ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

المفكر الفرنسي هنري بينا ـ رويز يجري حواراً خيالياً مع صاحب «رأس المال»

كارل ماركس
كارل ماركس
TT

ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

كارل ماركس
كارل ماركس

تخيلوا ولو للحظة أنه كان يوجد إنترنت وفيديو وفضائيات في عصر كارل ماركس. بل تخيلوا لو أن هذه الثورة المعلوماتية التي غيرت وجه الكون كانت موجودة في عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو. كنا سنراهم عندئذ بالصوت والصورة وهم يتمشون ويتحاورون في شوارع أثينا... بل تخيلوا لو أننا نرى المتنبي بكل شخصيته الفذة حيا وهو يلقي قصائده في حضرة سيف الدولة من خلال اليوتيوب؟ كيف كان زعيم الشعر العربي يترنم بشعره وقوافيه؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقل. ولكن للأسف كل هذه الأشياء نحن محرومون منها إلى الأبد. ولم يبق لنا منهم إلا مؤلفاتهم المكتوبة بلا صوت ولا صورة ولا حياة ولا من يحزنون. بحياتنا كلها لن نراهم ولن نعرف صور وجوههم ولا نبرات أصواتهم. أما عباقرة هذا الزمن من أمثالنا فسيراهم الناس بعد مليون سنة بصورهم الشخصية كما كانوا. سوف يرونهم بكل ضحكاتهم وابتساماتهم وتكشيراتهم إلخ... ويا له من كنز لا يقدر بثمن وتحسدنا عليه كل الأجيال السابقة من اليونان إلى العرب إلى حكماء الهند والصين والغرب أجمعين. ولهذا السبب أقول: أكبر حظ في التاريخ أننا لم نمت قبل ظهور الإنترنت والإيميل وكل الثورة المعلوماتية الحالية.
ولكن هذا لا يمنعنا من التخيل. فالخيال يعوض عن الواقع الحقيقي إلى حد ما. وفي كل الأحوال لم تعد لدينا وسيلة أخرى لاستنطاق عظماء الماضي واستمزاج رأيهم فيما يحصل حاليا. وهذا ما فعله المفكر الفرنسي المرموق هنري بينا - رويز. وهو فيلسوف وأستاذ جامعي وأحد كبار منظري العلمانية في فرنسا. وقد أصدر مؤخرا كتابا ضخما بعنوان: قاموس عاشق للعلمانية. ويا ليته يترجم إلى العربية. ماذا فعل هذا الباحث؟ لقد أعاد كارل ماركس إلى الحياة مرة أخرى وحاوره وأجرى معه عدة مقابلات متواصلة شكلت كتابا ممتعا في نهاية المطاف بنحو المائتي صفحة إلا قليلا. وكانت أسئلته من نوع: ما رأي كارل ماركس بحاله وتجربته ومساره الفكري والنضالي إبان القرن التاسع عشر؟ بل ما رأيه بأحوال العالم اليوم لو أنه بعث حيا في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين؟ وكذلك ما رأيه بكبار مفكري عصره وبالأخص أستاذه الكبير هيغل؟ ثم ما رأيه بأشياء أخرى كثيرة لا عد لها ولا حصر؟ هذا ما تجدونه في هذا الكتاب الخيالي الممتع الفريد من نوعه. وهو يشبه محاورات أندريه ميكيل مع أكبر خليفة مثقف في تاريخ العرب والإسلام: عنيت المأمون.
ولكن منعا لكل التباس تقتضي مني الأمانة منذ البداية أن أقول للقارئ ما يلي: في حياتي كلها لم أكن معجبا بماركس ناهيك بالماركسية والشيوعية وذلك لسبب بسيط: هي أنها مادية محضة أي تركز على العوامل المادية بشكل مسرف. وهو شيء يزعجني وينفرني منها. لهذا السبب لم يكن ماركس إحدى مرجعياتي الفكرية يوما ما. وذلك على عكس فولتير أو كانط أو بالأخص جان جاك روسو. فهؤلاء مثاليون روحانيون أكثر مما هم ماديون بكثير. وهذا ما يعجبني ويريحني فيهم. ولكن بما أن المؤلف مقتنع بما يقول فلماذا لا أعطيه حق الكلام والإعجاب بماركس. أقول ذلك وبخاصة أن هنري بينا - رويز شخص محترم ومفكر حقيقي لا يستهان به. أليست الديمقراطية تعني إفساح المجال لمن يختلفون معنا في الرأي والتحليل؟ يضاف إلى ذلك أنه يحب ماركس ويكره الماركسية. وهذا شيء يعجبني جدا فيه. إنه يكره الماركسية كعقيدة مغلقة أو متكلسة متحنطة متحجرة تلغي العقل والإبداع. ضمن هذا المنظور أقدم هذا الكتاب. في المقدمة التي تستهل الكتاب يقول لنا المؤلف ما معناه: هذا المحاورات التي ستقرأونها لم تحصل أبدا. فكارل ماركس مات قبل أن أولد أنا بأكثر من ستين سنة. ومع ذلك فهي حقيقية ولم أخترع شيئا من عندي. لم أكذب عليه ولم أرد تقويله ما لم يقله. الأسئلة الواردة هنا فقط مني. أما الأجوبة فهي مستمدة كليا من كتب كارل ماركس ومقالاته الكثيرة. ولذا أستطيع القول إن هذه المقابلات الخيالية مع شخص مات عام 1883 أي قبل قرن ونصف تقريبا ليست وهمية ولا خيالية على الإطلاق. وقد أردت من خلالها التسهيل على القارئ للدخول إلى فكر كارل ماركس الصعب والمعقد أحيانا. وهو فكر غير معروف جيدا على عكس ما نتوهم. وذلك لأنه مطمور تحت ركام من الأحكام المسبقة والأفكار الشائعة والشعارات الديماغوغية الخاطئة.
ثم يضيف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن فكر كارل ماركس أبعد ما يكون عن تلك الصورة المشوهة التي قدمها ستالين والستالينيون الشيوعيون عنه. إنه شخص آخر. ويمكن القول بأن كارل ماركس هو شخص رؤيوي يرى إلى البعيد وبعيد البعيد. نعم لقد تنبأ ماركس بالعولمة الرأسمالية المجنونة السائدة حاليا والمهيمنة على العالم. لقد رآها بأم عينيه وعرف أنها قادمة لا محالة. وهي عولمة تزيد الغني غنى والفقير فقرا. ولهذا السبب ساءلته عن عبادة المال في عصرنا، وعن العذاب البشري لمعظم الشعوب المحرومة من ثمار العولمة، وعن الدين، وعن الاستغلال، وعن التضامن مع الفقراء والمحتاجين، إلخ... لقد أردت أن أعرف رأيه في كل هذا. وعن ذلك نتج هذا الكتاب.
ولكن ماذا يقول بعض معاصرينا عنه؟ إنهم يتهمونه بالمسؤولية عن الغولاغ الستاليني المرعب. وهذا ظلم ما بعده ظلم. فهل يسوع المسيح مسؤول عن محاكم التفتيش السيئة الذكر؟ هناك المبادئ المثالية الرائعة وهناك التطبيقات السيئة أو المنحرفة الضالة. وبالتالي فرجاء لا تخلطوا هذه بتلك. ولا تظلموا ماركس أكثر مما يجب. فقد كان فيلسوف التحرير لا القمع. لقد ناضل طيلة حياته كلها من أجل تحرر الناس والشعوب. وأكبر دليل على ذلك مساندته لأبراهام لنكولن في معركته الهادفة إلى تحرير الزنوج في أميركا. وهي معركة دفع ثمنها الرئيس الأميركي العظيم غاليا لأن غلاة البيض المتطرفين قتلوه كما هو معروف. لقد اغتالوه بطلقة مسدس من وراء ظهره وهو يجلس في قاعة السينما منهمكا بمشاهدة أحد الأفلام. ودافع ماركس أيضا عن حرية الصحافة ضد الرقابة البروسية القمعية. ودافع بالطبع عن طبقة العمال المسحوقين المستغلين من قبل الرأسماليين الشرهين.
ولكن ماركس كما يقول المؤلف لم يشهد إلا المرحلة الأولى من الرأسمالية: أي رأسمالية القرن التاسع عشر. وهي ما يمكن أن ندعوه بالرأسمالية البدائية. ومعلوم أنها كانت بلا إيمان ولا قانون إلا قانون الربح السريع على ظهور العمال البائسين الذين يشتغلون أكثر من عشر ساعات في اليوم بأجور زهيدة جدا ودون ضمان صحي ولا تأمينات اجتماعية ولا أي أمان من أي نوع كان. ولكن بعد هذه الرأسمالية الأولى المتوحشة واللاإنسانية بالمرة حلت الرأسمالية الثانية في القرن العشرين. وقد لعبت تنظيرات ماركس وإنغلز دورا كبيرا في تخفيف وطأتها على الطبقة العاملة. فقد وجهت هذه التحليلات والتنظيرات المضيئة نضالات الطبقة العاملة وجعلتها تفرض على الرأسماليين بعض التسويات والتنازلات لصالحها. وهكذا حصل العامل في أوروبا على الضمان الاجتماعي والصحي وتقليص ساعات العمل وزيادة الأجور. وهكذا أصبح العامل يمتلك البراد والغسالة والسيارة. ودخل حياة الاستهلاك والاستمتاع بالحياة إلى حد ما. ويرى المؤلف أنه لولا تنظيرات ماركس المضيئة التي قادت النضالات العمالية والنقابية لما تحقق كل ذلك. وبالتالي فمن يقول إن الفكر مجرد كلام في كلام لا معنى له ولا قيمة مخطئ. الفكر أقوى من الرصاصة إذا كان فكرا حقيقيا مضيئا.
