أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

نشر فيها مشاهير الكتاب العرب

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟
TT

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

نهاية عام 2015، حضرت جلسة نقدية على هامش مهرجان «أثير للشعر العربي» في سلطنة عُمان، ألقى فيها الناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي محاضرة مهمة، أعقبتها مجموعة مداخلات كالعادة، أتذكر من بينها سؤالاً طرحه الدكتور علي جعفر العلاق، كان يبحث خلاله عن إجابة للسبب الكامن وراء توقف الحديث عن الحداثة وتجلياتها في الجامعات والمجلات العربية، ولماذا خفت الصراع الذي كان محتدماً أيام الثمانينات والتسعينات؟ فكانت إجابة السريحي التالية: «الحديث عن الحداثة انطفأ لحظة انطفأت مجلة الأقلام العراقية».
إجابة السريحي قد تكون شاهداً على ما كانت تحمله المجلات الثقافية في العراق من أهمية في إنتاج الثقافة وتصديرها، وقد كنتُ أذكر أيام التسعينات أننا - معشر الشعراء - لا يعترف بنا أحد من الكتاب الكبار في حرفة الأدب إنْ لم تنشر لنا مجلة «الأقلام» الثقافية قصيدة على صفحاتها، وقد كان نشر نصٍ على صفحاتها يمثل نشوة كبرى.
وعلى الرغم من التوجه الأحادي لفترة الثمانينات والتسعينات بالنسبة للمجلات الثقافية، وأنها رضيت أنْ تكون واجهة ثقافية للنظام السابق، فإن تلك المجلات كانت ممتلئةً بملفات ثقافية وحداثية تُسهم بصناعة الرأي العام وتصديره وتوجيهه، ولا ننسى إدارتها للملف الثقافي من خلال استكتاب خيرة الأسماء العربية النقدية والثقافية، مثل كمال أبو ديب وجابر عصفور وصلاح فضل وعبد الله الغذامي، وآخرين كثر أسهموا من خلال دراساتهم وبحوثهم في إغناء الملفات الثقافية التي كانت فيها مجلات (الأقلام، والمورد، وآفاق عربية، والتراث الشعبي، والثقافة الأجنبية، والموقف الثقافي) أشبه بالقنوات الفضائية هذه الأيام، بل إنها أرسخ كثيراً. وهنا، أذكر أن الجامعات العراقية راجعت تلك المجلات بدراسات ماجستير ودكتوراه، من خلال تناول ملفاتها ومناهجها ودراساتها وبحوثها ونصوصها الإبداعية ونقدها بالنقد والمراجعة والقراءة.
وكانت شخصيات ثقافية مهمة قد انتدبت لرئاسة تحرير تلك المجلات، بدءاً بعبد الجبار داود البصري، وعلي جعفر العلاق، وحاتم الصكر، وطراد الكبيسي، ومحسن جاسم الموسوي، وماجد السامرائي، وباسم عبد الحميد حمودي، وياسين طه حافظ، ومرشد الزبيدي، وأسماء أخرى مثلت رافداً مهماً لإغناء تلك المجلات، فضلاً عن آلية التوزيع الناجعة لتلك المجلات.
وذات مرة، ذكر لي رئيس تحرير مجلة «الأقلام» السابق الأستاذ ماجد السامرائي أن المجلة تصل بعد يومين فقط من طباعتها إلى معظم الدول العربية والعواصم الأوروبية، مثل باريس ولندن، ولا يكاد يوجد مثقف عربي لم يقتن مجلة «الأقلام» التي نافست «الآداب» البيروتية، بل تفوقت عليها في بعض المرات.
