أوروبا.. ساحة صراع

إعلان أوباما خطة أمنية بمليار دولار في دول شرقها يتحدى خطط البنتاغون لخفض الإنفاق

أوروبا.. ساحة صراع
TT

أوروبا.. ساحة صراع

أوروبا.. ساحة صراع

تعهد الرئيس الأميركي بارك أوباما، خلال زيارته الأوروبية الأسبوع الماضي، بتوفير مبلغ مليار دولار لتعزيز الوجود العسكري الأميركي في شرق أوروبا وطمأنة دولها بشأن التحركات الروسية لزعزعة استقرار المنطقة.
وأعلن أوباما من العاصمة البولندية وارسو تلك المساعدات، ولقي إعلانه تصفيقا ليس فقط من رؤساء بولندا وأوكرانيا، بل ومن رؤساء دول البلطيق وجمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر وبلغاريا ورومانيا وسلوفينيا. وتتضمن الخطة الأمنية تمويل نشر مزيد من القوات البرية والجوية والبحرية الأميركية في الدول غير الأعضاء في حلف الناتو مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا، وتمويل تدريب قوات حلف شمال الأطلسي والقيام بمناورات عسكرية، ونشر المعدات العسكرية في البحر الأسود وبحر البلطيق، ونشر الخبراء والمستشارين العسكريين في أوروبا الشرقية.
وتأتي المبادرة لدعم أوروبا الشرقية أمنيا بمبلغ مليار دولار في وقت كانت فيه حسابات وزارة الدفاع الأميركية كلها تتجه إلى تقليص الإنفاق وخفض الميزانيات وإغلاق بعض المرافق العسكرية، بعد أن رأى الخبراء أن الحروب القادمة بعيدة عن الأراضي الأميركية والأوروبية، وحتى لو قامت فإن الأمر لن يتطلب قوات تقليدية، وإنما سيتطلب طائرات من دون طيار وغواصات تعمل بالريموت كونترول والصواريخ العابرة للقارات، إضافة إلى اتجاه البنتاغون للاستعداد لحرب غير تقليدية من نوع آخر وهي الحروب الإلكترونية والفيروسية.

* الأوضاع في أوكرانيا، وتدخل روسيا في القرم، وتهديدها لمناطق أخرى في الشرق الأوكراني، قلبت الموازين، وأدت إلى تعقيد خطط تقليص الميزانية لوزارة الدفاع الأميركية، وتقليص عدد القواعد الأميركية العسكرية في الخارج. وأصبح أمام البنتاغون مواجهة تحديات صعبة في الميزانية، وتحديات أيضا متناقضة ما بين إظهار الالتزام الأميركي بالأمن الأوروبي في مواجهة عدوانية روسيا المتزايدة، وفي الوقت نفسه تقليص حجم الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.
وقد أكدت إدارة أوباما تمسكها بخفض ميزانية وزارة الدفاع الأميركية وتقليص حجم الجيش الأميركي إلى الحجم الذي كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية، ووضع سقف للإنفاق العسكري بنحو 495 مليار دولار خلال السنة المالية 2015، بحيث تتم تخفيضات أخرى في الإنفاق العسكري في عام 2016 والسنوات اللاحقة.
وجاءت التطورات في الأزمة الأوكرانية لتفرض على البيت الأبيض تغيير سياسات تخفيض الإنفاق العسكري وتخفيض حجم القوات الأميركية في الخارج، إلى إعلان مزيد من الوجود العسكري الأميركي في شرق أوروبا وتخصيص مليار دولار لدعم حلف الناتو وتعزيز القدرات الدفاعية لدى دول أوروبا الشرقية.
وتحتاج تلك الخطة لموافقة الكونغرس، إلا أن هناك توقعات عالية بأن يوافق الكونغرس عليها خاصة أن الخطة تعني بالأساس تعزيز الوجود والنفوذ الأميركي في مواجهة محاولات روسيا فرض هيمنتها على دول أوروبا الشرقية.
