شوقي بزيع لـ «الشرق الأوسط»: لو استطعت لحذفت ثلث نتاجي الشعري

بعد فوزه بجائزة «سلطان العويس» وديوانه «الحياة كما لم تحدث»

شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
TT

شوقي بزيع لـ «الشرق الأوسط»: لو استطعت لحذفت ثلث نتاجي الشعري

شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة

هو من شعراء جيل السبعينات، ومَن أطلق عليهم في لبنان اسم «شعراء الجنوب»، يوم كان هناك «شعراء المقاومة»، و«شعراء القومية»، و«شعراء الثورة» وكثرت الشعارات والنضالات. لكن شوقي بزيع، كما غيره، ممن أجروا مراجعات جذرية، انتقل تدريجياً إلى مقلب آخر ومدرسة أخرى في الرؤية لمساره الشعري. من شاعر المرأة وفلسطين والجنوب إلى قراءة الذات والعالم، وجوائز بينها «عكاظ» وأخيراً «سلطان العويس»، وتكريم في مهرجانات، يبدو شوقي بزيع اليوم، في حالة مراجعة ثالثة لمسار يكاد يلخص سنوات تمفصلت مع أصعب المرحل العربية وأكثرها تعقيداً، من يوم صدور ديوانه الأول «عناوين سريعة لوطن مقتول» عام 1978 إلى ديوانه الأخير «الحياة كما لم تحدث».

