نفوذ إيران يتضاءل إذا نجح العرب في صياغة استراتيجية موحدة تجاهها

اجتماع عربي طارئ لـوزراء الخارجية للتصدي لإرهاب إيران (إ.ف.ب)
اجتماع عربي طارئ لـوزراء الخارجية للتصدي لإرهاب إيران (إ.ف.ب)
TT

نفوذ إيران يتضاءل إذا نجح العرب في صياغة استراتيجية موحدة تجاهها

اجتماع عربي طارئ لـوزراء الخارجية للتصدي لإرهاب إيران (إ.ف.ب)
اجتماع عربي طارئ لـوزراء الخارجية للتصدي لإرهاب إيران (إ.ف.ب)

إذا كان عام 2016 بين إيران والعرب قد بدأ بعلاقات عاصفة، فقد انتهى العام أيضاً بسُحب قاتمة بدت واضحة في الأفق. وتعود خلفية تلك العلاقة المتدهورة إلى الشكوك القديمة المتبادلة التي بدأت عام 1979 عندما استولى الملالي على السلطة في طهران.
ومنذ ذلك الوقت، زعم الملالي أن الدول العربية، بصرف النظر عن انقسامها السياسي، متحدون في رغبتهم في الإطاحة بالنظام الخميني في طهران. ويستدل الملالي في ذلك بحرب السنوات الثماني التي أطلق شرارتها الأولى الرئيس العراقي صدام حسين عام 1980 بهدف معلن، وهو تغيير النظام الحاكم في طهران. فباستثناء سوريا في عهد حافظ الأسد، فقد رأى الملالي انحياز جميع الحكومات العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب العراق «دليلاً» على عدوانية العرب تجاه النظام الإيراني الجديد.
من جانبها، تزعم الدول العربية أن تدهور العلاقات حدث بسبب سلوك نظام الخميني، وتحديداً عندما أصرت علناً على «تصدير» آيديولوجيتها إلى جميع الدول الإسلامية. ومنذ عام 1979، أسس حكام إيران الجدد مكتباً خاصاً بوزارة خارجيتهم حمل اسم «تصدير الثورة»، وهو الهدف المعلن الذي نص عليه دستور الجمهورية الإسلامية أيضاً. كذلك، أسس هؤلاء الحكام «الحرس الثوري الإسلامي» بهدف سحق خصوم النظام في الداخل ونشر الآيديولوجية الخمينية في الخارج، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً.
ومنذ عام 1980، قطعت الجمهورية الإسلامية علاقاتها الدبلوماسية مع ثماني دول عربية في أوقات متباينة ولأسباب مختلفة. وثبتت إدانة الجمهورية الإسلامية في تشجيع العمليات الإرهابية في الجزائر ومصر والأردن والكويت والسعودية. وأسست طهران ميليشيات لها للعمل في لبنان والعراق وسوريا واليمن بهدف استخدامها كدول داخل تلك الدول لتحقيق أهداف طهران. وحاولت طهران أيضاً استغلال الانقسام الذي كان سمة دائمة للعلاقات العربية – العربية.
وكانت عمان وقطر هدفاً لما سمي بسياسة «الفنلندة»، وتعني رفض السياسات التي ربما لا تروق لطهران. كذلك، ابتليت الكويت بعدوى السير في الاتجاه ذاته بزعم أن العراق لا تزال تضمر الطموحات الوحدوية القديمة لضمها؛ وهو الأمر الذي لا تستطيع دولة غير إيران التصدي له. وفي حال لم يتسنَ لطهران تحقيق أي من تلك الخيارات، فهناك أساليب أخرى يمكن لطهران أن تختار منها ما تشاء.
ففي العراق مثلاً، أسست طهران قوات شبه عسكرية، وأغدقت بالمال هناك لشراء ولاءات بعض الجماعات السياسية الشيعية. وفي سوريا، استثمرت إيران في الدم والمال للإبقاء على بشار الأسد في السلطة، والآن فإنها تطالبه بتقنين وضع تلك الميليشيات المدعومة من إيران والتي تضم مرتزقة من أفغانستان وباكستان للبقاء هناك بصورة دائمة. وفي اليمن، فمن دون دعم طهران للحوثيين، ما كان لتلك الفئة أن تحافظ على بقائها في صنعاء وفي أجزاء من ساحل البحر الأحمر.
وفي لبنان، فقد تمكنت طهران من بسط نفوذها من خلال «حزب الله» وعن طريق عناصر أخرى داخل بعض الفئات التي أوجدتها طهران. وعلى مدار سنوات، فقد قدم الجانبان (إيران والعرب) ما يكفي من الأدلة لإضفاء المصداقية على مزاعمهما. وجاءت نهاية الحرب الإيرانية العراقية عام 1988 وموت الخميني بعد ذلك بعام لتساعد في تخفيف حدة التوتر مع العرب.
ورغم ذلك، سرعان ما اتضح أنه لن يحدث تحسن دائم في العلاقات بين الجمهورية الإسلامية في طهران والدول العربية، والسبب هو أن النظام الخميني يعتبر نفسه بمثابة الحكومة الإسلامية الشرعية الوحيدة في العالم؛ ولذلك فهو يختلف جذرياً عن جميع دول المنطقة. وفي مثل هذه الحالة، فإما أن تعمل إيران على أن يكون باقي دول الشرق الأوسط على شاكلتها، أو أن تتغير هي لتصبح على شاكلة باقي دول الشرق الأوسط.
كل منطقة من مناطق العالم تتكون من دول عدة تشكل في مجملها نسيجاً واحداً متعدد الألوان رغم التنوع والاختلاف في الفكر والتاريخ والبنية. ووجود دولة تخالف هذا التماسك يصبح مصدراً للتوتر وعدم الاستقرار.
على سبيل المثال، لا يمكن بحال أن تكون هناك دولة وسط أوروبا ترفض شرعية جميع جيرانها وتحاول الإطاحة بحكوماتهم من خلال البروبغندا والعنف وحتى الإرهاب. فالدول التي لا تتلاءم مع محيطها الإقليمي تكون أقرب ما يكون إلى الخروف الأسود، فهو ينظر له دوماً باعتباره غريباً ومصدر تهديد.
ومن الأمثلة الحديثة ما شاهدناه في صربيا بزعامة سلوبودان ميلوزوفيتش. فتلك الدولة لم تتلاءم مع المزيج الجديد في البلقان؛ الأمر الذي أجبر الدول الكبرى في أوروبا، بدعم من الولايات المتحدة، على تبني سياسة لتغيير النظام الصربي. ومن الأمثلة التي رأيناها قبل ذلك والقريبة من منطقتنا النظام العراقي في عهد صدام حسين، وكذلك حكومة طالبان في أفغانستان بقيادة الملا محمد عمر.
ولنكون على يقين، فالحرب ليست السبيل الوحيد للتعامل مع الخروف الأسود المشؤوم. فالأنظمة غير الملائمة يمكن الإطاحة بها بالانقلابات العسكرية كما حدث في شيلي بزعامة سلافوتر أليند. وهناك طريقة أخرى هي إجراء التغيير داخل نظام الخروف الأسود عن طريق تطهير رأس النظام من العناصر المسببة للقلاقل ليعود الخروف الأسود بعدها إلى باقي القطيع. أحد تلك الأمثلة هي السودان التي تخلصت من الفئة المتشددة بداخله، التي تمثلت في حسن الترابي، ليتبنى النظام بعدها نموذجاً أكثر قبولاً من دول المنطقة ومن العالم من حوله.
كذلك، يمكن لمزيج من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وبعض الضغوط أن تؤتي ثمارها كما حدث مؤخراً في زيمبابوي. لكن هناك طريقة أخرى تتمثل في مزيج من «الثورات الشعبية» وبعض الرشى الاقتصادية والسياسية لحث الخروف الأسود على التغيير كما حدث في ميانمار (بورما).
ولذلك؛ فمن دون تغيير النظام في إيران، أو تغيير الأنظمة في باقي الدول العربية بدءاً من تركيا إلى المغرب مروراً بإسرائيل ومصر لصالح إيران، فإن الأمل في تغيير العلاقات بين الجمهورية الإسلامية وجيرانها، سواء القريبون أو البعيدون، يبدو ضئيلاً. لكن البديل الوحيد لعلاقات الود ليس الصراع ولا الحرب.
أحد البدائل هو جعل نظام الخميني يتجرع من الكأس نفسها التي صنعه بيده. ويمكن تنفيذ ذلك بتقديم الدعم لأشرس أعداء النظام، وفي الوقت نفسه العمل على زعزعة الاستقرار في البلاد. ويبدو أن إدارة ترمب في واشنطن تدرس هذا الخيار بجدية بين خيارات أخرى عدة. وهناك خيار آخر، وهو الانتظار إلى أن ينهار نظام الخميني من تلقاء نفسه بسبب ممارساته الداخلية المتناقضة كما حدث للاتحاد السوفياتي.
على سبيل المثال، يرى وزير المالية البريطانية السابق، اللورد لامونت، الذي كان أحد أنشط أعضاء لجنة الضغط على طهران، أن سياسة «الانتظار» يمكن دمجها مع بعض الإجراءات لجذب النظام الإيراني إلى شبكة الاقتصاد والتجارة العالمية. وهناك وجهة نظر أخرى تبناها بعض المحللين في واشنطن تقترح القيام بتزييف علاقة مع الجيش الإيراني، وشأن أي جيش في العالم، سيسعى إلى تحديث قدراته وقد يكون مستعداً لتغيير آيديولوجيته في سبيل الاندماج مع النظام العالمي.
وقد استمتعت طهران بميزتين كبيرتين: الأولى، أن العرب لم ينجحوا في صياغة استراتيجية مشتركة للتعامل مع طهران، فكل دولة تحاول على حدة فتح طريق مستقلة للتعامل مع الجمهورية الإسلامية. والميزة الأخرى، أن طهران قد نجحت في التعامل مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة حتى نهاية رئاسة أوباما. وفي الحقيقة، فقد سار أوباما في طريق تعزيز النظام الخميني. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يبدو أن المتحدثة الرسمية للسياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي فدريشيا مغريني، تروج لمصالح إيران أكثر مما تروج لمصالح الاتحاد الأوروبي. والشهر الماضي، وخلال زيارتها إلى ميانمار، كان الوقت الذي قضته السياسية الإيطالية في الحديث عن الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران أكثر من الوقت الذي قضته في الحديث عن مأساة مسلمي الروهينغا.
ويبدو حالياً، فإن فرص طهران في تسجيل المزيد من النقاط في مرمى جيرانها تبدو ضئيلة. لكن من غير المرجح أيضاً أن يتنازل الملالي عن طموحاتهم قريباً. كذلك، فإن عدم وجود استراتيجية موحدة يجعل فرصة العرب في كبح ماكينة الشر الإيرانية ضئيلة أيضاً. في الحقيقة، فإن أياً من الطرفين حالياً في وضع يؤهله لعمل التغيير في الوضع الراهن من خلال اشتداد حدة الصراع، ولا حتى باللجوء إلى العمل العسكري ولا باتخاذ تدابير مؤقتة اعتماداً على حلول وسط من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية. بعبارة أخرى، الطريق يبدو مسدوداً، على الأقل في المستقبل القريب.