من جانب، فهذه الخطة الأمنية، رغم تكلفتها، تؤكد دور واشنطن في المنطقة الأوروبية وخطتها للتحكم في رسم المشهد الجيوسياسي في أوروبا، خاصة بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية وإعلان روسيا ضم شبه جزيرة القرم، والدور الروسي في تقديم الدعم للانفصاليين في أوكرانيا ومخاوف دول أوروبا الشرقية من المحاولات الروسية لفرض الهيمنة.
ومبلغ المليار دولار لدعم القوات الدفاعية في أوروبا الشرقية يعني أن أمن القارة الأوروبية لا يزال أولوية للدفاع الأميركي، وأن الدور الأميركي لا يزال قويا في مواجهة الدب الروسي.
يقول الخبراء إن التدخل الروسي في أوكرانيا يعيد مرة أخرى أجواء الحرب الباردة، ليس فقط في صراع أيديولوجيات بين الرأسمالية مقابل الشيوعية، وإنما صراع أكبر بين الأرستقراطية الأميركية والأوروبية من جانب والأرستقراطية الناشئة حديثا من روسيا والصين. واللاعبون في هذه اللعبة الكبرى هم الغرب ضد الشرق.
يقول الجنرال فيليب بريدلوف، قائد القوات الأميركية في أوروبا «لقد غيرت الأحداث في أوكرانيا الافتراضات الكامنة وراء الأمن الأوروبي، ولذا فإن حلف شمال الأطلسي يجب أن يخضع لعملية تكيف استراتيجي لمواجهة استخدام روسيا لتمارين عسكرية مفاجئة أو أنشطة قرصنة إلكترونية، أو عمليات سرية لتحقيق أهداف دولتهم، ومع هذه التغييرات الأساسية في البيئة الأمنية فإن علينا أن نتغير أيضا».
ويقول مسؤول كبير بوزارة الدفاع الأميركية - رفض نشر اسمه - إن الاستراتيجية الجديدة التي يريد الرئيس أوباما تعزيزها هي استراتيجية تعتمد على إنفاق الأموال أكثر من إرسال القوات، أي الرهان على المال لا على القوات. ويشير إلى أن النهج الذي اتبعته وزارة الدفاع الأميركية في حماية حلفائها في حلف الناتو قد تغير خلال العقود الماضية. ويقول «خلال الحرب الباردة كان مئات الآلاف من القوات الأميركية متمركزين في أوروبا وعلى أهبة الاستعداد للرد على أي تحركات روسية، أما في الوقت الحاضر فإن وزارة الدفاع لديها فقط بضعة آلاف من الجنود في أوروبا، كما قامت بتفكيك الغالبية العظمى من البنية التحتية الدفاعية الأميركية هناك».
ويضيف المسؤول الأميركي «على الرغم من التهديد الجديد الذي تشكله روسيا، فإن وزارة الدفاع تستثمر تلك الأموال في تحسين قدرات جيوش الحلفاء». ويستشهد المسؤول بخطة أوباما لإنشاء صندوق بخمسة مليارات دولار لمساعدة الدول الأفريقية في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن مسؤولية وزارة الدفاع ستكون تقديم المشورة والتدريب. ويقول «هذا التغيير في الاستراتيجية هو انعكاس لتقلص ميزانية وزارة الدفاع التي من المتوقع أن تنخفض على مدى السنوات العشر القادمة بنحو 600 مليار دولار»، مؤكدا أن الحرب التقليدية لم تعد مجدية اقتصادية إضافة إلى أن الرأي العام الأميركي قد سئم من الحرب.. وتسمح تلك الأموال التي يستثمرها الرئيس أوباما في أوروبا، للبنتاغون بخلق تأثير على أرض الواقع دون وضع حياه الأميركيين في خطر.
ويشير المسؤولون بوزارة الدفاع الأميركية إلى أن تفاصيل خطة تعزيز القدرات الأوروبية ستكون على طاولة وزير الدفاع تشاك هيغل خلال شهرين إن لم يكن مبكرا عن ذلك.
