جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

الزعيمة الشابة فتحت في نيوزيلندا نقاشاً حول «موازنة» الأمومة والعمل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل
TT

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

قبل أسبوع من الآن لم يكن كثيرون قد سمعوا بجاسيندا آردرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا الجديدة، رغم أنها بوصولها إلى المنصب الأعلى في الدولة، حققت أكثر من سابقة. فهي، بعمر الـ37. باتت أصغر امرأة تتزعم دولة. وفي نيوزيلندا، باتت أصغر زعيمة للبلاد منذ 150 سنة. وخلال فترة قياسية لا تتجاوز الشهر ونصف الشهر، نجحت هذه المرأة الشابة بقيادة حزبها، حزب العمال، للفوز بالانتخابات العامة بعدما كانت الاستطلاعات ترجح خسارته. لقد أعادت آردرن العمال إلى السلطة بعد عقد من الزمن جلسوا فيه في صفوف المعارضة. وألهم انتشال آردرن حزبها من الحضيض ورفعه إلى القمة في هذه الفترة القصيرة أحزابا يسارية في دول أخرى تتوق للفوز، مثل حزب العمال البريطاني وزعيمه جيريمي كوربن الذي ظهر في فيديو على «فيسبوك» يقول فيه متوجها إليها: «جاسيندا، افعليها (فوزي). لأجلنا جميعا!». أما في نيوزيلندا، بلدها، فإنها أثارت «جنوناً» بين الناخبين. فالصحافة المحلية كانت تتحدث عن «جاسيندا مانيا» - أو «الجنون بجاسيندا». كل هذا حدث الصيف الماضي، بدءاً بتسلم جاسيندا زعامة حزبها وصولاً لقسمها اليمين كرئيسة للحكومة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ولكن كل هذا لم يكن كافيا لإعطاء جاسيندا آردرن شهرة مدوية... أما ما حوّلها إلى نجمة عالمية فهو خبر واحد صدر عنها في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهو إعلانها أنها حامل بطفلها الأول.
كانت تجلس على كرسي ترتدي قميصا أبيض. شعرها أملس غامق اللون، يتدلى على كتفيها. وإلى جانبها، على كرسي منفصل جلس شريك حياتها ووالد طفلها. كانا يبتسمان وهما يستمعان لسؤال الصحافي الذي يجري المقابلة معهما. بدت ابتسامة غير مريحة. لا عجب. فهي جاسيندا آردرن رئيسة الوزراء. والسؤال لم يكن له أي علاقة بفوزها في الانتخابات النيوزيلندية الأخيرة أو بسياساتها ولا حتى آرائها.
«هل كنت تشعرين بالغثيان في الصباح؟» سألها المذيع. أجابته وهي تبتسم وتحاول أن تبدو طبيعية: «نعم بالطبع. عانيت من الغثيان…» وراحت تتحدث بين المزاح والجد، كيف كانت توازن بين أعراض الحمل المبكرة والتفاوض على تشكيل الحكومة. لم تبخل بالتفاصيل. ولكنها كانت كلما أعطت تفاصيل أكثر ازداد تعطش الصحافي لطرح المزيد من الأسئلة الشخصية. سألها «هل سترضعين طفلك أثناء وجودك في البرلمان؟» ضحكت. صديقها بدا مرتبكا أكثر منها للسؤال. لمس وجهه بتوتر. هي أجابت وهي تهز رأسها «نعم نعم نعم». ثم راحت تتحدث بتفاصيل تشبع مستمعيها. قبل أن تتوقف وتقول: «ولكن أنا في وضع مختلف عن باقي أعضاء في البرلمان. لا يتوجب علي الجلوس هناك كل يوم. المطلوب مني الحضور فقط يوما في الأسبوع وقت الأسئلة والأجوبة، لذلك أنا في وضع أفضل من أخريات».
لم يكتفِ الصحافي. بل تابع يسأل: كيف علمت أنك حامل؟ ومتى وكيف أخبرتي شريكك؟
كلها أسئلة لم تمانع جاسيندا بالإجابة عنها بروح منفتحة، بغرض «الشفافية» مع ناخبيها. وما أن انتهت المقابلة، حتى بدأت أخرى استمعت فيها إلى أسئلة شخصية تكرّرت من صحافي آخر. ومجدداً كانت تجيب بصبر وابتسامة.