«الجامعة العربية» تطالب بتدخل دولي يلزم إسرائيل بإلغاء «قانون إعدام الأسرى»

جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)
TT

«الجامعة العربية» تطالب بتدخل دولي يلزم إسرائيل بإلغاء «قانون إعدام الأسرى»

جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)

أكدت جامعة الدول العربية، الخميس، «إدانتها الشديدة ورفضها القاطع» لإقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي قانوناً صادق عليه «الكنيست» يُمكّن من إعدام الأسرى الفلسطينيين، مطالبة المجتمع الدولي، لا سيما «مجلس الأمن» و«مجلس حقوق الإنسان»، بـ«تحمل مسؤولياتهم والتدخل العاجل لإلزام حكومة الاحتلال بإلغاء القانون».

وبناء على طلب فلسطين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الخميس، اجتماعاً غير عادي، برئاسة البحرين بمقر الأمانة العامة بالقاهرة لـ«بحث سبل التصدي لإقرار (الكنيست) لقانون عنصري باطل حول إعدام الأسرى الفلسطينيين»، إضافة إلى «بحث آليات التحرك العربي والدولي للتصدي للجرائم والانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة في مدينة القدس».

وخلص الاجتماع إلى إصدار قرار من 21 بنداً، عدّ إقرار «الكنيست» عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين حصراً دون غيرهم «تكريساً لنظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل»، محملاً «إسرائيل، قوة الاحتلال غير القانوني، المسؤولية الكاملة عن التداعيات القانونية والإنسانية».

ودعا مجلس «الجامعة» على مستوى المندوبين الدائمين إلى وضع وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير ونواب حزبه، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ونواب حزبه على «قوائم الإرهاب الدولية والإقليمية والوطنية»، مرحّباً بمواقف عدد من دول العالم والاتحاد الأوروبي التي أدانت ورفضت «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين».

وطالب الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة بـ«تحمل مسؤولياتها»، وإلغاء وإبطال مفعول «قانون إعدام الأسرى»، كما دعا «المحكمة الجنائية الدولية»، إلى فتح تحقيق جنائي دولي عاجل، حول القانون، وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن إقراره، باعتباره «جريمة حرب».

أيضاً دعا مجلس «الجامعة» إلى «تفعيل وحدة الرصد القانونية المنبثقة عن القمة العربية والإسلامية المشتركة لرصد أي تطبيق لقانون الإعدام العنصري وتوثيقه، تمهيداً لاستخدامه أمام المحاكم الدولية ذات الصلة»، مطالباً الاتحاد البرلماني العربي والبرلمان العربي والبرلمانات العربية الوطنية، بالعمل على تجميد عضوية «الكنيست» في الاتحاد البرلماني الدولي، وكافة الأطر والتجمعات البرلمانية.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد إقرار قانون يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين في الكنيست 30 مارس 2026 (أ.ب)

وكان وزراء خارجية السعودية، وتركيا، ومصر، وإندونيسيا، والأردن، وباكستان، وقطر، والإمارات، أدانوا بأشد العبارات القانون، محذرين، في بيان مشترك، من الإجراءات الإسرائيلية المستمرة، التي ترسِّخ نظام فصل عنصري وتتبنّى خطاباً إقصائياً ينكر الحقوق غير القابلة للتصرُّف للشعب الفلسطيني ووجوده في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وفي سياق الاعتداءات على القدس، أكد مجلس «الجامعة» «الإدانة الشديدة للسياسات والإجراءات العدوانية الإسرائيلية غير المسبوقة بإغلاق المسجد الأقصى»، وعدّ ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي... واستفزازاً غير مسبوق لمشاعر ملياري مسلم حول العالم، وتقويضاً الحرية العبادة»، كما أعرب المجلس عن «الإدانة الشديدة والرفض القاطع للإجراءات الإسرائيلية الممنهجة وغير القانونية التي تستهدف إضعاف الوجود المسيحي في القدس».

وأدان المجلس، في قراره «السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تصفية وكالة (الأونروا) وإغلاق مقارها ومدارسها في القدس»، وعدّها «محاولة مرفوضة لطمس قضية اللاجئين والتي تشكل جزءاً لا يتجزأ من قضايا (الحل النهائي)».

ودعا إلى «تحرك عربي وإسلامي ودولي، على مستوى الدول والبرلمانات والمنظمات، لإنقاذ مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، عبر إجراءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية، لحث المجتمع الدولي، بما في ذلك (مجلس الأمن)، لاتخاذ موقف دولي صارم، يُلزم إسرائيل بوقف جرائمها وانتهاكاتها».

وأعاد التأكيد على «رفض وإدانة أي قرار يخرق الوضع القانوني للقدس بما يشمل نقل البعثات الدبلوماسية إليها»، داعياً الأرجنتين إلى عدم نقل سفارتها إلى القدس، باعتباره «سيلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات العربية - الأرجنتينية على كل المستويات».

في سياق متصل، قال رئيس قطاع فلسطين بالجامعة العربية، السفير فائد مصطفى، في كلمته خلال الاجتماع، إن «ما يجري في القدس وسائر أرض فلسطين، وما يُراد بالأسرى الفلسطينيين، ليسا مسارين منفصلين، بل وجهين لسياسةٍ واحدة»، مشدداً على أن «مسؤولية المجلس لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الإدانة - على ضرورتها - بل يجب أن تتحول من مجرد تسجيل موقف إلى بناء مسار وصناعة الأثر».

وأكد الحاجة لـ«موقف عربي واضح وموحد في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان، يرفع هذه الانتهاكات إلى مستوى المساءلة، وإلى جهد سياسي وإعلامي متماسك يعيد القدس إلى مركز الوعي الدولي».

وتعليقاً على اجتماع مجلس جامعة الدول العربية الطارئ على مستوى المندوبين، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، إن «الاجتماع خطوة ضرورية لتوحيد الموقف العربي إزاء التصعيد الإسرائيلي، والعمل على بلورة تحرك جماعي فاعل يتجاوز حدود الإدانة السياسية».

وأكد حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن التعامل مع قانون إعدام الأسرى يتم عبر مسارات متعددة «تبدأ برفع القضية إلى الهيئات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية، للنظر في مدى انطباق توصيف جرائم الحرب على هذا الإجراء، والعمل على إصدار مواقف قانونية ملزمة تكبح استمرار هذه الانتهاكات»، داعياً إلى «فتح نقاش دولي جاد بشأن فرض عقوبات على إسرائيل، في حال استمرارها في انتهاك قواعد القانون الدولي».


تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.