أبو مازن: أميركا لم تعد تصلح لدور الوسيط... وقرار ترمب خطيئة

الرئيس الفلسطيني أعرب عن تقديره لجهود مصر خلال مؤتمر «الأزهر العالمي لنصرة القدس»

جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

أبو مازن: أميركا لم تعد تصلح لدور الوسيط... وقرار ترمب خطيئة

جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس المسلمين والمسيحيين إلى «شد الرحال» لزيارة القدس دعما لأهلها ولهويتها العربية والإسلامية، مشدداً خلال حضوره مؤتمرا دوليا، نظمه الأزهر في القاهرة أمس، رداً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، على أن زيارة القدس «ليست تطبيعاً مع إسرائيل... ولن نثق في أميركا لأنها لا تحترم أي قرارات تخص فلسطين، ولم تعد تصلح لدور الوسيط».
وانطلقت بالقاهرة أمس فعاليات مؤتمر «الأزهر العالمي لنصرة القدس»، تحت رعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وحضور عدد كبير من العلماء ورجال الدين والمفكرين والكتاب. وتستمر فعاليات المؤتمر على مدى يومين، بمشاركة وفود من 86 دولة بينها المملكة العربية السعودية.
وقال الرئيس الفلسطيني إن الجولة الأخيرة من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين «أكدت صواب دعوتنا لأبناء أمتنا العربية والإسلامية من المسلمين والمسيحيين من أجل (شد الرحال) إلى المدينة المقدسة نصرة لأهلها المرابطين فيها، وهم يواجهون أعتى المؤامرات التي تستهدف وجودهم»، مضيفاً أن التواصل العربي والإسلامي مع فلسطين والفلسطينيين ومع مدينة القدس وأهلها، على وجه الخصوص، هو دعم لهويتها العربية والإسلامية، لافتاً إلى أن الدعوات لعدم زيارة القدس بدعوى أنها أرض محتلة «لا تصب إلا في خدمة الاحتلال ومؤامراته، الرامية إلى فرض العزلة على المدينة، فزيارة السجين ليست تطبيعاً مع السجان».
ووصف أبو مازن قرار ترمب الذي ادعى فيه أن القدس عاصمة إسرائيل بـ«الخطيئة»، وقال إن الولايات المتحدة الأميركية اختارت بهذا القرار أن تخالف القانون الدولي، وأن تتحدى إرادة الشعوب العربية والإسلامية، مشيرا إلى أن فلسطين حصلت على 705 قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، و86 قرارا من مجلس الأمن منذ سنة 1948. لكن هذه القرارات لا تُطبق على أرض الواقع.
كما شدد أبو مازن على أن الولايات المتحدة أخرجت نفسها من عملية السلام في فلسطين بهذا القرار الخطير، ولم تعد صالحة للقيام بدور الوسيط، الذي كانت تلعبه خلال العقود الماضية، لافتا إلى أن فلسطين «ستعود لتستخدم الوسائل القوية للدفاع عن حقوقها؛ لكن لن نذهب للإرهاب والعنف؛ بل سنظل نطالب سلميا حتى نحصل على حقوقنا، فأميركا لا تحترم قراراتها بشأن القدس، فكيف نثق بهذه الإدارة والدولة العظمى؟، لذلك لن نثق في أميركا».
وخلال لقائه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجدداً موقف القاهرة الثابت من القضية، وسعيها للتوصل إلى حل عادل وشامل، يضمن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والمطالب بضرورة الحفاظ على الوضعية التاريخية والقانونية لمدينة القدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة.
وجاء لقاء السيسي - أبو مازن، عقب زيارة الأخير مصر للمشاركة في مؤتمر دعم القدس الذي نظمه الأزهر، أمس، كما التقى الرئيس المصري مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي، بحضور الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب.
وقال السفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أمس، إن الرئيسين عقدا جلسة مباحثات تم خلالها استعراض آخر المستجدات على صعيد القضية الفلسطينية، في إطار التنسيق والتعاون المستمر بين القيادتين، لبحث التحركات العربية والدولية الساعية للتصدي لقرار الولايات المتحدة باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، مشيرا إلى أن السيسي أكد موقف مصر الثابت من القضية.
ونقل راضي أن الرئيس الفلسطيني أعرب عن تقديره للجهود التي تقوم بها مصر لدعم الشعب الفلسطيني، مؤكداً أنها «لم تدخر وسعاً من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».
من جهته، قال شيخ الأزهر، إن المؤتمر «يدق من جديد ناقوس الخطر، ويشعل ما عساه قد خبا وخمد من شعلة العزم والتصميم على ضرورة الصمود أمام العبث الصهيوني الهمجي، الذي تدعمه سياسات دولية»، مشددا على أن كل احتلال إلى زوال، إن عاجلا أو آجلا.
وطالب شيخ الأزهر بإعادة الوعي بالقضية الفلسطينية عامة، وبالقدس خاصة: «فالحقيقة المرة هي أن المقررات الدراسية في مناهجنا التعليمية والتربوية في كل مراحل التعليم عاجزة عن تكوين أي قدر من الوعي بهذه القضية في أذهان الملايين من شباب العرب والمسلمين، عكس شباب المستوطنات الذي تتعهده منذ طفولته مناهج تربوية ومقررات مدرسية وأناشيد وصلوات تُشكل وجدانه العدائي وتغذيه بالعنصرية».