هكذا تحوّلت أولى المقابلات التي أدلت بها رئيسة وزراء نيوزيلندا إلى مساءلات شخصية حول الحمل والأطفال، من دون أن تكون لها أي علاقة بالسياسة وبرنامج حكومتها.
- الدفاع عن الخصوصية
مقاربة آردرن هذه فاجأت كثيرين. ذلك أنها قبل أشهر قليلة، قبل حملها وحتى قبل تنصيبها رئيسة للوزراء، رفضت الإجابة على أسئلة تتعلق بنياتها المستقبلية لأن تصبح أماً، ودافعت بشراسة عن حق المرأة بالخصوصية في هذا الأمر. حينذاك، وفي مقابلة إذاعية سألها أحد المشاركين في حوار عن نياتها المستقبلية المتعلقة بالأمومة والأطفال. وتابع «لنا الحق بأن نعرف ما إذا كانت المرأة التي قد تصبح رئيسة حكومتنا، ستأخذ إجازة أمومة وتترك واجباتها». وجاء رد آردرن حازماً. نظرت إليه وهي تشير بإصبعها وقالت «أنت… مرفوض تماماً أن تقول، إنه في العام 2017، على المرأة أن تجيب على هذا السؤال (حول نيتها الإنجاب) قبل أن تدخل مكان العمل».
وحقاً، قبل أن تصبح آردرن رئيسة وزراء وأسئلة من هذا النوع تلاحقها. ربما لصغر سنها، بالنسبة لزعيمة حزب. وأيضا لأنها عزباء.
كانت إجاباتها تدور بين توبيخ السائل والتعبير عن قلقها من القدرة على موازنة الأمومة والعمل. قالت ذات يوم إنه أمر تفكر فيه بالطبع ولكنه يقلقها وسيكون صعبا. وحتى أنها في إحدى المقابلات التي أدلت بها بعد إعلانها حملها، قالت إن الأمر جاء صدفة ولم يكن حملها مخططا له.
- مفاوضات الحكومة والسر
في الواقع اكتشفت آردرن حملها قبل 6 أيام فقط من الانتهاء من مفاوضات تشكيل الحكومة. ومع ذلك أبقت الأمر سرا. ولم تخبر إلا شريك حياتها وعائلتيهما. وبقي الخبر سرا لثلاثة أشهر إضافية. حتى خرجت في منتصف الشهر الجاري لتعلن أن عائلتها الصغيرة «من شخصين ستتحول إلى 3 في يونيو (حزيران). وأنها ستأخذ إجازة أمومة لـ6 أسابيع في يونيو، على أن يتولى نائبها مهامها خلال هذه الفترة.
بعض الصحافة المحلية هاجمتها. واعتبرت أنه من المستحيل أن توازن بين عملها كرئيسة وزراء وكونها أما جديدة. البعض حتى استذكر سيرينا ويليامز نجمة كرة المضرب الشهيرة، وانسحابها من بطولة أستراليا بعد أشهر من وضعها طفلتها، كدليل على مدى صعوبة موازنة العمل والأمومة. واستعان المشككون بتغريدات لويليامز على «تويتر» تتحدث فيها عن مدى صعوبة فتح وإغلاق عربات الأطفال وتقول: إنه من الأسهل تسجيل نقاط في مباراة كرة مضرب. وكتبت صحيفة «ستاف» تقول: «إذا تمكن طفل من تحدي واحدة من أعظم الرياضيات في العالم، فإنه من حق نيوزيلندا أن تقلق على رئيسة وزرائها».
ولكن آردرن كررت مرارا أن لديها خطة «لموازنة» الأمرين. وكشفت مع شريك حياتها كلارك غايفورد – وهو مقدم برنامج شهير حول الصيد - أنه هو سيتفرغ للاعتناء بالطفل. وبالطبع سيستعينان أيضا بمساعدين ومربّيات وكثر من أفراد العائلة… ولكن الجدل استمر وتوسع إلى خارج نيوزيلندا.
