهدف محاط بالمخاطر، نظرا للارتفاع المتوقع في أسعار النفط. فهل سيظل من الضروري الاستمرار في رفع الدعم عن الوقود؟
- أود أن أقول في البداية إن السلطات المصرية اتخذت خطوات جريئة لإصلاح الاقتصاد. وكما تعلمون، فإن الدين العام مرتفع في مصر ومن بين الأهداف المقررة إرساء هذا الدين على مسار تنازلي واضح، وخلق حيز للإنفاق الاجتماعي الموجَّه للمستحقين.
وتتمثل الإجراءات الأساسية الخافضة للعجز في رفع ضريبة القيمة المضافة، ومواصلة إصلاحات دعم الطاقة، وكبح الأجور. ولكن الميزانية تتضمن مكوناً اجتماعياً قوياً أيضا لتخفيف عبء الإصلاح عن الفقراء. ويعد إلغاء دعم الوقود من أهم الأولويات لأن الميسورين هم من يستفيدون بمعظمه. والهدف هو أن تصبح الأسعار مع نهاية البرنامج انعكاساً صادقاً للتكاليف الحقيقية، مما سيفسح المجال أمام الإنفاق الضروري على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
> هل تعتبر نسب الدين العام آمنة في المنطقة العربية؟
- ارتفاع الدين يترتب عليه انخفاض في النمو والتوظيف. وتوجد في بلدان المنطقة نسب دين من أعلى النسب على مستوى العالم. وقد بذلت الحكومات جهودا لتخفيض العجز مؤخرا، ولكن تركة الإنفاق العام المرتفع وتعبئة الإيرادات الضعيفة أسفرت عن مستويات دين يبلغ متوسطها 80 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان العربية المستوردة للنفط. وتؤدي خدمة هذه الديون إلى استنزاف الموارد التي كان يمكن توجيهها لتمويل البرامج الاجتماعية الحيوية والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية. ومن هنا تأتي أهمية تخفيض الدين. والتحدي الراهن هو إنجاز هذه المهمة على نحو يدعم النمو ويتسم بالتوازن والعدالة والإنصاف.
> ما هو تأثير زيادات أسعار النفط على الاقتصادات العربية؟
- تبلغ أسعار النفط حالياً حوالي 65 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى بلغته منذ عام 2016. مع ارتفاع توقعات السوق الحالية للأسعار في 2018 و2019 مقارنة بتوقعات الصندوق. وقد ساهم ذلك في رفع النمو المتوقع لعام 2018، كما سيساعد على تخفيف بعض التحديات الاقتصادية التي تواجه البلدان المصدرة للنفط.
على سبيل المثال، رفعنا توقعاتنا للنمو في المملكة العربية السعودية من 1.1 في المائة إلى 1.6 في المائة لهذا العام. ومع ذلك، تشير أسعار العقود الآجلة إلى أن السوق تتوقع عودة أسعار النفط إلى الانخفاض مسجلة 55 دولاراً على المدى المتوسط، ولذلك يظل من الضروري أن تواصل هذه البلدان جهودها لإصلاح اقتصاداتها وتنويع نشاطها الاقتصادي.
وبالمثل، تحسنت الآفاق المتوقعة للبلدان المستوردة للنفط رغم ارتفاع أسعار النفط. ويرجع ذلك جزئياً إلى الدفعة التي تلقتها من تحسن النمو العالمي وساهمت في رفع أسعار النفط، ومن ثمار الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها بالفعل. وعلى وجه الإجمال، ستتوافر لهذه البلدان الحماية من تقلب أسعار النفط عندما تستكمل إصلاحات الطاقة وتؤمِّن نظماً للتعويضات الموجهة للأقل دخلاً.
> كيف ترين تأثير العملات الرقمية مثل بيتكوين على الاقتصادات العربية؟
- لقد نظرنا في مسألة العملات الرقمية بشكل عام، دون تقييمات تتعلق بمناطق معينة. ونرى أن هناك منافع قد تحققها العملات المشفرة، والتكنولوجيات التي تقوم عليها، ومنها تشجيع الشمول المالي ورفع كفاءة عمليات الدفع والتسوية.
لكن هذه العملات يمكن أن تشكل مخاطر كبيرة باعتبارها أدوات محتملة لغسل الأموال، وتمويل الإرهاب، والتهرب الضريبي، والاحتيال.
ونحن نرى أن العملات المشفرة (بما في ذلك عمليات الطرح الأولى للعملات الافتراضية) ينبغي أن تخضع لإجراءات تنظيمية ورقابية ملائمة. ومن أهم التحديات التي ستواجه السلطات في أي بلد، كيفية احتواء المخاطر دون خنق الابتكار. ويمكنها اعتماد مناهج تنظيمية ورقابية محددة في التعامل مع العملات المشفرة بناءً على تقييمها للمخاطر. وسيكون من الضروري في هذا الصدد زيادة المناقشات وتوثيق التعاون على الصعيد الدولي.
> هل ستصبح حقوق السحب الخاصة SDR رقمية؟
- ما ننظر فيه حالياً هو كيفية الاستفادة من التكنولوجيا في جعل «حقوق السحب الخاصة» (SDR)، (تلك العملة الخاصة التي أنشأها الصندوق)، أكثر كفاءة وأقل تكلفة. ويستخدم الصندوق حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي دولي، وهي وحدة الحساب التي يستخدمها الصندوق وبعض المنظمات الدولية الأخرى. وتستخدم حقوق السحب الخاصة أيضاً في اتفاقات التمويل التي يعقدها الصندوق مع بلدانه الأعضاء.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.