تراجان... باني الإمبراطورية الرومانية

معرض كبير تشهده العاصمة الإيطالية في ذكرى مرور 1900 عام على وفاته

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

تراجان... باني الإمبراطورية الرومانية

جانب من المعرض
جانب من المعرض

ما يبدعه الطليان بين الحين والآخر يكاد يكون الوسيلة الوحيدة لإضاءة القلب، وجعله ساخناً على الدوام، والمثل الذي يسمعه المرء في كل مكان في العالم «كل الطرق تؤدي إلى روما» تحول على أيدي الطليان هذه الأيام إلى معرض فني كبير، نظمته وأشرفت عليه وزارة الكنوز الثقافية الإيطالية، ليحتل السرادق المرممة للأسواق القديمة لعاصمة الإمبراطورية الرومانية التي تقع في قلب المجمع الروماني (الفورو رومانو).
ويستمر هذا المعرض حتى منتصف شهر سبتمبر من العام المقبل، احتفاء بذكرى مرور 1900 عام على وفاة ما يعتبره الإيطاليون واحداً من أعظم أباطرة روما، الذي بلغت الإمبراطورية في عهده أوج اتساعها وعمرانها، وهو الإمبراطور ماركو تراجان (تريانو) الثالث عشر في مسلسل الأباطرة الذين حكموا البلاد. ولد تراجان عام 53 م، في مدينة ياتاليكا بجنوب إسبانيا، وتبنته عائلة الحاكم الروماني لولاية سوريا، وحكم كإمبراطور سنة 98 حتى وفاته عام 117، وورّث الحكم مباشرة لابنه بالتبني الإمبراطور أدريانو.
واشتهر تراجان بانتصاراته على أعداء الإمبراطورية. وأحد الانتصارات التي قادها بنفسه في رومانيا ذلك الانتصار الذي خلده بنصب مسلته على شكل عمود نحتي دفن بجواره، ارتفاعه نحو 40 متراً ويحوي 18 طبقة من المرمر، قطر كل منها 3 أمتار و83 سنتم، وتزن كل واحدة منها 40 طناً، وتمثل 130 مشهداً حربياً بشكل لولبي يبدأ من الأسفل ويرتفع إلى السماء. وتحوي هذه المسلة الرائعة الجمال 2500 شخصية، بين محارب وعدو وحيوان.
والعمود - المسلة المرمرية من تصميم المعماري السوري الشهير أبولودور، الذي جلبه تراجان معه أثناء إحدى فتوحاته الشهيرة في سوريا وبلاد وادي الرافدين. وقام هذا المبدع بتصميم عشرات الأبنية والقلاع والنصب التذكارية في روما وخارجها. وتميزت أعمال أبولودور السوري باستخدام خداع النظر، مثل الاهتمام بتصوير الشخصيات التاريخية الرومانية، والحرص على تسجيل الأحداث التاريخية والدعاية السياسية لقدرة روما الإنمائية لمختلف الشعوب التي خضعت لهيمنة الإمبراطورية، والميل لاستخدام القيم القياسية لإبراز الملامح الخاصة التي عكست مشاعر تمجد الأصول الرومانية التي حققت كل هذه الانتصارات.
هذا المعرض الذي يبدو للوهلة الأولى أنه مختلف عن المعارض التقليدية يحوي عدة صالات كانت فيما مضى محلات للتسوق تضم مجموعة كبيرة من الوثائق والخرائط المعمارية والنماذج البلاستيكية الملونة لروما القديمة، جنباً إلى جنب عدد كبير من مجسمات تعكس إنجازات فن العمارة والتصوير والنحت وأعمال الفسيفساء والأشغال المعدنية وقوالب مصوغات الحلي الذهبية ونقش الأحجار الكريمة ونحت العاج والزجاج، والتماثيل الكبيرة والصغيرة، والريلفات التي زينت جدران المعابد والقصور والقلاع، والخزف والرسوم التوضيحية المنمنمة في الكتب، والعملات الذهبية والفضية... إلخ.
ولقد أصبحت روما في عهد تراجان، الذي سن تشريعات كثيرة لحماية الطفولة من الفقر والتشرد، وضمان حقوق المرأة، واحدة من أبرز عواصم العالم القديم التي تنفرد بثراء معماري تصميمي وتخطيطي رائع الجمال، وهي من المدن التاريخية العريقة التي ظلت طيلة قرون كثيرة تحرص على ألا تكون مدينة هجينة ووليدة أنماط معمارية مختلفة من التراث الفني الذي حملته ولاياتها وأمصارها البعيدة، بل أن يكون لها طابعها الخاص المتميز ذو الصلة الوثيقة ببيئتها الجيولوجية والطبيعية والحضارية.