> كيف ينظر شوقي بزيع اليوم إلى مراحل أحرقت ومفاصل تجاوزها، في زمن كل سنة فيه أشبه بعمر؟
- جيلي وُلِد على مفترقات خطرة من الآيديولوجيات والمصائر الجماعية، ليس فقط على الصعيد العربي بل العالمي أيضاً. جيل تلاطمت فيه الرياح بحيث كان صدى لهزائم فاجعة أبرزها هزيمة 1967، وفي الوقت ذاته، كان يبحث عن خيارات أخرى تمثلت في اليسار الجديد والالتحاق بالثورة العالمية التي كان تشي غيفارا أيقونتها. في هذه الحقبة كان تمزق بين الآيديولوجيا التي تتعامل مع الفن بوصفه في خدمة الثورات، بتأثير الواقعية الاشتراكية والسوفياتية وآخر صيحات الحداثة التي انعكست في الشعر العربي، وعالمياً عبر أحداث عدة، مثل ثورة الطلاب عام 1968 في فرنسا، والهيبيين وما تبعهم. كان العالم يعيش حالة من الفوران.
هذا كله انعكس على الشعر والأدب بالطبع، وبطرق مختلفة؛ كنا ندير آذاناً صاغية لهذه الحركات، خصوصاً أولئك الذين انتموا للجامعات اللبنانية وكلية التربية التي تحولت إلى مختبر للأفكار الوافدة والمقيمة، ومن جهة أخرى كان هناك من يدفعنا نحو كتابة الالتزام وتوظيف الشعر في خدمة القضايا الكبرى.
> وهذا ما دار حوله سجال كبير في بيروت.
- نعم، لا سيما بين مجلتي «الآداب» و«شعر». الأولى دعت للالتزام تأثراً بجان بول سارتر والتيار الوجودي، واتخذت مساراً قومياً عروبياً. و«شعر» التي اهتمت بالجماليات والإفادة من آخر صيحات الحداثة، وقصيدة النثر والتفاعل مع الثقافة الغربية. فترة غنية جداً تربينا في كنفها، وأمدتنا بروح المغامرة وحب المطالعة. ولم تكن تلك الأحلام الكبرى قد تمخضت عما آلت إليه الحرب الأهلية اللبنانية من مستوى ضحل، ولا على المستوى العالمي، من هريان وتفسخ.
> كثير من الشعراء أجروا مراجعات، وبينهم محمود درويش واتخذوا منحى آخر... كيف تنظر إلى ما كتبت في تلك الفترة؟
- قد يكون ما حدث لي أوائل السبعينات جزءاً من الإجابة عن هذا التمزق الذي عاشه جيلنا، ولم يكن حالة تخصني وحدي. كنت أتتلمذ على أدونيس وخليل حاوي ويمنى العيد وأنطون غطاس كرم وميشال عاصي، وأصوات أخرى تخرجني من نفق القصيدة العمودية التي تمرست بها، باتجاه مساحات أرحب على مستوى الكتابة الشعرية، من جهة ثانية كان انتمائي إلى أحد التنظيمات الماركسية يجعلني أذهب إلى خيار آخر، تحت ضغوط لتوظيف الشعر في خدمة الجماهير. وكانوا يتخذون من أحمد فؤاد نجم النموذج الأكمل للكتابة الشعرية. وقفت لفترة على مفترق هذين الخيارين، وأنا أعيش مرارة عالية. أنا بالمناسبة كنت أكتب بعض هتافات المظاهرات الطلابية، من بينها الهتاف الشهير «يا حرية» الذي كان جيلنا يردده، فيما كان يعرف بالهتافات الطيارة. وهذا كان محصلة طبيعية لما كان لي وفق الرفاق من موهبة يتوجب أن أستثمرها من أجل التغيير والتحريض السياسي والآيديولوجي. لكن كان لدي إحساس، بأن عليَّ أن أصغي للعصر، بأصواته الوافدة، بأساليبه، بتعقيداته، وأن أتخذ لنفسي خطاً بعيداً عن الخطابة والشعار والكتابة المباشرة. وفعلاً انتصر الخيار الثاني وتركت التنظيم الماركسي نتيجة لشعوري بالمرارة إزاء ما يطلب مني لأن الشاعر عصي على التدجين، بحاجة لكامل الحرية حين يكتب.
> هل أنت نادم على بعض ما كتبت؟
- لست نادماً على شيء كتبته لأنه يشكل جزءاً من سيرتي ووعي الذي لا يولد كاملاً، ثم إننا ننقلب على أنفسنا باستمرار. ربما لستُ مزهواً ببعض القصائد التي كتبتها في المراحل المبكرة لأنني لم أكن قد امتلكت عدتي اللغوية والأسلوبية بعد. ولو قُدّر لي الآن أن أحذف ما لا أراه جديراً بالنشر، لحذفت ثلث نتاجي الشعري، على الأقل. مع ذلك لم أفعل كما بعض أسلافي من الرواد أو الجيل اللاحق مثل أدونيس ومحمود درويش وألجأ إلى حذف مجموعتي الأولى. هذا يعود إلى أن مجموعتي الأولى «عناوين سريعة لوطن مقتول» رغم أنها صدرت في أوج الحرب، فإنها جاءت نتيجة كثير من الغربلة والتمحيص والتصفية. عشرات القصائد التي كتبتها أوائل السبعينات، لم أكن راضياً عنها وحذفتها بالكامل؛ فبدت المجموعة لا تشبه المجموعات الأولى في شيء، وهذا ينطبق على زملائي ممن سموا «شعراء الجنوب»، مثل محمد علي شمس الدين، حسن عبد الله جودت فخر الدين، وآخرين.
> الشعراء يمرون بمراحل، يعيشون منعطفات في الكتابة. لو أخذنا مجموعتك «مرثية غبار» التي جاءت بعد أربعة دواوين وخمس سنوات من الصمت، شكلت مفصلاً في مسارك الشعري، ما المفاصل الرئيسية الأخرى كما تراها اليوم؟
- من ضمن المجموعات الأربع التي صدرت قبل «مرثية الغبار»، أرى بعض القصائد لا تزال تمثلني بامتياز، وأرى أنها كُتِبت بعصب مشدود يمزج بين الغنائية السيالة والكثافة الصورية مثل قصيدة «في الشمس كالأنبياء» المعروفة باسم «يا حادي العيس» لأنها تحولت إلى أغنية. مثلاً قصيدة «أية امرأة أنت» أعتبرها من أفضل قصائد الحب التي كتبتها طيلة حياتي. قصائد من نوعية «ما قاله الرجل الذي لم يمت في الحرب الأخيرة»، التي كانت بشكل أو بآخر «العدد صفر» أو تمهيداً لـ«مرثية الغبار». أو قصائد «العائد والصوت» التي كان فيها بعد ملحمي وحشد من الصور، عندما أقرأ أُفاجأ أنا نفسي. بموازاة ذلك هناك قصائد كان فيها شيء من التعسف والتركيب الذهني، تطغى اللغة الجمالية على البعد الإنساني، وكل ما حاولته انطلاقاً من تلك الفترة أن أعثر على الوصفة السحرية التي لا أتخلى فيها عن غنائيتي، وأنا أعتبر الغنائية شرطاً للكتابة. أقصد بذلك الإيقاع بما هو تعبير عن خلجات النفس وتوترها وإبعادها وحالاتها النفسية، وهذا إيغال في العمق الإنساني. الزمن الشعري ليس تراصفياً، وإنما متداخل. شخصية مثل السومري جلجامش على سبيل المثال، أو امرئ القيس أو المتنبي أو السياب، كأنما ينتمون إلى زمن واحد على مستوى الرؤية، وعلى مستوى محاولة كشف النقاب عن أسرار الوجود.
> في كتابتك، الطبيعة هي الثابت، ليست كصور فقط، وإنما كجزء من نسيج القصيدة، ثم هناك المرأة الموجودة دائماً، مع بعض التراجع لحضورها في الدواوين الأخيرة لصالح قراءة الذات واستعادة المسار. وتقول إن المرأة كانت تعويضاً عن غائب. فهل الشعر هو عملية تعويض لغوي أو بدل عن ضائع؟ ولنقل إنه استعادة الغياب أو التقاط اللحظة الهاربة؟
