أرابيلا دورمان ترسم بقطع ملابس اللاجئين السوريين بدلاً من الريشة والزيت

قضوا على شواطئ اليونان في رحلة البحث عن مأوى آمن

TT

أرابيلا دورمان ترسم بقطع ملابس اللاجئين السوريين بدلاً من الريشة والزيت

سمعنا الكثير عن حوادث غرق قوارب محملة باللاجئين السوريين الفارين من الحرب التي تمزق بلادهم باحثين عن مستقبل مجهول في بلدان أوروبية اختارها تجار الإنسانية الذين وعدوهم بحياة جديدة ولكنهم لم يحددوا لهم الوجهة النهائية، فشاء القدر أن تكون في الأبدية، لتنتهي قصة الهروب من مأساة وتتحول إلى كارثة إنسانية أعظم، راح ضحيتها الشباب والشيب والنساء والأطفال... ولم يميز القدر ما بين أعمارهم ودينهم ولكنه شتتهم حتى في مقابر متفرقة في 70 موقعاً مختلفاً في أرجاء تركيا واليونان وإيطاليا.
حسب الأرقام المستقاة من المنظمة الدولية للهجرة فقد أكثر من 8 آلاف شخص حياتهم منذ عام 2014 وهم في طريقهم إلى العبور إلى أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط. وهناك أكثر من 1252 رجلاً وامرأة وطفلاً مجهولي الهوية دُفنوا في قبور من دون شواهد، فذهبوا كأنهم لم يكونوا.
ولكن الإنسانية لا تزال موجودة على الرغم من قساوة الحرب والبغض والضغينة، ولا يزال هناك من يؤمن بالإنسانية تماماً مثل الفنانة البريطانية أرابيلا دورمان الملقبة بـ«فنانة الحروب»، ولكن وبعد رؤية عملها الفني الرائع المعروض حالياً في كنيسة «سانت جيمس» في منطقة بيكادييللي بلندن، لا بد من تغيير لقبها إلى «فنانة الإنسانية»، لأنها تقوم بما يقوم به الإنسان الحقيقي الذي يرفض أن يتحول اللاجئون السوريون الذين قضوا على شواطئ ليزبوس اليونانية إلى مجرد أرقام وإحصائيات، وجعلتهم ذكرى خالدة من خلال عملها الفني المبدع الذي يهز الضمير.
عمل الفنانة أرابيلا دورمان يحمل اسم «ساسبيندد» Suspended ويعني «معلق»، ومن خلاله قامت دورمان برسم مشاعرها بقطع ملابس اللاجئين السوريين الذين لفظهم البحر وخسروا أرواحهم على الشاطئ بدلاً من الألوان الزيتية وريشة الرسم.
وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط» قالت الفنانة دورمان إنها زارت الكثير من البلدان التي دمّرتها الحروب مثل العراق وأفغانستان، كما زارت فلسطين وتعرفت على أناس تناستهم الإنسانية في عالم يميل إلى الضبابية والحقد، ولطالما تأثرت بمآسي اللاجئين في البلدان التي زارتها، وأمضت فيها أوقاتاً طويلة ترصد خلالها معاناة الأبرياء ولكنها تقول إن زيارتها خلال شهري سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر (تشرين الأول)، من عام 2014، لجزر ليزبوس في اليونان زرعت بداخلها شعوراً لم تعهده من قبل على الرغم من المآسي التي رأتها من ذي قبل.
فتقول: «عندما وقفتُ على الشاطئ التي كسته قطع ملابس (فارغة)، شعرتُ بشيء بداخلي يدعوني إلى الانتفاضة على هذا الظلم، وكم تألمت لرؤية ملابس الأطفال، فأنا أمٌّ لطفلين، وشعرت بألم لا يمكن وصفه بكلمات، أنا فنانة تترجم مشاعرها من خلال عملها ورسمها ولوحاتها، ولكن بعد رؤية تلك الملابس المبددة على الشاطئ لأشخاص لم يبقَ منهم سوى قطع بالية ومبللة كان لا بد أن أقوم بعمل قوي، عمل يحبس الأنفاس، ومن تلك الشواطئ ومن تلك المشاهد المأساوية أتتني فكرة تجميع قطع الملابس وتحويلها إلى لوحة فنية تعكس الإنسانية في العالم أجمع».
العمل الفني يتوسط سقف الكنيسة على شكل دائرة عملاقة وضعت أرابيلا داخلها مصباحاً يتحول النور فيه من قويّ إلى خافت ليختفي بعدها تماماً، وعن الفكرة تقول الفنانة إنها اختارت الشكل الدائري لتعكس حال «الكرة الأرضية»، ومن خلال النور الذي يتبدل بالداخل، أرادت أن تبين «الأمل»، وتبدُّل درجة النور يعني «النور الذي بداخلنا كبشر»، وعندما ينطفئ النور يتحول العمل إلى عتمة، وهذا يعكس الروح القاتمة والظلم والمأساة الإنسانية.
وعن مشوارها منذ بدايته إلى أن تحول عملها الفني إلى حقيقة، تروي أرابيلا لنا زيارتها إلى الشواطئ وكيف أرادت أن تجمع أكبر عدد ممكن من قطع الملابس لتحولها إلى عمل فني، فاستعانت بمؤسسة خيرية تُعنى بأحوال اللاجئين يطلق عليها اسم «ستارفيش»، وبمساعدة المؤسسة وعدد كبير من أصحاب القلوب البيضاء من المتبرعين حصلت أرابيلا على نحو 1400 قطعة ملابس لنساء ورجال وأطفال واختارت من بينها 800 قطعة، وكانت عملية تهيئة القطع صعبة بعض الشيء، حيث تَعيّن على الفنانة إرسالها للتنظيف في مصابغ كبرى ومن ثم كلفت شركة في الـ«ميلدلاندز» شمال إنجلترا بوضع مادة تجعلها غير قابلة للاشتعال لكي تتمكن بعدها من عرضها في أماكن عامة لتفادي حصول أي مكروه للزوار.
العمل الفني «ساسبندد» عُلِّق في فناء الكنسية بلندن في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسيبقى هناك حتى الثامن من فبراير (شباط) المقبل. وتقول أرابيلا إنها تأمل أن يُنقل العمل بعدها إلى كاتدرائية كانتربري في إنجلترا، وهذا العمل سيتطلب الكثير من الجهد من قبل المتبرعين الذين وصل عددهم في العرض الأول في لندن إلى 20 متبرعاً ومتبرعة شاركوا الفنانة في عميلة تعليق القطع بشكل معبر جداً، وهذا ما أرادت إيصاله، صورة قطعة ملابس خالية من صاحبها المجهول، وقد تكون هناك قطعة ملابس من بين الـ800 قطعة ستهز الضمائر، وهو قميص لرضيع كُتب عليه «عيد الميلاد الأول لي». وتشعر بالقشعريرة عندما ترى هذه العبارة خصوصاً أن الطفل لم يكن يعرف أنه سيكون «عيد الميلاد الأول والأخير له».
وتم اختيار كنيسة «سانت جيمس» لعرض العمل الفني منذ ديسمبر الماضي، لثلاثة أسباب: الأول، هو أن معنى عيد الميلاد تغير ولم يعد روحياً وأصبح مادياً، وهذه اللوحة -حسب القسيسة في الكنيسة لوسي وينكد- تعكس روح أعياد الميلاد الحقيقية، والتوقيت كان مناسباً جداً. والسبب الثاني، هو تسليط الضوء من جديد على أزمة اللاجئين السوريين الذين فقدوا بيوتهم، وبعضهم فقدوا أرواحهم في سبيل البحث عن حياة أفضل. والسبب الثالث، هو مساهمة العمل الفني في تأمين أكبر قدر ممكن من التبرعات لجمعية «ستارفيش» لمساعدة اللاجئين.

- الفنانة أرابيلا دورمان في سطور
لقبها «فنانة الحروب» لأنها عملت إلى جانب القوات البريطانية في جنوب العراق عام 2006، وعملت في أفغانستان ما بين عامي 2009 و2014، وفي عام 2005 عملت في جزر اليونان، وتوجهت إلى مخيمات اللاجئين في كاليه ودانكيرك عامي 2015 و2016.
أرابيلا مدرجة على لائحة الإذاعة البريطانية لأهم 100 امرأة لعام 2014، واختارتها مجلة «سولت» من بين أكثر 100 امرأة تأثيراً عام 2015.
تعمل مع كثير من المؤسسات الخيرية وتترجم أحاسيسها الإنسانية في لوحات وأعمال فنية هدفها مساعدة اللاجئين حول العالم.
تعمل أرابيلا في استديو الرسم الخاص بها في منطقة تشيلسي بلندن، وشاركت في الكثير من المعارض المحلية والعالمية.
للفنانة رسومات زيتية، فهي متخصصة في رسم البورتريه لأفراد العائلة المالكة في بريطانيا وبلدان عربية. وتُعرض رسومات لها في الكثير من الأماكن العامة.



أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».