وكان الإمبراطور تراجان، الذي احتفظ لنفسه إلى جانب الملكية، بما خوله لنفسه من انتصارات، وبما سمح له أن يمارس على الدولة تلك الوصاية التي اعتبرها كثير من الحكماء والفلاسفة والشعراء وصاية ضرورية، بدور الكاهن الأول في الدولة، فسلطته كانت شبيهة بسلطة الأب أو ولي الأمر؛ يتمتع بعظمة فائقة، فهو المحامي والشفيع، ليس لسكان روما بل أيضاً لكل سكان الولايات، مواطنين وغير مواطنين، من طبقة الأسياد أو العبيد، منه تنتظر العدالة، وأكثر الأحيان الخلاص. وقد أسهم ذلك في ولادة أوروبا في أحضان الإمبراطورية الرومانية. وانطلاقاً منها، بعد أن تقطعت الصلات التي تربطها بأفريقيا وبعض الولايات الآسيوية، ساهمت هذه العلاقات في ولادة الوحدة الثقافية والروحية التي أصبحت أساس الإمبراطورية، حيث أغناها الحس الديني الذي حملته المسيحية فيما بعد، والتي استوعبت النظام الديني القديم، وخلقت توليفاً ضخماً من جميع التيارات القوية للفكرة القديمة، ليتعزز البناء السياسي والاجتماعي في جميع أوروبا.
وعلى الرغم من أنه كان يوجد في الإمبراطورية الرومانية زمن تراجان نصفان لا يتكلمان لغة واحدة، كانت اللاتينية اللغة الرسمية في كل الولايات الواقعة غرب البحر الإدرياتيكي وغرب الصحراء الليبية، وكانت اللغة اليونانية شرق هذا الخط. وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت وحدة الإمبراطورية قائمة لمدة طويلة، وكانت مكاتب الإمبراطورية منذ تراجان تجيب على الطلبات بإحدى اللغتين، بحسب الولايات. وكانت الأفكار والرجال تنتقل بكل حرية من سوريا إلى غاليا في الشمال، ومن مجرى الدانوب ومن القوقاز إلى نهر الفرات، ومن السودان إلى حدود الصحراء وإلى أطراف طرابلس.
وكان اليونانيون من آسيا، أو من مصر، يأتون غالباً ليلقوا بخطبهم في مدن الغرب. وبالمقابل، كان علماء وخطباء من غاليا (فرنسا) وإسبانيا يرتادون المدارس في أثينا، بمعنى أن كل مواطني الإمبراطورية، حتى الطبقات الشعبية أحياناً، كانوا يتكلمون لغتين، وكان الأولاد يبدأون بتعلم اليونانية، حتى في روما نفسها، ثم يحصلون فيما بعد على تنشئة رومانية، وهكذا كانت الأديان والثقافات تتعايش في ذهنية واحدة.
ومن الخطأ أن تدعي أن هذه الازدواجية الثقافية في العالم الروماني هي التي أدت، بعد تراجان، أي في القرن الرابع الميلادي، إلى قسمته إلى نصفين، بين إمبراطورية غربية وإمبراطورية شرقية، الأمر الذي ترتب عليه نتائج خطيرة بالنسبة إلى تاريخ أوروبا وتكوينها، فإن الأسباب التي فرضت نقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية كانت أسباباً عسكرية بحتة، على ضوء الضغوط المتزايدة من قبل البرابرة الذين اندمج قسم منهم سريعاً في إطار الإمبراطورية.
وفي زمن إمبراطورها تراجان، حققت روما مثالاً مدنياً متقدماً، ورسخت في مدنها وجميع الحواضر التي استعمرتها ثقافة فكرية حية، هي مزيج من الإرث اليوناني واللاتيني. هذه الثقافة كانت تعمل على نشر مدارس كثيرة، تتولى نفقاتها المدن أو المواطنون الأغنياء، وتجتذب معلمين من ذوي الشهرة، وحتى العبيد كانوا يحسنون القراءة والكتابة. وكان طلاب المدارس يقرأون ويدرسون مؤلفات الكتاب العظام، خصوصاً الشعراء والمؤرخين والخطباء، إذ إن الشكلين اللذين كانا يعتبران أسمى أشكال النشاط الفكري هما: الشعر والخطابة. وكان الرومان يجهدون بالمحافظة على نقاء لغة روما في مواجهة لهجات الولايات. والمقصود بذلك الحفاظ على الوحدة الروحية، ونوع من المثال الرسمي للجمال. وإذا كان المجتمع الروماني حينذاك، في طبقاته العليا، قد تمسك إبان تلك الفترة التاريخية لحركة النهوض والارتقاء، بلقاء الأسياد الإقطاعيين وتشكيل طبقة النبلاء، فقد تدخلت عناصر التحام أخرى على صعيد العقل والروح، في المؤسسات والذهنيات، وظهرت ثقافة أصيلة بدت إنجازاتها البارزة مع بزوغ الفن الروماني، الذي يعتقد كثير بسذاجة أن الرومان أخذوا عن اليونانيين أسس الحضارة؛ ذلك أن الحضارة الإيطالية بدأت تتكون في وقت لم تكن اليونانية (الهيلينية) قد وجدت بعد، إلا في أشكالها البدائية.
لقد بدأ التاريخ الروماني في أوائل الألف الأول قبل الميلاد، في حين كانت إيطاليا في الشمال والوسط تسكنها شعوب ذات حضارات مرموقة، مثل الشعب الفيلافوفي والصقليون، وجاء بعدهم الأتروسكيون العظماء الذين ظهرت آثار حضارتهم في مقاطعة توسكانا في الوسط الإيطالي حتى مصب نهر البو في الشمال، ويعتقد كثير من علماء الآثار أن أصولهم تمتد إلى حضارة سومر.



الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.


خبيئة توابيت ملونة لـ«منشدي آمون» تُكتشف في الأقصر

التوابيت التي وجدتها البعثة ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)
التوابيت التي وجدتها البعثة ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)
TT

خبيئة توابيت ملونة لـ«منشدي آمون» تُكتشف في الأقصر

التوابيت التي وجدتها البعثة ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)
التوابيت التي وجدتها البعثة ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار و«مؤسّسة زاهي حواس للآثار والتراث» عن اكتشاف خبيئة من التوابيت الملوّنة بداخلها مومياوات، بالإضافة إلى مجموعة من البرديات النادرة من عصر الانتقال الثالث، خلال أعمال الحفائر الأثرية بالزاوية الجنوبية الغربية من فناء مقبرة سنب بمنطقة القرنة بالبر الغربي بالأقصر.

وتضمّ الخبيئة 22 تابوتاً خشبياً ملوّناً وُجدت في طبقات عدّة فوق بعضها البعض، تعكس تنظيماً لافتاً، حيث استغلّ المصري القديم المساحة عبر رصّ التوابيت في 10 صفوف أفقية، مع فصل الأغطية عن الصناديق لتكثيف سعة الحجرة التي كشفت عنها أعمال الحفائر، وهي حجرة مستطيلة منحوتة في الصخر لتكون مخزناً جنائزياً، وفق تصريحات رئيس البعثة ووزير الآثار الأسبق الدكتور زاهي حواس.

وأضاف في بيان، السبت، أنه عُثر أيضاً على مجموعة من الأواني الفخارية التي يُعتقد أنها استُخدمت في حفظ بقايا مواد عملية التحنيط، واصفاً هذا الكشف بـ«الاستثنائي الذي يزيح الستار عن خبايا جديدة من عصر الانتقال الثالث، ويقدّم كنزاً معلوماتياً كبيراً عن أسرار هذه الحقبة الزمنية».