- كل إبداع هو نوع من سيرة ذاتية بشكل أو بآخر. الروائيون يقرون في دواخلهم وأحياناً في مقابلاتهم، بأن أبطالهم ليسوا سوى أقنعة لهم أو قصاصات من حياتهم. لا يستطيع الفنان أن يغادر نفسه، مهما فعل. هناك فرق بين أن تكون هذه النفس منغلقة على شرنقتها، أو أن تكون جزءاً من المتحد الكوني. في كل نفس جسوم كثيرة على ما يقول عروة ابن الورد في بيته الشهير «أقسّم جسمي في جسوم كثيرة». هذا شيء طبيعي. لكن تجربتي بعد «مرثية الغبار» وأنا فرحت لأنها نالت «جائزة عكاظ»، أعتبرها قصيدة أساسية في حياتي. لكن قصيدتي ذهبت في مناحٍ شتى وكثيرة الدلالات والأبعاد. لم تذهب فقط باتجاه السيرة بقدر ما ذهبت نحو أسئلة الوجود وإقامة حوارات مع شخصيات ورموز تاريخية وأسطورية، ولكل منها وجهه الخاص، وما يميزه عن سواه في علاقته بالعالم. كتبت عن فيروز باعتبارها أيقونة الصوت، كتبت عن ديك الجن بوصفه رمزاً للحب الذي يفضي إلى جنون الغيرة ومن ثم الموت، عن يوسف بوصفه تجلياً لحالات البحث عن الجمال المطلق، واعتبرت أن هذا الجمال كامن فينا جميعاً، وأن علينا أن نعرف كيف نستخرجه وندفع ثمنه أيضاً بالهبوط إلى قاع بئر الآلام. كتبت عن سالومي التي تمثل حالة المقايضة بين الرأس والرقص، أي الجسد الأنثوي في رغباته القصوى، عن بوذا بوصفه ممثلاً لهذه المصالحة الرائعة مع الوجود التي تمثل حالة النيرفانا والاتحاد مع الكون. ولكن أقول إنني كل هؤلاء أثناء كتابتي عنهم. في إحدى لقاءات فلوبير، حين سئل عن كتابته عن مدام بوفاري قال: «مدام بوفاري هي أنا». وأنا أستطيع القول إن كل من كتبت عنهم هم أنا. بهذا المعني أومن بالحلولية وأن روح الكون يجب أن تحل في الشاعر كي يستطيع استنطاقها ويعيد تشكيلها وصياغتها مرة أخرى.
> وكأنما كل ديوان له مناخه الخاص؟
- أكثر من شخص كتب أنه كان يلفته أن كل مجموعة تصدر فيها مقاربة جديدة وإضافة إلى ما سبقها. هذا بالفعل بدأ بعد «مرثية الغبار». في «قمصان يوسف»... مناخ مختلف عن «فراديس الوحشة» أو عن «سراب المثنى» التي احتفيت فيها باللغة ليس فقط كحامل للمعنى بل بما هي المعنى بحد ذاته، أي شعرية اللغة من صرخة امرئ القيس «قفا نبكِ». واعتبرت أن الثنائيات العاشقة في صحراء العرب خرجت من رحم صرخة امرئ القيس. وكأنه لم يكن هناك اثنان يخاطبهما امرئ القيس بل هو استمرأ هذه الألف المشبعة بالحسرات وتمتد مع الصحراء العربية لتصبح نداء لغير المرئي أو للحب كحالة، وهو على طريق الروم. نداء استدعى منادى، فخرجت من أحشاء المنادي جميل بثينة، وكثير عزة وعنترة وعروة. وهذه تختلف عن «صراخ الأشجار» حيث أعتقد أن بعض النقاد قالوا إن هذه المرة الأولى التي تكتب فيها مجموعة عن الأشجار، ليس فقط كخلفية أو مادة للكتابة بل بوصفها شخصية اعتبارية قائمة بذاتها.
> القصائد تُكتب متفرقة ثم تُجمع، فهل تتقصد أن تشتغل على مناخات بعينها في كل مرة؟
- لم أكتب يوماً بناء على خطة. تكون هناك هواجس لمقترحات يقدمها اللاوعي ويطرحها علي، تبقى حبيسة المادة الخام إلى أن أشعر بأعراض الكتابة. بعد أن سكتُّ خمس سنوات في الثمانينات، صِرْت أُصاب بالسكتة الشعرية غالباً لسنتين، هذا يلحظ من تاريخ إصدار دواويني. هذه الدواوين تأتي نتيجة تخزين وقراءات متواصلة، لا أستطيع خلال هذه الفترة أن أكتب أي حرف، ثم فجأة تصيبني أعراض أُعِبِّر عنها. وقلت مرة، يجب أن نكون نساء كي نفهم ما يصيب الشاعر من أعراض الكتابة. أشعر تماماً بالمخاض، حيث أمتلئ باللغة فإما أن ألد أو أن أُصاب بمرض خطير أو أُدفَع إلى الانتحار. لا بد أن أتخفف من هذا الحمل الذي لم أعد أستطيع حبسه.
ما يجري هو أن تأتي الأفكار تباعاً، فكلما أفرغت قصيدة أشعر أنني ممتلئ بأخرى. وهكذا أكتب الديوان قصائد متتالية كدفق واحد متقطّع. في البداية كنت أكتب قصيدة ثم أصمت، في فترة أخرى صرت أكتب ديواناً ثم أصمت.