وليست معروفة إلى الآن تفاصيل خطة الولايات المتحدة لخريطة وجودها العسكري المستقبلي في أوروبا، فيما يستمر الجدل بين مدافعين عن خطط تخفيض الإنفاق والمضي قدما في خطط غلق ودمج القواعد العسكرية، وبين المدافعين عن وجود قدم أميركية قوية في أوروبا. ويؤكد المدافعون عن بقاء أميركي عسكري قوي في أوروبا أن العدوان الروسي على أوكرانيا يضرب المثل الأوضح في ضرورة البقاء والتراجع عن خطط التخفيضات وإغلاق القواعد العسكرية الأميركية.
ويحذر البروفيسور جون دني، الأستاذ بكلية الحرب بالجيش الأميركي، والخبير في المهام العسكرية في أوروبا، من إقدام واشنطن على تقليص حجم القوات والمعدات في القواعد العسكرية في الخارج، ويقول «بمجرد إغلاق قاعدة عسكرية فإن فرص إعادة فتحها لن تكون سهلة، وليست لدينا وسيلة للتنبؤ بما قد يحدث من أزمات في المستقبل». ويطالب بزيادة الاعتماد على تناوب القوات الأوروبية على دخول تلك القواعد كطريقة لتعويض خفض القوات الأميركية.
وتشير بعض المؤشرات إلى أنه على وزارة الدفاع الأميركية إغلاق بعض القواعد العسكرية وإدماج البعض الآخر، لتخفيض الإنفاق. ففي ميزانية البنتاغون لعام 2015 خطة لإنشاء مركز معلومات استخباراتي في قاعدة كرواغتون بإنجلترا، وهو ما سيقود إلى إغلاق قاعدتين أخريين في الكونبري ومولسورت في بريطانيا، ومن المرجح أن يتم التدقيق في قواعد الجيش الأميركي في ألمانيا (قاعدة في شفاينفورت وأخرى في بامبرغ) ليتم إغلاق القاعدتين خلال العام المقبل. والشهر الماضي أعلنت وزارة الدفاع أنها ستغلق 21 مرفقا قديما في أوروبا خاصة المجمعات السكنية والترفيهية لتوفير مبلغ 60 مليون دولار سنويا مع تخطيط لمزيد من الإغلاقات التي تستهدف المنشآت العسكرية.
وتأتي الضغوط لاستمرار الوجود الأميركي العسكري في أوروبا الشرقية من داخل الولايات المتحدة ومن خارجها أيضا، فقد طالبت بولندا مرارا بنشر مزيد من القوات الأميركية على أراضيها. وفي عام 2009 عندما ألغى الرئيس أوباما خطط الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ الباليستية في بولندا، خرجت الصحف البولندية تصف هذه الخطوة الأميركية بالخيانة وتتهم واشنطن ببيع بولندا لروسيا.
ويشير الخبراء إلى أن أوباما يوازن ما بين فرض ضغوط اقتصادية على روسيا، وفرض ضغوط بتهديدات عسكرية، وهي الاستراتيجية التي يستعملها في أوكرانيا. ويبدو حتى الآن أن العمل بها في مواجهة النهج الروسي في أوكرانيا قد أتى بنتائج يراها البعض مثمرة حيث انسحبت القوات الروسية من الحدود الأوكرانية.
والنهج الذي اتبعته روسيا في إثارة القلاقل في أوكرانيا وشرق أوروبا هو حشد المعارضة في جميع أنحاء أوروبا ودعم الأحزاب اليمنية التي تعتبر التكامل الأوروبي خطرا. وترى تلك الأحزاب أن دعم السياسة الخارجية الروسية والحماس لروسيا ورئيسها سيضعف النظام الأوروبي السائد. وقد مولت روسيا القوى الانفصالية في شرق أوكرانيا، لكن الموقف الأميركي الموالي لأوروبا وحلف شمال الأطلسي وفرض مزيد من عزلة دولية على روسيا، جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موقف استراتيجي أقل قوة مما كان عليه في بداية العام الحالي، وليس واضحا مدى تغييرات مواقف أوروبا الدفاعية ردا على توغل روسيا في شبه جزيرة القرم.
ولدى صناع السياسة في الولايات المتحدة رؤية راسخة مفادها أن تعزيز الوجود العسكري الأميركي إضافة إلى المساعي الدبلوماسية الأميركية مع زعماء مجموعة الدول الصناعية (جي 7) سيلقي مزيدا من الضغوط في التضييق على روسيا، ودفعها لوقف دعمها للانفصاليين في أوكرانيا، وإحباط أي خطط روسية تهدد أمن دول أوروبا الشرقية، وإلا واجهت المزيد من العقوبات الاقتصادية.
وتزامن الإعلان عن الخطة خلال رحلة أوباما لبولندا مع اندلاع قتال عنيف في أوكرانيا بين القوات الحكومية ضد الانفصاليين الموالين لروسيا الذين سيطروا على مساحات شاسعة من المناطق الشرقية. وتأتي الخطة أيضا استجابة للدول الأوروبية الشرقية التي تطالب الولايات المتحدة بحمايتها من التهديدات الروسية.
أما مشهد الإعلان في وارسو فكان معبرا للغاية، حيث تحدث الرئيس أوباما عن تلك الخطة الأمنية ووراءه أربع مقاتلات من طراز «F16» وهو يقول «إن الولايات المتحدة فخورة بأن تتحمل نصيبها في الدفاع عن التحالف عبر الأطلسي». وأضاف أن «أمن حلفائنا في أوروبا الوسطى والشرقية هو حجر الزاوية في أمننا».
وشدد أوباما في الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لأول انتخابات حرة في بولندا على أن تلك الانتخابات كانت بداية النهاية للشيوعية في بولندا وعبر بلدان أوروبا. من جانب آخر، يرى بعض الخبراء أن تلك الخطط لبناء قواعد عسكرية أميركية ووجود عسكري أميركي كبير قرب الحدود الروسية مع أوروبا الشرقية قد يدفع روسيا إلى سباق تسلح جديد وحرب باردة جديدة. وقد حذرت روسيا من أي زحف لقوات حلف شمال الأطلسي نحو حدودها، وحذر ألكسندر جروشكو، مبعوث موسكو لحلف شمال الأطلسي، الأسبوع الماضي من أن زيادة المعدات العسكرية والقوات قد يؤدي إلى رد فعل من قبل روسيا. وقال «كل هذا يرجع أوروبا إلى أيام الحرب الباردة وانطلاق سباق التسلح».
وأشار فرانسيس بويل، أستاذ القانون بجامعة إلينوي، إلى أن مبادرة الرئيس أوباما تعكس مخاوف دول شرق أوروبا من تهديدات حقيقية من جانب روسيا. وقال «مع ما يحدث في أوكرانيا فإننا نشهد إعادة توجيه للسياسة الخارجية الأميركية نحو المواجهة المباشرة مع روسيا».
وحذر أندرس فوغ راسموسن، الأمين العام لحلف الناتو، الشهر الماضي من نمو الإنفاق الدفاعي الروسي بنسبة أكثر من 10 في المائة سنويا على مدى السنوات الخمس الماضية. وفي المقابل، قطعت العديد من دول حلف شمال الأطلسي إنفاقها الدفاعي بنسبة 20 في المائة خلال الفترة نفسها، وكان خفض الإنفاق الدفاعي أكبر في دول أوروبا الوسطى والشرقية.
وبينما رحب المراقبون على جانبي المحيط الأطلسي بمبادرة أوباما، فإن هناك قلقا من أن تلك الأموال الأميركية ستشجع أوروبا على مواصلة الاعتماد على التزام الولايات المتحدة الأمني. ويطالب خبراء أمنيون الدول الأوروبية بتحمل التزاماتها وتوزيع أعباء الأمن في أوروبا بشكل أكثر توازنا.
فيما يرى خبراء آخرون أن عقد الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا وفوز بترو بورشينكو الملقب بملك الشوكولاته قد يثير الآمال في حل دبلوماسي للأزمة الأوكرانية التي اندلعت في فبراير (شباط) الماضي عندما أطاح المحتجون بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا. وقد أرسلت الإدارة الأميركية بالفعل 150 جنديا إلى بولندا ودول البلطيق، لكن الإدارة الأميركية شددت على أنها لا تحاول إثارة مواجهة عسكرية مع روسيا.
ويقول ماركوس كيمهايد، بقسم أبحاث الأمن الدولي بالمعهد الألماني للشؤون الدولية، إنه بغض النظر عن التفاصيل المتعلقة بحجم الوجود العسكري الأميركي وعدد العسكريين الذين سيتم نشرهم فمن الواضح أن حلف الناتو بحاجة لإرسال إشارات قوية ردا على الضم الروسي لشبه جزيرة القرم وزعزعة استقرار شرق أوكرانيا. ويقول «يجب على حلف الناتو طمأنة الدول الأعضاء في وسط وشرق أوروبا والاعتماد على بند الدفاع الجماعي لمعاهدة حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه تشجيع ضبط النفس بين الحكومات، وأن يترجم الانتشار العسكري إلى نفوذ سياسي، وإنشاء قواعد دائمة في الشرق تسمح لحلف شمال الأطلسي بالتأثير على السياسات الأمنية للبلدان المهنية وتجنب أي مواجهة غير مرغوب فيها وردع أي سياسة روسية تهدد السلامة الإقليمية لتلك البلدان».
وتملك الولايات المتحدة قوات عسكرية صغيرة في بولندا. وقد زادت من وجودها العسكري بوصول 300 عسكري أميركي من سلاح الجو وعشرات من المقاتلات من طراز «إف 16» للمشاركة في المناورات العسكرية. لكن الوجود العسكري الأميركي في بولندا لا يرقى ليكون في حجم القواعد العسكرية الأخرى التي تملكها الولايات المتحدة في أوروبا. ومطالب بولندا لواشنطن بإنشاء قاعدة عسكرية أميركية كبيرة على الأراضي البولندية قد ينظر إليها باعتبارها مخالفة لاتفاق عام 1997 بين الناتو وروسيا الذي ينص على حظر إنشاء قواعد عسكرية في أوروبا الشرقية.
ورغم الاستراتيجية الثابتة للإدارة الأميركية بتحاشي الدخول في مواجهات عسكرية بعد حربي أفغانستان والعراق، فإن الانتقادات التي واجهتها إدارة أوباما في أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ومخاوف دول أوروبا الشرقية، فرضت تحركا أميركيا «ذا مغزى»، حتى وإن استغرق مزيدا من الأموال ومزيدا من الوقت.

* أكثر من ألف قاعدة أميركية في جميع أنحاء العالم

* تملك الولايات المتحدة أكثر من ألف قاعدة عسكرية أميركية في جميع أنحاء العالم، والعديد من تلك القواعد في أوروبا وبصفة خاصة في ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا.
ويوجد ما يقرب من 56 قاعدة أميركية داخل ألمانيا من أهمها قاعدة بانزركازرني، وهي منشأة عسكرية أميركية بالقرب من مدينة شتوتغارت. وهناك 113 قاعدة في إيطاليا أهمها قاعدة افيانوا الجوية، وهي قاعدة تابعة لحلف شمال الأطلسي في شمال شرقي إيطاليا عند سفح جبال الألب، وتملك القوات الجوية الإيطالية السيطرة الإدارية على القاعدة، وتستضيف الجناح الأميركي المقاتل 31 من القوات الجوية الأميركية الذي يملك مقاتلتين من طراز «إف 16» وسرب المقاتلات رقم 555 ومقاتلات من طراز «510 FS» بما يمكن من القيام بعمليات دفاعية وهجومية قتالية. وقد أسست الحكومة الإيطالية قاعدة افيانو الجوية عام 1911، وكانت تستخدم كقاعدة لتدريب الطيارين خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ويعد معسكر داربي في مقاطعة بيزا الإيطالية هو أكبر قاعدة أميركية خارج الأراضي الأميركية، وسمي داربي على اسم ويليام داربي المؤسس للكتيبة 1 الذي توفي في ساحة القتال في إيطاليا عام 1945.
وتعد قاعدة سيغونيلا الجوية البحرية في صقلية بإيطاليا مركزا لكل العمليات العسكرية الأميركية في البحر المتوسط، وتمثل القاعدة الرئيسة لأكثر من أربعين منشأة وعملية وأنشطة عسكرية أميركية، وهي تقع على بعد 40 كم غربا جنوب مدينة كاتانيا. وبسبب موقعها الممتاز في البحر المتوسط، تقوم القاعدة بدعم العمليات التي يقوم بها الأسطول السادس للولايات المتحدة وحلفاء الولايات المتحدة. وتخدم القاعدة الإيطالية النظم المضادة للغواصات البحرية. وتوجد بالقاعدة طائرات أميركية من طراز «C-17» وطائرات من طراز «C-130»، وناقلات بحرية أميركية. وتعد قاعدة سيغونيلا هي ثاني أكبر قواعد القوات البحرية الأميركية بعد قاعدتها في البحرين.
وتعد قاعدة روتا البحرية في إسبانيا هي القاعدة التي قامت الولايات المتحدة بتمويل إقامتها بالكامل، وهي تقع في مقاطعة قادس بالقرب من بلدة بيترو دي سانتا ماريا، وتضم أكبر منشأة عسكرية أميركية، ومنازل للمسؤولين بالبحرية الأميركية، وأفراد مشاه البحرية، إضافة إلى وجود لوحدات صغيرة من الجيش الأميركي والقوات الجوية.
وتحوي قاعدة روتا الإسبانية مطارا وميناء بحريا يضم ثلاثة أرصفة و426 مرفقا و806 وحدات سكنية للضباط. وتصفها البحرية الأميركية بأنها بوابة البحر المتوسط بالقرب من مضيق جبل طارق، وتقوم القاعدة بتوفير الدعم اللوجيستي للأسطول السادس الأميركي في البحر المتوسط والقوات الجوية الأميركية، والقوات التابعة لحلف شمال الأطلسي، وتقديم الدعم لعمليات الطوارئ في أفريقيا تحت القيادة المركزية، وضمان حركة آمنة وفعالة للبحرية الأميركية والقوات الجوية.
وللجيش الأميركي عدة قواعد عسكرية مشتركة مع القوات البلغارية تطبيقا لاتفاقية التعاون الدفاعي المشتركة التي وقعتها الولايات المتحدة وبلغاريا في أبريل (نيسان) عام 2006، حيث تقوم القوات الأميركية بمهام توفير التدريب للقوات البلغارية، وتشرف حكومة بلغاريا على تلك القاعدة. ووفقا للاتفاقية فإن عدد العسكريين الأميركيين هو 2500 جندي. ووقعت الولايات المتحدة اتفاقا آخر مع رومانيا يسمح لها باستخدام قاعدة ميخائيل كوغالينسونو. ولدى الولايات المتحدة أيضا قاعدة بحرية في اليونان عند خليج سودا.
أما في آسيا فتملك الولايات المتحدة 84 قاعدة في اليابان أبرزها معسكر زاما في طوكيو وفورتباكنر في أوكيناوا ومحطة توري في أوكيناوا. وتقدم الولايات المتحدة التدريب العسكري في الكويت في أربع منشآت عسكرية أهمها قاعدة علي السالم الجوية. وتملك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية كبيرة في البحرية، وهي مقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية والأسطول الخامس الأميركي. وقد استخدم البنتاغون تلك القاعدة للقيام بكل الأنشطة البحرية في حرب العراق، إضافة إلى معسكر ليمونير في جيبوتي، وهو قاعدة بحرية تشرف عليها قوات القيادة المركزية للبحرية الأميركية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.