التوابيت الملوّنة تعود إلى منشدي آمون (رئاسة مجلس الوزراء)

وعدَّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، هذا الكشف، «إضافة نوعية جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المتميّزة التي تشهدها مصر، ويعكس ما تحظى به أعمال البحث الأثري من دعم كامل ومستمر من الدولة المصرية، في إطار استراتيجية شاملة للحفاظ على التراث الثقافي وإبراز قيمته الحضارية والإنسانية».

وأشار إلى الاهتمام بأعمال الترميم والدراسة العلمية المُصاحبة لمثل هذه الاكتشافات، لضمان الحفاظ عليها وفق أعلى المعايير الدولية، تمهيداً لعرضها بالشكل اللائق الذي يعكس عظمة الحضارة المصرية، ويسهم في تعزيز منتج السياحة الثقافية، «خصوصاً في محافظة الأقصر التي تمثّل متحفاً مفتوحاً للتراث الإنساني»، وفق تصريحاته في البيان.

وتعمل البعثة على حلّ لغز هذه الخبيئة والتعرف على هوية أصحابها، لا سيما أنّ معظم التوابيت تحمل ألقاباً وظيفية بدلاً من الأسماء، واللقب الأكثر شيوعاً هو «منشد أو منشدات آمون»، ممّا يفتح آفاقاً جديدة لدراسة طبقة المرتلين والمنشدين في تلك الحقبة، وفق تصريحات الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي.

وأضاف أنه «نظراً إلى الحالة السيئة للأخشاب، تدخل فريق الترميم التابع للبعثة لإجراء عمليات صون عاجلة شملت المعالجة من تهالك الألياف الخشبية وضعف طبقات الجص الملون، والتنظيف الميكانيكي الدقيق لإزالة الرواسب من دون المساس بالألوان الزاهية، بالإضافة إلى التوثيق المتكامل لتسجيل كلّ قطعة فوتوغرافياً ومعمارياً قبل نقلها إلى المخازن».

ووفق المُشرف على أعمال البعثة، الدكتور عفيفي رحيم، تعود هذه الخبيئة إلى عصر الانتقال الثالث (الأسرات 21 - 25)، وتتميّز بوجود المومياوات داخل التوابيت رغم خلوّها من الأسماء الشخصية، وتستمر البعثة حالياً في الحفائر للكشف عن المقابر الأصلية التي نُقلت منها هذه التوابيت.

جانب من لفائف البردي ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)

وعثرت البعثة على البرديات الثماني داخل إناء فخاري كبير، بعضها لا يزال يحمل «الختم الطيني» الأصلي لها، بأحجام متفاوتة، عادّاً هذه البرديات كنزاً معلوماتياً سينتظر العالم نتائجه بعد انتهاء أعمال الترميم والترجمة.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زاهي حواس أنّ هذا الكشف يُعدّ الخامس لخبيئة أثرية في الأقصر، موضحاً: «قبل ذلك عُثر في الأقصر على خبيئتين ملكيتين وخبيئة للكهنة، وتعدّ هذه الخبيئة هي الخامسة، وتتميّز بأنّ التوابيت في حالة جيدة وألوانها على أعلى مستوى».

ووصفها حواس بأنها «أجمل توابيت غير ملكية عُثر عليها في البر الغربي في الأقصر، كما أنّ البردي الذي عثرت عليه البعثة سيُرسَل إلى معامل الترميم بالمتحف الكبير، وبلا شك سيعطينا معلومات مهمّة عن مرحلة عصر الاضمحلال الثاني، وأعتقد أنّ هناك أشياء مهمّة أخرى ستظهر قريباً».

وكانت محافظة الأقصر قد شهدت اكتشاف أكثر من خبيئة، منها خبيئة معبد الأقصر التي اكتُشفت عام 1989 داخل فناء الاحتفالات الذي أقامه الملك أمنحتب الثالث بمعبد الأقصر، وكذلك خبيئة العساسيف التي اكتُشفت عام 2019، وضمَّت 30 تابوتاً خشبياً ملوناً لكهنة وكاهنات معبودات الأقصر، الآلهة آمون وخنسو، وكانت في حالة جيدة من الحفظ، بألوانها ونقوشها الكاملة وبداخلها المومياوات.