> وعلى هذا النحو كتبت ديوانك الأخير بحثاً عن «الحياة التي لم تحدث»؟
- اسمه مرتبط ببعض القصائد التي تتصدى لفكرة أن ما عشناه في الواقع، ليس هو الحياة التي كنا نرغب في أن نعيشها، وكأنما ما عشناه هو نثريات الأشياء، سقط متاع الحياة. وهذا يتوافق مع ما قاله ناظم حكمت «أجمل البحار التي لم أزرها بعد» ويتوافق نسبياً مع قول كونديرا: «الحياة هي في مكان آخر». لكن الفارق أن كونديرا يقول إن الحياة موجودة ولكن في مكان آخر. ونحن أبناء الريف حين نأتي إلى المدينة نقول دائماً إن الحياة هناك كانت أفضل وأجمل. وحين نعود إلى مساقط رؤوسنا نصاب بالخيبة، دائماً الحياة في مكان آخر. لكنني أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إن الحياة التي عشناها هي «نيجاتيف» الحياة التي يجب أن نعيشها. في ظل هذه الفكرة تمر حالات كثيرة، في قصيدة مثلاً أتحدث عن الرسائل عن البيوت التي نبنيها في زمن متأخر ونعرف أننا لن نعيش فيها طويلاً، لكننا نستعيد من خلالها الفراديس الضائعة، ومن جهة أخرى نتمرن على الموت لأنها أشبه بقبور مقلوبة. دائماً هناك عشرات الموضوعات تراودني بين ديوان وآخر، وهذا لم أكن أعيشه في تجاربي الأولى. كانت موضوعاتي موزعة بين الأرض والنساء من خلال الحديث عن الحرية أو المقاومة وهي موضوعات مهمة، لكن فيما بعد لم يعد هناك موضوع صالح للكتابة إلا وأفيد منه.
> جائزة العويس أُعطيت لك وهدى بركات وجورج قرم في وقت واحد. من ناحية نلحظ أن النخبة تخبو، ولكن من ناحية أخرى لا تزال هذه النخبة همزة وصل عربية، على ما يبدو؟
- «العويس» من أهم الجوائز العربية من حيث المصداقية. لكنني أقول إن على المبدعين ألا يكتبوا من أجل الجوائز لأن هذا يفسد العلاقة بين الكاتب واللغة. قيل لي بعد الحصول على جائزة عكاظ سنة 2010 في الطائف: ألا تخشى على شعرك أن يتراجع بسبب الجائزة؟. قلت لهم: أعطوني فرصة وسترون. ما بداخلي من قلق وهذا الارتباط العضوي (المدمر) باللغة لا يسمح لأي جائزة أن تقضي على حلمي بالمزيد من التنقيب. هذا هاجسي الأساسي. قلتُ منذ البداية: لشعر لا يحتمل أي ضرّة، لهذا تزوجتُ في الخمسين كي لا تنافس شعري المؤسسة بانشغالاتها. وابتعدت عن الوظيفة قبل التقاعد بـ25 سنة وكنتُ ملحقاً بوزارة الإعلام اللبنانية، وطلبت أن أتفرغ للكتابة وهذا ما حدث. لم أبحث عن أي منصب أو مال، كنت مسؤولاً عن صفحة ثقافية في جريدة معروفة، وأي شخص كان يتمنى هذا واستقلتُ. أخلصتُ للشعر بالشكل الطبيعي العادي، لكن في هذا الزمن المليء بالخيانات الشائعة والمتوفرة، يبدو الإخلاص عملة نادرة. وهذه دعوة للأجيال اللاحقة لأن تسير في الطريق نفسه وأبعد. أنا راضٍ عما فعلت، دون أن أكون راضياً تماماً عما أنجزتُ، لكنني على الأقل قمتُ بما في وسعي.
وبالعودة إلى جائزة «العويس» أقول إنها جاءت تكريماً لمعنى لبنان الحقيقي. لبنان الهش الذي ينكسر لأقل الأسباب، لبنان الذي يعيش في مهب السياسات المتعارضة، يبدو أن الجزء الأصلب في هذا البلد متصل بالثقافة، وهو أمر يدعو إلى الاعتزاز. لأنه للأسف في السياسة لا شيء في ظل الفساد المستشري يدعو للاعتزاز. لذا على المثقفين وحدهم أن يحسموا أمرهم ويحملوا عبء تظهير صورة لبنان الحقيقية.



العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
TT

العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

حافظ السعوديون على العادات التي كانت سائدة في الماضي بخصوص الاحتفاء بعيد الفطر، وما زالت الصورة التي رسمها الآباء والأجداد حاضرة في المشهد، ولا تكاد تختلف عن الماضي القريب باستثناء بعض الأمور الشكلية، بما تمليه المستجدات الحضارية. كما يحرص المقيمون في البلاد من المسلمين على الاحتفال بهذه المناسبة السنوية وفق عاداتهم وتقاليدهم في بلدانهم، أو مشاركة السكان في احتفالاتهم بهذه المناسبة السنوية، علماً بأن السعودية تحتضن مقيمين من نحو 100 جنسية مختلفة.

زكاة الفطر

ويستعد السكان لهذه المناسبة قبل أيام من حلول عيد الفطر، من خلال تجهيز «زكاة الفطر»، وهي شعيرة يستحب استخراجها قبل حلول العيد بيوم أو يومين، ويتم ذلك بشرائها مباشرة من محال بيع المواد الغذائية أو الباعة الجائلين، الذين ينتشرون في الأسواق أو على الطرقات ويفترشون الأرض أمام أكياس معبأة من الحبوب من قوت البلد بمقياس الصاع النبوي، الذي كان لا يتعدى القمح والزبيب، ولكن في العصر الحالي دخل الأرز كقوت وحيد لاستخراج الزكاة، التي يتم منحها لمستحقيها مناولة أو عن طريق منصة «إحسان» الحكومية.

أب يلتقط صورة لطفل العيد الماضي (تصوير: سعد الدوسري)

موائد العيد

ويحرص بعض السكان على إحياء المظاهر الاحتفالية من خلال موائد العيد بمشاركة جميع سكان الحي، وتتمثل هذه المظاهر في تخصيص أماكن بالقرب من المساجد أو الأراضي الفضاء ونصب الخيام داخلها وفرشها بالسجاد ليبدأ سكان الأحياء بُعيد الصلاة بالتجمع في هذه الأماكن وتبادل التهنئة بالعيد، ثم تناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، بعدها يتم إحضار الوجبات من المنازل أو المطابخ، التي لا تتعدى الكبسة السعودية والأكلات الشعبية الأخرى المصنوعة من القمح المحلي، وأبرزها الجريش والمرقوق والمطازيز، علماً بأن ربات البيوت يحرصن على التنسيق بينهن فيما يتعلق بهذه الأطباق لتحقيق التنوع في مائدة العيد وعدم طغيان طبق على آخر.

«الحوامة» من مظاهر العيد القديمة (تصوير: تركي العقيلي)

العيدية

ويمثل العيد لدى الأطفال مناسبة خاصة ينتظرونها لجمع ما يستطيعون من «عيديات»، لصرفها بعد ذلك في متاجر الألعاب وغيرها، في الوقت الذي تتصدر فيه أطباق الشوكولاته طاولات المجالس خلال استقبال الضيوف، بينما تحرص كثير من ربات البيوت على إعداد حلويات تقليدية، مثل الكعك، لتقديمها كذلك للزوار خلال المعايدة، في حين يفضل بعض سكان المدن العودة إلى منزل الأسرة في أول أيام العيد؛ للمشاركة في زيارات منزلية جماعية وفي التجمعات الاحتفالية بالساحات العامة، خصوصاً في المساء.

أطفال يجمعون الحلوى في يوم العيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

وفي الوقت الذي اختفت فيه بعض مظاهر العيد القديمة عادت هذه الأجواء التي تسبق يوم عيد الفطر المبارك بيوم أو يومين للظهور مجدداً في بعض المدن والقرى بعد أن اختفت منذ خمسة عقود والمتمثلة في المناسبة الفرحية المعروفة باسم العيدية، التي تحمل أسماء مختلفة في مناطق السعودية، منها «الحوامة» أو «الخبازة» أو «الحقاقة» أو «القرقيعان» في المنطقة الشرقية ودول الخليج.

الاحتفالات قديماً

يشار إلى أن المظاهر الاحتفالية لعيدية رمضان قديماً كانت تتمثل في قيام الأطفال بطرق الأبواب صباح آخر يوم من أيام رمضان وطلب العيدية التي كانت لا تتعدى البيض المسلوق أو القمح المشوي مع سنابله والمعروف باسم «السهو»، ثم تطور الأمر إلى تقديم المكسرات والحلوى، خصوصاً القريض وحب القرع وحب الشمام، وحلّت محلها هدايا كألعاب الأطفال أو أجهزة الجوال أو النقود.


ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.