- اتهامات بـ«الخيانة»
الصحافية ليز جونز كتبت في صحيفة «الديلي ميل» البريطانية المحافظة لتنتقد آردرن بشكل قاس، واصفة إياها بـ«الخائنة» لأنها أخفت حملها على شعبها ولم تكشف عنه إلا بعد تأكدها من أنها أصبحت رئيسة للحكومة. وأضافت أنها رغم استعانتها بالمربيات فإن الشعب النيوزيلندي لن يتمكن من «التنافس على انتباهها مع طفل حديث الولادة». وكما هو متوقع، أثار مقال جونز جدلا كبيرا في نيوزيلندا التي تلقت - بشكل عام - خبر حمل آردرن بصورة إيجابية. ورغم أن أسئلة كثيرة طرحت حول الموضوع فإن أحدا لم يذهب إلى حد وصفها بـ«الخائنة»، والتهجم عليها بهذا الشكل. ووصل الجدل بالطبع إلى أسماع رئيسة الوزراء التي عندما سئلت عن المقال، قالت إنها لم تقرأه ولكن سمعت به، قبل أن تضيف أن معظم الردود في نيوزيلندا كانت إيجابية، ولكنها تعلم أن عليها أن تعمل بجهد كبير لتثبت قدرتها على موازنة الأمرين. وتابعت تقول ردا على سؤال كيف تجد العمل وهي حامل: «أنا حامل ولست معوّقة».
- رحلة طويلة مع «العمال»
جدير بالذكر أن رحلة آردرن الطويلة مع حزب العمال النيوزيلندي، وصعودها السريع لتصبح زعيمة الحزب، يروي رحلة شابة طموحة ومجتهدة وقادرة على التواصل مع الناخبين بصورة عفوية وطبيعية.
ابنة رجل الشرطة ولدت في مدينة هاملتون النيوزيلندية يوم 26 يوليو (تموز) 1980. وبدأت رحلتها في حزب العمال قبل نحو 20 سنة عندما انضمت إلى الحزب وهي ما زالت في الـ17 من العمر. يومذاك كانت تنتمي لطائفة المورمون (الطائفة المحافظة التي نشأت في الولايات المتحدة ومقرها الرئيسي في مدينة سولت ليك عاصمة ولاية يوتاه). وفي تلك الفترة كانت ناشطة جدا في الكنيسة التي ينتمي إليها والداها. غير أنها تركتها بعد فترة قصيرة بحجة أن تعاليمها «لا تنسجم مع أفكارها»، كما قالت لاحقا. وهي الآن كما تعلن لا تعتنق أي دين.
بعد تخرّج جاسيندا من جامعة وايكاتو، حاملة بكالوريوس الإعلام والسياسة والعلاقات العامة، عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء (العمالية) هيلين كلارك آنذاك. كذلك عملت لفترة مستشارة لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير، قبل أن تعود إلى نيوزيلندا وتفوز بمقعد في البرلمان عام 2008. وحافظت على مقعدها منذ ذلك الحين، وسُلّمت حقيبة وزيرة الأطفال في «حكومة الظل» العمالية. وفي مطلع العام الفائت، شاركت آردرن بمسيرة كبيرة نظمتها النساء في نيوزيلندا ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان قد أدى لتوه قسم اليمين ودخل البيت الأبيض على وقع مظاهرات نسائية معارضة خرجت في عواصم كثيرة.
- الصعود السريع
غير أن الصعود السريع في عالم السياسة حدث في مارس (آذار) الماضي عندما انتخبت نائبة لزعيم الحزب بعد استقالة أنيت كينغ. بيد أنها لم تبق في المنصب سوى 5 أشهر فقط إذ أصبحت زعيمة لحزب العمال في مطلع أغسطس (آب) بعد استقالة الزعيم السابق أندرو ليتل. ويبدو أن ثقة حزبها بها كانت كبيرة، ذلك أن ليتل فاتحها بُعيد اختيارها نائبة له، 7 مرات بنيته الاستقالة وتسليمها الدفة، ولكنها في المرات السبع كانت ترفض.