في غضون ذلك، قال الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف، خلال كلمته التي ألقاها مبعوث رئاسي نيابة عنه، إن أميركا تقدم الدعم المسلح لإسرائيل، موضحا أن «الحل في الشرق الأوسط وليس في أميركا، في الوقت الذي لا تقدم الأمم المتحدة حلولا، وقراراتها لا تنفذ»، مطالبًا بالقضاء على الخلافات الداخلية.
بدوره، أكد مشعل بن غانم السلمي، رئيس البرلمان العربي، أن ارتباط العرب والمسلمين والمسيحيين بالقدس عميق لوجود المقدسات، وأنه من الواجب العربي والإسلامي حماية القدس مما يحدث لها، ولذلك عقد المؤتمر العربي جلسة عاجلة لمناقشة الاعتداءات السافرة بالفلسطينيين والعبث بالقانون الدولي. مشيرا إلى أن البرلمان العربي اتخذ من القدس عاصمة أبدية لفلسطين شعارا لجلسته الطارئة، مؤكدا استمرار جهود البرلمان العربي في دعم فلسطين، وأن البرلمان العربي يجهز للقاء مع البرلمان الأوروبي لوقف مخططات تهويد القدس، ووقف قمة إسرائيل بالدول الأفريقية التي أجلت إلى أجل غير مسمى، محذرا من خطورة شغل إسرائيل مقعدا في مجلس الأمن الدولي وهو دولة محتلة. من جانبه، قال الشيخ لقمان حكيم سيف الدين، وزير الشؤون الدينية الإندونيسي، إن حكومة بلاده رفضت بشدة قرار الرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مشيراً إلى ضرورة توحد العرب، والوقوف صفاً واحداً، وبقاء قضية الأقصى والقدس خالدة في ذاكرة الأجيال.
وخلال جلسة المؤتمر الثانية، قال الحاخام اليهودي مير هيرش، زعيم حركة ناطوري كارتا اليهودية، إن الشعب اليهودي الأصيل «يرفض بصورة مطلقة كل حقيقة للوجود الصهيوني على هذه الأراضي الفلسطينية... ونحن نصلي يوميا لأن يزيح الله الحكم الصهيوني من على الأرض المقدسة، ونؤمن أن الحل النهائي والعادل لوقف نزيف الدماء وإحلال السكينة والسلام من أجل المسلمين واليهود، سيكون فقط من خلال إعادة الحكم عن طريق (فلسطين الواحدة) على أرض فلسطين لكل سكانها التي عاصمتها القدس».
من جهته، انتقد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، قرار الولايات المتحدة تعليق نحو نصف المساعدات المبدئية التي خططت تقديمها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». وقال في كلمة أمام مؤتمر الأزهر، إن هذا القرار «لا يأتي بمعزل عن قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهذا القرار يستهدف التعليم الفلسطيني، والصحة الفلسطينية، وإلغاء قضية اللاجئين».
وشدد أبو الغيط، على ضرورة مساندة الشعب الفلسطيني الذي يعاني كثيرا، موضحا أن مساعدتهم واجب على كل مسلم، وأن الأمن لن يتحقق في المنطقة إلا بحدود 1967.
في السياق نفسه، قال مرزوق الغانم، رئيس مجلس الأمة الكويتي، إن القدس «مدينة كل الناس والأجناس، ومدينة المساجد والكنائس والمعابد، ومهبط للأديان والرسالات... وعدونا يريد شيئاً واحداً هو أن يهزم صاحب القضية وهو الشعب الفلسطيني، وبعدها ييأس العرب ويتركوا القضية، وهو أمر جد خطير».
أما فؤاد السنيورة، رئيس وزراء لبنان الأسبق، فقد أكد بدوره أن هوية القدس ذات قدسية وخصوصية لأبناء الديانات الإبراهيمية، موضحا أن الصهاينة يزيلون الأماكن المقدسة بالقدس سواء للمسلمين أو المسيحيين لإلغاء ربط فلسطين بالقومية والهوية، وقال خلال ترؤسه جلسة «القدس وحضارتها... التاريخ والحاضر» على هامش مؤتمر «نصر القدس» بالقاهرة أمس: «يجب علينا استخدام قوتنا للحفاظ على فلسطين وإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس»، مطالباً بتوحيد جهود الفلسطينيين ما بين القومي والديني في مواجهة مخططات إزالة الهوية.
وأضاف السنيورة موضحا: «لدينا هدف واضح وهو إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فلا يصح أن تحتكر دولة بعينها القدس... القدس جميع الأديان، والعمل الآن ينبغي أن يعتمد على الجهد العربي».
في سياق ذلك، حذر الشيخ محمد أحمد حسين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، من أن القرارات الجائرة بشأن القدس تحاول محو الهوية العربية والإسلامية للمدينة، مشدداً على ضرورة إعادة البوصلة العربية والإسلامية نحو القدس، وأن تتوحد الأمة تجاهها.
بدوره، قال البابا فرنسيس الثاني بابا الفاتيكان، في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأزهر، قرأها نيابةً عنه الكاهن المصري يوأنس لحظي السكرتير الخاص لبابا الفاتيكان، إنه لن يكف عن الدعاء من أجل قضية السلام «ومن أجل سلام حقيقي فعلي، وأرفع الصلوات خاصة كي يعمل رؤساء الدول في كل بقاع الأرض من أجل تجنب دوامات جديدة من التوتر، ومن أجل دعم كل جهد كي يسود الوئام والعدل والأمان شعوب هذه الأرض».
وأضاف البابا أنه لن يكف أيضاً عن التوسُّط بين الفلسطينيين والإسرائيليين لحل الدولتين، مع الاحترام الكامل لمدينة القدس، التي تحتاج إلى وضع خاص للحفاظ على هويتها، وتجاوز النقاش بحدود الأراضي.



اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
TT

اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)

أعلن اليمن، الثلاثاء، مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش» الإرهابي، المكنى «أبو حذيفة الأنصاري»، خلال عملية نفذتها قوات خاصة مشتركة تابعة لتحالف دعم الشرعية وقوة مكافحة الإرهاب اليمنية «القوة 22» في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، في ضربة استخباراتية تستهدف أحد أبرز وجوه التنظيم.

وكشفت مصادر يمنية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الاسم الرباعي للمتحدث هو ميثاق ثابت هيثم الحجيلي، وهو يمني من محافظة حجة، وأكدت المصادر التي فضلت حجب هويتها أنه المتحدث باسم التنظيم ككل، مما يعكس أهميته في سلم القيادات داخل التنظيم الإرهابي.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن (الاستخبارات)، في بيان، إن العملية نُفذت فجر الثلاثاء، في إطار التعاون وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الجهاز وقيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، موضحاً أن القوات تمكنت من القضاء على المطلوب في أثناء اختبائه في أحد المنازل السكنية بمدينة سيئون.

وأفاد البيان بأن القيادي كان داخل المنزل برفقة 8 مدنيين، بينهم رجل وامرأتان وخمسة أطفال، مشيراً إلى أن القوات تمكنت من إخراج النساء والأطفال ونقلهم إلى مكان آمن من دون تعرضهم للإصابة أو الأذى.

التنظيمات الإرهابية في اليمن سبق لها السيطرة على مناطق واسعة قبل التصدي لها (إعلام محلي)

وتكشف هذه التفاصيل عن حساسية العملية التي جرت في منطقة سكنية مكتظة، إذ أكد الجهاز الأمني اليمني أن القوات تمكنت من تنفيذ المهمة وتحييد المطلوب من دون وقوع أضرار جانبية بالممتلكات أو المدنيين في الحي.