ثم انتقلنا الآن إلى المرحلة الثالثة من مراحل الرأسمالية. وهي ما يمكن أن ندعوه بالعولمة الرأسمالية المصرفية. ويرى المؤلف أن هذه المرحلة الثالثة تتميز بهيمنة الفلوس التي أصبحت معبودة كالعجل الذهبي. فأصحاب المليارات يتحكمون بالعالم ويستعرضون عضلاتهم، أي فلوسهم دون أي خجل أو حياء في بحر من الفقر المدقع. ولا يوجد عندهم أي إحساس ولا ضمير ولا أي ذرة من النزعة الإنسانية. هنا تكمن أصولية الغرب المتوحشة والباردة والصقيعية. وهذه المرحلة الثالثة كان كارل ماركس قد تنبأ بها في كتاب الرأسمال الشهير وبالأخص في الفصل المكرس لتحليل عبادة السلعة وتقديسها، وكذلك عبادة المال، والرأسمال المؤدي إلى المزيد من المال عن طريق الفوائد الناتجة عنه.كل هذا تنبأ به كارل ماركس. بل وتنبأ بالانحرافات الخطيرة التي طرأت على الرأسمالية مؤخرا وأدت إلى المضاربات المصرفية في البورصات العالمية. وهي مضاربات أدت إلى الأزمة العالمية الشهيرة عام 2008 حيث حصلت أكبر عملية سطو على مدخرات الناس العاديين في البنوك. ولا ننسى الأضرار التي طرأت على البيئة بسبب هوس الرأسماليين المجنون بالإنتاج وزيادة الإنتاج غير عابئين بمصلحة الأرض والطبيعة ناهيك بالإنسان. كل هذا ندفع ثمنه غاليا الآن بسبب شراهة الرأسمالية الغربية المتوحشة واللإنسانية. فالتلوث أصبح يملأ الأجواء والاضطرابات المناخية أصبحت تهدد مصير الجنس البشري كله.
- كيف قابل المؤلف كارل ماركس؟
إليكم هذا السيناريو الطوباوي الخيالي: بما أنه أصبح معجبا كل الإعجاب بروائع ماركس الخالدة والمجهولة على حد قوله، فإنه قرر السفر إلى لندن لمقابلته هناك حيث يقيم. وقد التقاه في أواخر حياته لا بداياتها. التقاه في بيته عام 1882 بعد أن فقد زوجته وحبيبة قلبه جني ماركس عام 1881. التقاه بعد أن أنهكه المرض والحزن ولم تبق له إلا سنة واحدة لكي يعيش. فهذه الزوجة رافقته طيلة حياته كلها ولم تتركه على الرغم من الفقر المدقع والحرمان المادي الرهيب. ومعلوم أنها ولدت في عائلة غنية وشبعانة لا تعرف الجوع ولا الحرمان. فكيف صبرت على تلك الحياة البائسة مع شخص عاطل عن العمل ولا يدخر شيئا تقريبا؟ لقد أقنعها بفكره وبذلك الحلم الرائع الهادف إلى تحرير البشرية وتحقيق الجنة على هذه الأرض. ثم إن الحب أعمى كما يقال. لحسن الحظ فإن الصديق الغني إنغلز موجود، وهو الذي أنقذ العائلة من شر مستطير. ومعلوم أن ماركس وزوجته فقدا ثلاثة أطفال بسبب الجوع والحرمان وعدم القدرة على معالجتهم طبيا. ولكن ذلك كان قبل التعرف على إنغلز.
ثم يقول المؤلف إن صحة كارل ماركس تدهورت كثيرا في الفترة السابقة على الرغم من أن عمره لم يتجاوز الثالثة والستين. ولكن الحياة البائسة التي عاشها والآلام الجسدية والمعنوية قضت على صحته. يضاف إلى ذلك أن رحيل زوجته الغالية دمر ما تبقى... وكل الذين قابلوه في الآونة الأخيرة قالوا بأنه منهك تماما. ومع ذلك فلا يزال يواصل العمل على كتابه الأساسي: الرأسمال. وهو رائعته الفكرية التي لم يستطع إنجازها كليا. وقد استقبله في مكتبه المليء بالأوراق والمراجع والجرائد وكل الفوضى العارمة لمفكر من حجم كارل ماركس. وكانت إلى جانبه صورة إنغلز رفيق دربه في النضال والكفاح من أجل عالم أكثر عدلا أو أقل ظلما. لقد ناضلا فكرا وممارسة من أجل تجاوز هذا العالم الرأسمالي الظالم واستهلال عالم آخر جديد. ولم تذهب نضالاتهما سدى. فقد تحسنت أوضاع الطبقة العاملة كما ذكرنا حيث نالت بعض حقوقها في عهد الرأسمالية الثانية.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً