«آلة الاغتيالات» الإسرائيلية: عندما يصير العنف باسم الدفاع عن النفس غايةً وإدماناً

ياسر عرفات  -  أبو جهاد  -  الشيخ ياسين
ياسر عرفات - أبو جهاد - الشيخ ياسين
TT

«آلة الاغتيالات» الإسرائيلية: عندما يصير العنف باسم الدفاع عن النفس غايةً وإدماناً

ياسر عرفات  -  أبو جهاد  -  الشيخ ياسين
ياسر عرفات - أبو جهاد - الشيخ ياسين

قال شيشرون، الخطيب الروماني القديم: «في أوقات الحرب، تلزم القوانين الصمت». عندما تواجه الدول تهديداً وجودياً حقيقياً لبقائها على قيد الحياة فإن أكثر الدول ديمقراطية تخوّل لنفسها استخدام العنف من دون ضابط ذاتي أو قانوني. ولكن إلى أي نقطة يصبح العنف باسم الدفاع عن النفس غايةً في حد ذاتها، بالغاً حد الإدمان لممارسيه، والذين يتمكنون من أدواته ببراعة فائقة بمرور الوقت، لدرجة أنه يقوّض القيم الأساسية التي يُستخدم العنف في الدفاع عنها؟
ويجسّد هذا التساؤل التيمة الرئيسية لتأريخ رونين بيرغمان الموثوق والشامل لاغتيال إسرائيل الممنهج والمستهدف لأعدائها، والذي يصفه بقوله «أقوى آلة للاغتيالات عُرفت في التاريخ».
منذ الحرب العالمية الثانية، كما يقدر بيرغمان، تمكنت الدولة العبرية والمنظمات شبه العسكرية المتفرعة عنها من اغتيال المزيد من الناس بأكثر مما تمكنت أي دولة أخرى في العالم الغربي، إذ بلغ عددهم نحو 2300 شخص راحوا ضحية «عمليات الاغتيال المستهدف». وكان أغلب هذه العمليات موجهاً ضد الفلسطينيين، ولكنها شملت كذلك بعض المصريين، والسوريين، والإيرانيين، وغيرهم. ولحقت دول غربية أخرى بذات المسار الملطخ بالدماء؛ إذ صدّق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على تنفيذ 353 عملية اغتيال باستخدام الطائرات المسيّرة (من دون طيار) ضد أشخاص معينين خلال 8 سنوات من رئاسته للولايات المتحدة الأميركية.
كانت التهديدات التي واجهت دولة إسرائيل حقيقية وواقعية. ومنذ ما قبل إعلان قيام دولة إسرائيل، استهدفت مجموعات (فلسطينية عربية أو مؤيدة لها)... أهدافاً مدنية، مثل المدارس، والمقاهي، والمتاجر، وحافلات الركاب، والطائرات التجارية، وحتى احتفالية عشاء عيد الفصح التي حضرها عشرات المسنين اليهود لم تسلم من استهداف المسلحين والانتحاريين... وتصوروا مدى السرعة والوحشية التي كانت سترد بها الولايات المتحدة إن حاولت عصابة من الإرهابيين من كندا إلحاق الأذى بحضانة لرياض الأطفال في مدينة ديترويت. في واقع الأمر، ليست هناك حاجة إلى التخيل؛ ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لعام 2001، قذفت الولايات المتحدة بدليل حقوق الإنسان من النافذة، واندفعت في موجة عاصفة من عمليات القتل المستهدف، والاختطافات، والتعذيب، والاعتقال لفترات مفتوحة من دون محاكمات، كانت كلها تعكس حالة الانتقام الثأرية تحت شعار الحيلولة دون وقوع هجمات مستقبلية.
ولقد اكتسب القادة في إسرائيل سمعة عالمية من الكفاءة التي لا تعرف الرحمة، اعترافاً منهم وتبجيلاً بالتكليف التلمودي الذي ينص على أنه «إن جاء أحدهم ليقتلك، قم واقتله أولاً». ومن ثم، كما يقول بيرغمان، صارت عمليات الاغتيال السرية خلف خطوط العدو هي «المبدأ الأساسي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية».
وتحت مسمى أمن الدولة، لم يُكلف المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم عبء التزام المسارات القانونية أو الشرعية، بل ألقوا بها تحت أقدامهم منطلقين في طريقهم المرسوم. وكما يقول بيرغمان في كتابه «لم تكن عمليات الإعدام ذات الإجراءات الموجزة بحق المشتبه فيهم الذين لا يشكلون تهديدات مباشرة، وانتهكت قوانين دولة إسرائيل وقواعد الحرب -من قبيل الأعمال المارقة من حفنة من المسلحين الموتورين. بل كانت عمليات اغتيال تُنفّذ على نحو رسمي خارج نطاق القانون».
يُذكر أن رونين بيرغمان، كبير المراسلين العسكريين لدى صحيفة «يديعوت أحرونوت» اليومية البارزة والأكثر انتشاراً في المجتمع الإسرائيلي، يحظى بسمعة طيبة كصحافي لا يعرف الكلل أو الملل، وهو الذي تكونت لديه دائرة موسعة وعميقة من المصادر المطلعة داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية على مدى السنوات العشرين الماضية. وهو يحتل موقعاً مميزاً، إذ يحصل المراسلون العسكريون على إحاطات إعلامية منتظمة من كبار المسؤولين الدفاعيين في البلاد، ولكن يتعين عليهم رفعها قبل نشرها إلى مكتب الرقابة العسكرية، والذي في غالب الأمر يستأصل الكثير من المحتويات المهمة. غير أن بيرغمان يملك حيال ذلك سلاحاً خفياً: صلات وثيقة بحفنة من الشخصيات النافذة الثرثارة (أجل، كانوا جميعاً من الرجل مع استثناء وحيد يدعى غولدا مائير). وكان من الواضح امتلاكه للمصادر الممتازة في المكونات الثلاثة الرئيسية لآلة الاغتيالات الإسرائيلية المروعة: مديرية الاستخبارات العسكرية، وجهاز الموساد، وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت). ويكتب بيرغمان قائلاً عن ذلك: «من ناحية، كان جُل ما يتعلق في البلاد بعالم الاستخبارات والأمن القومي يحمل شعار (سري للغاية). ومن ناحية أخرى، كان الجميع يرغبون في الحديث عن إنجازاتهم».
وكان الانطباع العام يوحي بقدر كبير من الأمراء المحاربين الذين يحظون بمزيد من الذكاء، والتفاني، والصلاح الذاتي، والحكمة الرفيعة ممن يسعون جاهدين لاستحداث أساليب جديدة ومبتكرة في تحديد واغتيال أعدائهم، على قناعة ذاتية راسخة بأنهم ليسوا الأفضل فقط في مجال عملهم، ولكنهم الأكثر أخلاقية فيما يفعلون. ويا لشدة ما يتألمون للأبرياء من المدنيين الذين يسقطون إلى جانب أعدائهم، غير أنهم سرعان ما يجدون المبررات المسوغة لأفعالهم ويحسنون تغطية حساباتهم الخاطئة والتي ربما تكون مسببة للحرج في بعض الأحيان.
والعديد من القصص التي يطرحها بيرغمان في كتابه ليست جديدة على المجال العام، غير أنه يزخرفها بتفاصيل غير مروية من قبل. ومع ذلك، تبدأ الروايات بعد فترة من الوقت في التماس سبيل الغموض وتتحول فصول الكتاب إلى ما يشبه محاضر تحقيقات الشرطة المثيرة للضجر. وينبغي أن يُطلق عليها حرفياً «أعظم الاغتيالات في تاريخ إسرائيل».
كانت هناك انتصارات لا يعرف الجميع عنها شيئاً. فلقد ساعدت حملة الاغتيالات السرية التي نفذتها دولة إسرائيل ضد علماء الذرة الألمان الذين كانوا يعملون في مصر في خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي، إلى جانب علماء الذرة الإيرانيين خلال العقد الماضي وحده، في إعاقة تطوير برامج الأسلحة النووية لدى البلدين. وأسفرت عمليات استهداف الرجال الذين اغتالوا 11 رياضياً من أفراد البعثة الأولمبية الإسرائيلية في دورة ميونيخ للألعاب الأولمبية عام 1972 عن اتخاذ زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات قراره بوقف عمليات تنظيم «أيلول الأسود» بصفة نهائية. وكانت عملية القوات الخاصة الشهيرة في عام 1976 والتي أسفرت عن إنقاذ 102 رهينة إسرائيلية في مطار عنتيبي الأوغندي من أكثر العمليات العسكرية جرأة وشهرة وفعالية.
بيد أن العديد من النجاحات الكبيرة كانت تستلزم تكاليف باهظة وكبيرة. على سبيل المثال، في أبريل (نيسان) عام 1988، خلال الأيام المبكرة من الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، استهدف القادة الإسرائيليون «خليل الوزير»، والمعروف إعلامياً باسم «أبو جهاد»، وكان الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، وزعيمها ياسر عرفات، ورئيس الجناح العسكري في حركة «فتح»، إذ هبطت فرقة من القوات الخاصة الإسرائيلية سراً على أحد الشواطئ التونسية، وواصل أفرادها طريقهم صوب فيلا «أبو جهاد»، وأطلقوا عليه 52 رصاصة داخل غرفة نومه على مرأى ومسمع من زوجته. وكان هدف العملية تقويض الانتفاضة المندلعة في الأراضي المحتلة من خلال القضاء على زعيم بارز وكبير في منظمة التحرير الفلسطينية (...). ولكن بيرغمان يقول إن العملية عادت بأثر عكسي غير المنتظر منها تماماً، إذ أدت إلى إضعاف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج ولكنها عززت كثيراً من اللجان الشعبية في الأراضي المحتلة والذين كانوا القادة الحقيقيين للانتفاضة على الأرض. كما ينقل بيرغمان مقولات عن بعض المسؤولين الإسرائيليين الذين يعتقدون الآن في المساهمات الكبيرة والمؤثرة التي كان «أبو جهاد» قادراً عليها إن بقي على قيد الحياة.
وأصبح اغتيال «أبو جهاد»، كما يقول بيرغمان، واحداً من سلسلة ممتدة من النجاحات التكتيكية المثيرة للإعجاب، ولكنه يعكس في نفس الوقت الفشل الاستراتيجي الكارثي الذريع. ويواصل بيرغمان حديثه قائلاً إن عملية الاغتيال التي نُفذت في غزة عام 2004 واستهدفت الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس» الأصولية المتشددة، قد فتحت الأبواب أمام المزيد من التدخلات الإيرانية الكبيرة لدى المتطرفين الإسلامويين في الأراضي المحتلة. كما أسفرت العمليات العسكرية ضد عناصر تنظيم «حزب الله» اللبناني في عام 2006 عن توطيد مكانة ونفوذ حسن نصر الله، الزعيم الراديكالي للتنظيم.
يرسم بيرغمان لوحة تقشعرّ لها الأبدان حول تطور برنامج الاغتيالات الإسرائيلية، مع امتلاك العناصر الإسرائيلية المزيد من المهارة في استهداف واغتيال الأهداف باستخدام السيارات المفخخة، والرسائل البريدية المفخخة، والغارات الجوية، والأجهزة المتفجرة الملحقة بالسيارات بواسطة عناصر الاغتيال على الدراجات البخارية، وحتى الحلوى المسمومة (ولكن هذا الأسلوب في الاغتيال فشل، لأن الهدف المقصود لم يكن من محبي الحلوى). وفي بادئ الأمر، كانت كل عملية اغتيال مقترحة تستلزم «ورقة حمراء» ممهورة بتوقيع رئيس وزراء إسرائيل. ولكن مع طول الوقت الذي تستغرقه عملية الموافقة، تمكن قادة الأجهزة السرية من الالتفاف على الأمر من خلال «إطلاق مسمى مغاير على الاغتيال، وبالتالي يمكن إدراجه تحت بروتوكول مختلف لصنع القرار». واستُكملت أركان البرنامج عن طريق المفردات الأورويلية الخاصة، إذ حمل اغتيال المدنيين الأبرياء مسمى «الأضرار العرضية»، في حين أن عمليات الاغتيالات ذاتها باتت تُعرف باسم «الأعمال الوقائية المستهدفة».
ومع نهاية الكتاب، يشير بيرغمان إلى الاحتمال المثير للقلق الذي سمح به رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، باغتيال ياسر عرفات، الذي وافته المنية عام 2004 إثر إصابته «بمرض معوي غامض». يقول بيرغمان إنه حتى وإن كان على دراية بما حدث فلن يستطيع الكتابة عن الحقيقة نظراً إلى أن الرقيب العسكري في إسرائيل يمنعه من مجرد مناقشة هذا الموضوع تماماً.
وكثيراً ما يقول بيرغمان إن القادة الإسرائيليين يقضون حياتهم المهنية في محاولات مضنية للتفوق بعضهم على بعض في ابتكار الأساليب الجديدة للقضاء على أعداء إسرائيل، حتى يصيبهم الندم العميق لقصر النظر الذي كان يعتريهم فور مغادرتهم مهام مناصبهم. فلقد كان مائير داغان أحد أكثر المحاربين المتحمسين في الأجهزة السرية الإسرائيلية في أثناء رئاسته لجهاز الموساد، ثم أصبح من أبرز نقاد الحكومة ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد خروجه من الخدمة في عام 2011. وفي مسيرة سياسية معارضة شهدتها شوارع العاصمة تل أبيب قبل الانتخابات العامة في مارس (آذار) لعام 2015، أعلن داغان قائلاً: «أعتقد أن الوقت قد حان لكي نستيقظ، وآمل أن يتوقف المواطنون الإسرائيليون عن أن يقعوا رهينة للخوف والقلق الذي بات يهدد حياتنا ليل نهار». ثم فاز بنيامين نتنياهو في إعادة الانتخاب. ولقي داغان منيته في عام 2016 إثر إصابته بمرض السرطان. ولا يزال صراع المائة عام بين العرب واليهود مستمراً بلا توقف في حرب لا تستشرف في أفق الأيام نهايةً قريبةً بحال.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.