ووفق البيان، أسفرت العملية كذلك عن إلقاء القبض على شخص كان موجوداً مع «أبو حذيفة الأنصاري» داخل المنزل، بعد مقاومته للقوات وإصابته خلال التعامل معه، قبل تقديم العلاج الطبي له ونقله إلى مكان آمن.

المضبوطات في الموقع

خلال عملية مسح الموقع وجمع الأدلة، عثرت القوات اليمنية على عدد من المضبوطات، بينها حزام ناسف جرى إبطاله وتفجيره لتحييد خطره على المدنيين، إضافة إلى جهازي كمبيوتر محمول، وخمسة جوالات، وجهازين لوحيين.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن إن المضبوطات جرى تحريزها، فيما استكملت الجهات المختصة إجراءات الاستدلال والتوثيق، قبل أن تغادر القوات الخاصة المشتركة منطقة العمليات بعد نجاح تنفيذ المهمة.

تنظيم «داعش» في اليمن خسر أغلب قدراته العسكرية على الأرض (إعلام محلي)

وتشير المضبوطات الإلكترونية، في حال أظهرت عمليات الفحص محتويات ذات صلة بنشاط التنظيم، إلى احتمال أن توفر العملية معلومات إضافية عن شبكات الاتصال والاتصالات الرقمية للقيادي القتيل، خصوصاً أن استهداف القيادات الإرهابية يعتمد بدرجة كبيرة على ما يمكن استخلاصه من الأجهزة التي تضبط في مواقع العمليات.

ولم يكشف البيان عن تفاصيل إضافية بشأن هوية «أبو حذيفة الأنصاري» أو موقعه داخل الهيكل التنظيمي لـ«داعش»، مكتفياً بوصفه متحدث التنظيم، كما لم يوضح طبيعة المعلومات التي قادت القوات إلى المنزل أو الفترة التي قضاها القيادي مختبئاً في سيئون.

تعاون استخباراتي

تبرز العملية، بحسب الجهاز المركزي لأمن الدولة، بوصفها نتيجة مباشرة للتعاون الاستخباري بين الأجهزة اليمنية والقوات المشتركة للتحالف، إذ أشار البيان إلى تبادل المعلومات بشأن المطلوبين، والاستفادة من منظومات المراقبة والاستطلاع الاستخباري، إلى جانب التخطيط والتدريب العملياتي لتنفيذ المهمة.

ويأتي استهداف متحدث «داعش» في وقت تراجعت فيه قدرة التنظيم على الاحتفاظ بمناطق نفوذ واسعة في اليمن، بعد سنوات من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت عناصره وقياداته وشبكاته.

وكان التنظيم قد ظهر في اليمن بصورة علنية في أواخر عام 2014، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الحرب، وتمكن من بناء وجود في مناطق عدة، خصوصاً في البيضاء وأجزاء من حضرموت وشبوة، قبل أن يتعرض لضربات متتالية أدت إلى تراجع قدراته الميدانية.

ومع خسارته القدرة على فرض وجود جغرافي واسع، اتجه التنظيم إلى العمل عبر خلايا محدودة، والاعتماد على الاختباء في المناطق النائية أو داخل البيئات السكنية، وتنفيذ هجمات متفرقة باستخدام العبوات والمتفجرات.

ويمثل مقتل متحدث التنظيم ضربة تتجاوز الجانب الميداني، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المنظومة الإعلامية في الحفاظ على التواصل بين القيادة والخلايا والأنصار، خصوصاً بالنسبة إلى تنظيم فقد معظم قدرته على السيطرة المكانية.

ويؤكد الجهاز المركزي لأمن الدولة أن الحكومة اليمنية ستواصل ملاحقة المطلوبين من عناصر التنظيمات الإرهابية وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة، مشدداً على استمرار التنسيق مع التحالف والشركاء الدوليين في جهود مكافحة الإرهاب.

وقال الجهاز إن اليمن «لن يكون ملاذاً لهم»، في رسالة تعكس سعي السلطات إلى منع التنظيمات الإرهابية من استغلال المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية فراغات أمنية أو صراعات محلية لإعادة بناء شبكاتها.