مآذن المسجد النبوي... تطور معماري عبر العصور

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
TT

مآذن المسجد النبوي... تطور معماري عبر العصور

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)

يتحول المسجد النبوي في رمضان إلى حالة إيمانية فريدة، إذ يفد الزوار والمعتمرون من جميع أنحاء العالم للزيارة والصلاة في المسجد والتوسعة الحديثة حوله. تحكي مآذن الحرم النبوي قصص من أشادوها عبر التاريخ الإسلامي وتصل إلى العصر الحديث عبر بناء حديث ضمن عملية التوسعة الضخمة التي قامت بها الدولة.

تُشكل مآذن المسجد النبوي أحد أبرز المعالم المعمارية، وعلامةً فارقةً في هويته البصرية عبر العصور الإسلامية المتعاقبة، إذ ارتبط حضورها بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد، وعكست في تصاميمها تطور العمارة الإسلامية وثراءها الفني.

لم يكن للمسجد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مآذن بالمعنى المعماري المعروف اليوم، إذ كان الأذان يُرفع من موضع مرتفع داخل المسجد، أو من على سطح مجاور، قبل أن يبدأ إنشاء المآذن فعليّاً في أواخر القرن الأول الهجري.

تُشكل مآذن المسجد النبوي أحد أبرز المعالم المعمارية وعلامةً فارقةً في هويته البصرية (واس)

وشهد المسجد أول بناء رسمي للمآذن في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي أمر بتوسعة المسجد بين عامي 88 و91هـ، وكلف والي المدينة آنذاك عمر بن عبد العزيز بتنفيذها، حيث أُنشئت أربع مآذن في أركان المسجد، تُعد من أوائل المآذن في العمارة الإسلامية، وبلغ ارتفاعها آنذاك نحو 27 متراً وفق ما تذكره المصادر التاريخية. وخلال العصور اللاحقة، لا سيما في العصرين المملوكي والعثماني، أُعيد بناء بعض المآذن، وأُضيفت أخرى تماشياً مع التوسعات المتتابعة، ومن أبرزها مئذنة باب السلام التي ارتبط اسمها بأحد أهم أبواب المسجد في الجهة الغربية، وشهدت أعمال تجديد متعاقبة عبر القرون.

وفي العهد السعودي، حظيت مآذن المسجد النبوي بعناية خاصة ضمن مشروعات التوسعة الحديثة، ففي التوسعة السعودية الأولى (1370 - 1375هـ / 1951 - 1955م) أُزيلت بعض المآذن القديمة، وأُنشئت مئذنتان جديدتان في الجهة الشمالية بارتفاع يقارب 70 متراً، ثم أُضيفت ست مآذن أخرى ضمن التوسعة السعودية الكبرى في عهد الملك فهد بن عبد العزيز بين عامي 1406 و1414هـ (1985 - 1994م)، ليصل إجمالي عدد المآذن إلى عشر مآذن. ويبلغ ارتفاع كل مئذنة في تصميمها الحالي نحو 104 أمتار، وتتكون من خمسة أجزاء رئيسية متدرجة تشمل قاعدة مربعة، وطابقاً مثمناً، وجزءاً أسطوانياً، تعلوه شرفة المؤذن، وتنتهي بقبة يعلوها هلال معدني، وقد رُوعي في تصميمها الطراز الإسلامي الكلاسيكي مع توظيف التقنيات الحديثة في البناء والإنارة.

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)

وتتوزع المآذن العشر بشكل متناسق حول أطراف المسجد، أربع منها في الجهة الشمالية، واثنتان في الجهة الجنوبية، وأربع في الأركان، بما يحقق توازناً بصرياً ومعمارياً يتناسب مع المساحة الشاسعة التي بلغها المسجد بعد التوسعات المتعاقبة، ويجسد استمرار العناية به عبر مختلف العصور.