ولكنها في النهاية قبلت. واستقال ليتل قبل شهر ونصف من الانتخابات العامة في البلاد لاقتناعه بعجزه عن قيادة حزبه إلى الفوز. والحقيقة أن حزب العمال تحت قيادته ما كان يحظى بدعم أكثر من 24 في المائة من الناخبين بحسب استطلاعات الرأي. ولكن، ما إن تسلمت آردرن زعامة الحزب حتى بدأت ترتفع أسهمه، لتصل نسبة تأييده الشعبي إلى 43 في المائة خلال أقل من شهر.
وفي نهاية المطاف، بعد يوم الانتخابات يوم 23 سبتمبر الماضي سجل حزب العمال نصراً ناقصاً، إذ حصل الحزب على نحو 37 في المائة من أصوات الناخبين لكنه، في أي حال، زاد عدد مقاعده 14 مقعدا ليصبح لديه 45 مقعداً، محققاً بذا أفضل نتيجة له منذ خسارته السلطة عام 2008. في المقابل، عجز الحزب الوطني (محافظ) بزعامة رئيس الحكومة بيل إنغليش، عن الظفر بغالبية مطلقة، مع أنه فاز بالنسبة الأكبر من الأصوات بلغت 44 ضمنت له 56 مقعدا برلمانياً.
- مشكلة اسمها... بيترز
وهكذا، في ضوء عجز أي من الحزبين الكبيرين اليساري (العمال) واليميني (الوطني) عن ضمان غالبية مطلقة في البرلمان، وبالتالي، تشكيل حكومة حزب واحد، صار الرهان الكبير هو اجتذاب تأييد ثالث أكبر الأحزاب، وهو حزب «نيوزيلندا أولاً» الشعبوي بزعامة وينستون بيترز، مع العلم أن العمال عزّزوا وضعهم بكسبهم تأييد نواب «حزب الخضر». وبعد جولات من التفاوض والمساومات طالت نحو 3 أسابيع، نجحت آردرن بالحصول على تأييد بيترز وحزبه، ما أمّن لحزبها ولحلفائها «الخضر» الغالبية البرلمانية المطلقة المطلوبة, وبالفعل، شكلت الحكومة الائتلافية وعيّن بيترز نائباً لرئيسة الوزراء، وأقسمت آردرن اليمين كرئيسة للحكومة يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتدخل التاريخ السياسي لبلدها كأصغر رئيسة منذ 150 سنة.
مع هذا، ثم من يتخوّف من تحالفها مع «نيوزيلندا أولاً»، ومن أن الزعيمة الشابة قد وضعت نفسها أمام تحدٍ أصعب بكثير من الموازنة بين الحكم والأمومة، ذلك أن بيترز (72 سنة) شخصية تجسد أفكاراً وميولاً على النقيض من أفكار آردرن وميولها. فهو رجل قومي متشدد ضد الهجرة واللجوء، سبق له إطلاق مواقف وصفها البعض بالعنصرية. ثم إنه يكره الإعلام. أضف إلى ذلك أنه بموجب الصفقة الائتلافية مع العمال حصل على منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية، وحصل حزبه على حقائب وزارية أخرى مع أنه يحتل 9 مقاعد فقط داخل البرلمان.

- بطاقة شخصية
> رئيسة وزراء نيوزيلندا رقم 40.
> عمرها 37 سنة وهي أصغر رئيسة وزراء للبلاد منذ 150 سنة.
> انضمت لحزب العمال عندما كانت في السابعة عشرة من العمر
> تخرجت من جامعة وايكاتو عام 2001 وحازت على بكالوريوس في الإعلام العلاقات العامة والسياسة
> بعد تخرجها عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء العمالية هيلين كلارك
> غادرت نيوزيلندا بعد بضع سنوات وانتقلت إلى نيويورك حيث تطوعت في مطبخ لتقديم الحساء للفقراء
> بعدما باتت بحاجة إلى مدخول حصلت على وظيفة كمستشارة في مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في لندن ضمن فريق من 80 شخصا
> لم تلتق بلير قط خلال فترة عمله مستشارة لديه
> عادت إلى نيوزيلندا ونجحت في دخول البرلمان عام 2008 لتصبح أصغر نائب
> عام 2014 اختيرت لتصبح وزيرة للأطفال في «حكومة الظل»
> في فبراير (شباط) 2017 انتخبت نائبة لزعيم حزب العمال
> في أغسطس (آب) 2017 انتخبت زعيمة حزب العمال بعد تنحي زعيمه آندرو ليتل
> رفضت تولي زعامة حزب العمال 7 مرات عندما طلب منها زعيم الحزب
> عندما تسلمت زعامة الحزب ارتفعت نسبة التأييد خلال شهر من 23 في المائة إلى 43 في المائة
> فاز حزب العمال في الانتخابات العامة في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بـ37 في المائة من الأصوات وحل ثانيا بين الأحزاب المتنافسة خلف الحزب الوطني اليميني الحاكم
> باتت رئيسة الوزراء في 26 أكتوبر (تشرين الأول) بعدما قرر وينستون بيترز زعيم حزب «نيوزيلندا أولا» الدخول معها في مفاوضات تشكيل الحكومة
> تعيش مع صديقها وشريك حياتها مقدم برنامج الصيد كلارك غايفورد
> اكتشفت أنها حامل قبل 6 أيام من إنهاء المفاوضات على تشكيل حكومة في 16 أكتوبر
> ستأخذ 6 أسابيع إجازة أمومة في يونيو (حزيران) المقبل على أن يتولى مهامها نائبها
> كانت تنتمي إلى طائفة المورمون ولكن تركت الكنيسة لأنها ما عادت تؤمن بتعاليمها

- رؤساء حكومات نيوزيلندا منذ 1945
> رئيس وزراء نيوزيلندا هو الحاكم الفعلي للدولة - الأرخبيل، الواقعة في جنوب غربي المحيط الهادي، إلى الجنوب الشرقي من أستراليا، وهي ثاني أكبر دول قارة أوقيانيا من حيث عدد السكان بعد أستراليا.
ورسمياً، يعين رئيس الوزراء الحاكم العام لنيوزيلندا، ممثلاً ملكة بريطانيا، ولكن بعد أن يحصل على تفويض شعبي عبر الانتخابات، بمعنى أن يضمن الحزب الذي يتزعمه الغالبية في البرلمان. وتقليدياً، يعتبر هنري سيويل (تولى السلطة عام 1856) أول رئيس حكومة للبلاد.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هيمن حزبان على الحياة السياسية النيوزيلندية، هما: الحزب الوطني (محافظ يميني) وحزب العمال (يساري معتدل)، إلا أن الحال مختلف قبل ذلك، وقد شغل منصب رئيس الحكومة ساسة من حزبي الإصلاح (اليمين المحافظ) والأحرار (الليبرالي) اللذين انتهيا، وورث المشهد السياسي عنهما الحزبان الكبيران المعاصران.
وفيما يلي قائمة برؤساء حكومات نيوزيلندا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية:
بيتر فريزر (حزب العمال) - من 1940 حتى 1949
سيدني هولند (الحزب الوطني) - من 1949 حتى 1957
كيث هوليوك (الوطني) - 1957
والتر ناش (العمال) - من 1957 حتى 1960
كيث هوليوك (الوطني) - من 1960 حتى 1972
جاك مارشال (الوطني) - 1972
نورمان كيرك (العمال) - 1972 حتى 1974
هيو وات (العمال) - 1974 (رئيس بالوكالة)
بيل رولينغ (العمال) - 1974 حتى 1975
روبرت مالدوون (الوطني) - من 1975 حتى 1984
ديفيد لونغي (العمال) - من 1984 حتى 1989
جيفري بالمر (العمال) - من 1989 حتى 1990
مايك مور (العمال) - 1990
جيم بولجر (الوطني) - من 1990 حتى 1997
جيني شيبلي (الوطني) - من 1997 حتى 1999
هيلين كلارك (العمال) - من 1999 حتى 2008
جون كي (الوطني) - من 2008 حتى 2016
بيل إنغليش (الوطني) - من 2016 حتى 2017
جاسيندا أردرن (العمال) - منذ 2017 ...



كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.