«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
TT

«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)

بدأت الجماعة الحوثية استنفارها الأمني وإعداد خطة استخباراتية لمواجهة احتفالات اليمنيين بذكرى «ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962»، قبل موعدها بنحو شهر، سعياً إلى منع تحول هذه المناسبة فرصةً للتخلص من سلطتها والتعبير عن رفض ممارساتها ونفوذها، وذلك بالتزامن مع التصعيد والمواجهات العسكرية مع الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة بدأت حملات الاعتقالات وتشديد الرقابة، التي تستهدف التجمعات والأنشطة واللقاءات الاجتماعية، ووضع قيود عليها، وتشديد الرقابة على أي أنشطة اجتماعية خارج نطاق إدارتها، إلى جانب فرض حالة تشبه منع التجول في الأوقات المتأخرة من الليل في كل الشوارع والأحياء والحارات.

ووفق المصادر، فقد اعتقلت شرطة الجماعة، خلال الأيام القليلة الماضية، مئات الشبان المتجمعين في سهرات ليلية بمختلف مناطق العاصمة المختطفة صنعاء، واقتادتهم إلى الأقسام ومقار الاحتجاز، حيث جرى التحقيق معهم بسرعة وإطلاق سراح غالبيتهم بعد إلزامهم التوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع.

وشملت هذه الإجراءات المشردين الذين طاردتهم عناصر الجماعة لإبعادهم عن مراكز الازدحام والأسواق، وكذلك شملت المتسولين الذين مُنعوا من الخروج خلال ساعات الليل.

اليمنيون يعدّون الاحتفال بذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» إحدى وسائل مواجهة الحوثيين (غيتي)

وقال سكان في السنينة، وهو حي مزدحم غرب صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة نشرت عدداً كبيراً من الدوريات والعناصر الراجلة للعمل خلال ساعات الليل وملاحقة واعتقال الشباب والأطفال الذين يتجمعون في الأحياء والحارات لقضاء أوقاتهم في مضغ نبتة القات أو اللعب، وإجبارهم على العودة المبكرة إلى المنازل.

وأضافوا أن الباعة المتجولين مُنعوا من العمل أو الوجود في المناطق المزدحمة منذ المغيب، ودُفعوا إلى الانتقال لداخل الحارات.

وتستعد الجماعة لإغراق المجال العام بشعارات وفعاليات احتفالية بذكرى «21 سبتمبر 2014» وهو يوم سيطرتها على صنعاء، ضمن ما يرى فيه اليمنيون مساعيَ حثيثة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وطمس الهوية الوطنية المرتبطة بـ«ثورة 26 سبتمبر 1962» التي أطاحت أسلاف الجماعة ونظامهم الإمامي.

إجراءات مبكرة

وفق المصادر، فقد لجأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة للحوثيين إلى إعداد خطة تتضمن إجراءات مشددة لمنع حدوث احتفالات شعبية في أي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعة، وحظر أي دعوة لأي تجمعات في الميادين والساحات العامة، والرقابة الصارمة على وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل مع أي دعوة أو إعلان عن الاحتفالات الجماعية.

الحوثيون يعتزمون تكثيف تجمعات أنصارهم للتغطية على احتفالات اليمنيين بـ«ثورة سبتمبر 1962» (رويترز)

وكشفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن الخطة تتضمن إجراءات استباقية للحد من مظاهر الاحتفالات الشعبية بذكرى الثورة، كالرقابة على بيع الأعلام والزينات، وإلزام التجار والباعة عدم البيع إلا بأعداد محدودة، والإبلاغ عن أي طلبات لكميات كبيرة والكشف عن هوية أصحابها.

وتعتزم الجماعة تكثيف احتفالاتها بذكرى انقلابها على الدولة والتوافق السياسي، وزيادة فعاليات التجمعات المؤيدة للتصعيد العسكري والبحري، وتبني خطاب يربط جميع الاحتفالات والتجمعات بذكرى «الثورة والانقلاب معاً»، إلى جانب مؤازرة العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية ومناطق سيطرتها.

ويعدّ اليمنيون الاحتفالات الحوثية بذكرى الثورة مجرد ادعاء؛ لأنهم يرون في فكر الجماعة وممارساتها نقيضاً كاملاً لمبادئ «ثورة 26 سبتمبر» والنظام الجمهوري الذي نشأ منها. فالثورة قامت في عام 1962 لإطاحة نظام الحكم الإمامي الذي يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم امتداداً فكرياً وسلالياً يسعى إلى إعادته بصيغة جديدة.

«ثورة 26 سبتمبر 1962» تمثل إلهاماً لليمنيين يضاعف مخاوف الحوثيين (إكس - أرشيفية)

وتتضمن الخطة نشر الشائعات عن احتمالية استهداف واختراق التجمعات الشعبية ووقوع أعمال عنف مما يهدد بسقوط ضحايا، ضمن مزاعم الجماعة بوجود نيات لاستهدافها من أعداء خارجيين.

خوف من الذاكرة

تعتمد الخطة الأمنية على توجيه الدعوات المباشرة، وبرسائل ورقية توزع في كل الأحياء، للسكان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية التي تنظمها الجماعة بهذه المناسبة وربطها باحتفالاتها بذكرى سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، مع التحذير من الاستجابة لدعوات تصدر من أفراد أو جهات لا تتبع الجماعة للاحتفال بذكرى الثورة منفردة.

كما تتضمن الخطة تكثيف حملات الاعتقالات، ليس فقط ضد من يدعون إلى الاحتفال، بل وتوسيع الحملات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات بغرض ترهيب السكان، وتوسيع محاكمة المعتقلين الحاليين، وزيادة المساحات الإعلامية المخصصة لتغطية هذه الإجراءات.

وشدّد معدو الخطة الحوثية على ضرورة تعزيز الرقابة المفروضة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب السياسية، لا سيما قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر الشعبي»، ومنع أي فعاليات أو لقاءات حزبية إلا بموافقة من الجهات الأمنية وتحت إشرافها.

الاستنفار الأمني الحوثي يزداد كل عام مع اقتراب ذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» (أ.ف.ب)

ومن المقرر، طبقاً للخطة، أن تُصدر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي بيانات وخطابات تستهدف الدعوات الشعبية إلى الاحتفال، وتُشرعن إجراءات القمع والاعتقالات بالتحذير مما تسميها «مخططات مدفوعة من الخارج» تهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار» و«شق الجبهة الداخلية».

وتنوي سلطات الجماعة فرض رقابة صارمة على قطاع التعليم والدوائر الحكومية، ومنع المدارس والجامعات من تنظيم أي فعاليات أو إذاعات مدرسية تحتفي بالثورة دون إشراف مباشر منها.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا الاستنفار الحوثي غير المسبوق يعكس «فوبيا» حقيقية لدى قيادة الجماعة من أي تحرك شعبي عفوي خارج عن سيطرتها.

ولم يعد «سبتمبر» مجرد ذكرى تاريخية بالنسبة إلى اليمنيين، بل تحول إلى أداة مقاومة مدنية وأسلوب احتجاج سلمي للتعبير عن الضيق من تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، والقبضة الأمنية الخانقة في مناطق سيطرة الجماعة.


حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)

تتجه حضرموت إلى دخول الاستحقاقات السياسية المقبلة برؤية تتجاوز المطالب الخدمية والتنموية، وتضع شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة في قلب مشاركتها في أي تسوية يمنية، إذ أقر المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الفيدرالية خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، مؤكداً أن المحافظة طرف أصيل في المعادلة الوطنية، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُحدَّد من دون مشاركة أبنائها.

ويأتي ذلك بينما تُستكمَل الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، في مسعى لإنتاج رؤية سياسية موحدة لمستقبل الجنوب ضمن مسار الحل الشامل في اليمن. وتمنح المواقف الحضرمية الجديدة المحافظة ورقة تفاوضية مبكرة، خصوصاً مع إصرارها على أن تكون مشاركتها في الحوار بوصفها طرفاً حضرمياً مستقلاً، لا مجرد امتداد لمكونات جنوبية أخرى.

وفي ختام أعماله بمدينة المكلا، اعتمد المؤتمر المشروع السياسي للمجلس، إلى جانب «الرؤية الحضرمية للحوار الجنوبي الشامل»، مرجعيتين لمواقفه وخياراته السياسية. كما شدَّد على رفض أي ترتيبات سياسية أو دستورية أو إدارية أو اقتصادية تخص حضرموت من دون مشاركة حضرمية فاعلة في صياغتها واتخاذ القرار بشأنها.

تأييد حضرمي لإجراءات مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين (إعلام محلي)

ولم يطرح المؤتمر «الفيدرالية» بوصفها صيغة نهائية مفروضة، بل بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش ضمن أي تسوية وطنية شاملة، مع ربطها بمنح حضرموت صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة.

ويرفض المجلس، وفق مخرجات المؤتمر، إعادة إنتاج أنماط المركزية السياسية والاقتصادية والإدارية، التي يرى أنها أسهمت في اختلال توزيع السلطة والثروة وأعاقت التنمية والاستقرار.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتثبيت قضية حضرموت على مسار موازٍ للنقاش الأوسع حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية، خصوصاً أن المؤتمر وصف المحافظة بأنها «قضية سياسية أصيلة ومشروع سياسي مستقل».

وطالب المشاركون بتمثيل عادل لحضرموت في المناصب السيادية والعليا ومؤسسات الدولة المركزية، مع مراجعة أوضاع التعيينات بما يحقق العدالة والتوازن. كما فوضوا قيادة المجلس بتشكيل الوفود الحضرمية المشاركة في الحوار الجنوبي وأي مفاوضات مستقبلية، على أساس التوافق وتنوع المكونات والكفاءة والخبرة.

وزكّى المؤتمر سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وفوضه باختيار هيئة الرئاسة وإعلانها خلال أسبوعين، إلى جانب توسيع دائرة الحوار والتشاور بما يضمن تمثيل مختلف القوى والأطياف السياسية والمجتمعية.

النفط في قلب المعادلة

لا تنفصل المطالب السياسية الحضرمية عن الملف الاقتصادي، إذ وضع المؤتمر ثروات حضرموت الطبيعية في صلب رؤيته لمستقبل المحافظة، معلناً أن مواردها حق أصيل لأبنائها وأساس لتنميتها واستقرارها.

وطالب المؤتمر بإدارة واستثمار النفط والغاز والمعادن وفق مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة والحوكمة، رافضاً استئناف تصدير النفط من حضرموت قبل ضمان حقوق المحافظة واستحقاقاتها، وفي مقدمتها حصتها البالغة 20 في المائة.

ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع الحضرمي في تأسيس المجلس التنسيقي (إعلام حكومي)

كما دعا إلى وضع آلية تنفيذية محددة زمنياً لتنفيذ ما ورد في بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، وفوض قيادة المجلس بمتابعة الملف مع الجهات المعنية.

ويكشف الجمع بين المطالب السياسية والاقتصادية عن رغبة حضرمية في تحويل قضية الموارد من ملف مالي محلي إلى أحد مرتكزات التفاوض على شكل العلاقة بين المحافظة والدولة، بما يربط إدارة الثروة بمستقبل توزيع السلطة.

الأمن... والعلاقة الإقليمية

في الجانب الأمني، وضع المؤتمر حماية حضرموت وسكانها وثرواتها ومنافذها ومؤسساتها في مقدمة الأولويات، داعياً إلى بناء وتأهيل وتدريب وتسليح مؤسسات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية تعمل وفق القانون.

كما أعلن رفض الإرهاب والتطرف والفوضى، وكل ما يهدد السلم الأهلي أو يستهدف المواطنين ومؤسسات الدولة والمصالح العامة.

وفي المقابل، حملت المخرجات رسالة واضحة بشأن علاقة حضرموت بالسعودية، إذ ثمّن المؤتمر العلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين الجانبين، ودعا إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن، والتنمية، والاستثمار، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية.

جانب من الحضور النسائي في أعمال المؤتمر الحضرمي (إعلام حكومي)

وأدان المشاركون هجمات الحوثيين والميليشيات الموالية لإيران على السعودية، معلنين تضامنهم معها، ورفض أي مساس بأمنها وسيادتها واستقرارها، وعادّين أن أمن المملكة جزء من أمن حضرموت واليمن واستقرارهما.

كما أيَّد المؤتمر القرارات والإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الحوثيين، مؤكداً دعمه كل ما من شأنه حماية الدولة والمواطنين، وصون الأمن والاستقرار.