إن عدداً من المجلات الثقافية صدرت قبل 2003، ولم تصدر من مؤسسات الدولة، لكنها صدرت بأعداد قليلة واختفت، مثل مجلة «شعر 69»، التي أطلقت في عددها الأول بيان 69 لفاضل العزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى، ومجلة «الكلمة» التي أطلقت مشروع قصيدة النثر في العراق، فيما كان اتحاد الأدباء يصدر مجلة «الأديب المعاصر»، ومن ثم تغير عنوانها إلى «الأديب العراقي»، ولو بقيت على العنوان الأول لكان أفضل برأيي، وهناك مجلات صدرت بأعداد قليلة جداً وبنسخ محدودة، مثل مجلة «أشرعة» التي تبنت مشروع «قصيدة شعر»، فضلاً عن مجلات عراقية ثقافية تصدر من الخارج، مثل مجلة «جسور وألواح» اللتين كانتا تتبنيان مشروع قصيدة النثر في العراق.
أما الحديث عن المجلات الثقافية بعد عام 2003، فإنه يأخذ منحى آخر مختلفاً، ذلك أن الهيمنة المركزية انفلتت تماماً، ولم تعد الدولة المصدر الأساسي في تصدير المعلومة وتبنيها، فخرجت لنا مجموعة من المجلات الثقافية متزامنة طبعاً مع عدد من المجلات التي كانت الدولة تصدرها قبل 2003، ولكن بطبيعة الحال اختفت مجلات كانت معتمدة في وزارة الثقافة بسبب تغير فلسفة الدولة ومنهجها، حيث تلاشت النظرة القومية، بل حوربت كثيراً. لذلك أُلغيت مجلة «آفاق عربية»، كما أُلغيت مجلة مثل «الموقف الثقافي» و«الطليعة الأدبية»، وهذا يعني أن للدولة الجديدة فلسفة في إدارة الحكم من خلال هذه المجلات، ولست متيقناً من أن القائمين على إدارة الدولة عملوا هذه الأشياء بتخطيط أم لا، كما أن مجلات ثقافية أخرى صدرت بعيداً عن تمويل الدولة، مثل مجلة «بيت» التي تصدر من بيت الشعر في العراق، ولكنها للأسف لم تكمل أعدادها الأربعة، فتوقفت رغم مادتها الثرية، كما صدرت مجلة اسمها «نثر»، ولكنها لم تثن على ما أذكر، فيما أصدر بعض الأصدقاء مجلة مهمة في حينها، اسمها «جدل»، وقد تناولت ملفات ثقافية وسياسية واجتماعية مهمة، ولكنها للأسف توقفت بعد أن أصدرت نحو 20 عدداً، وعكف بعض الأصدقاء في المحافظات على إصدار عدد من المجلات الثقافية، مثل مجلة «البديل الثقافي» في ميسان، وهي مجلة مهمة تحاول أنْ تطرح مشروعاً لإدارة الدولة من خلال الثقافة، وقد اشتغلت كثيراً على الملفات الثقافية، وأصدر اتحاد أدباء البصرة مجلة «فنارات» وديالى مجلة «تامرَا»، وهذه الأيام أصدر مجموعة من الشعراء الشباب مجلة باسم «مسقى»، وهي مجلة مختصة في الشعر الحديث، حيث يعيدون لنا شكل الصراع الذي كنا نعتاش عليه أيام التسعينات.
إن جريدة «الأديب» هي الأهم برأيي من أغلب المجلات التي ظهرت بعد 2003، فهي صحيفة ثقافية مختصة بالأدب أعادت لنا أهمية المشروع الثقافي ونجاعته، وقد حققت مساحة واسعة في الهيمنة على مجمل المنشورات الأدبية لأهميتها، وللملفات البالغة الأثر في إدارتها، وقد استمرت لسنوات كثيرة حتى أنها درست في أطروحة دكتوراه في آداب المستنصرية.
ما يمكن ملاحظته على مجمل المجلات التي صدرت بعد 2003 في العراق أنها اتسمت بطابع محلي خالص، حتى تلك التي كانت تصدرها الدولة، مثل «الأقلام» التي تحدث عنها السريحي كما مر وغيرها، فقد قوطعت عربياً بشكل كبير، ولم تعد صفحات المجلات الثقافية العراقية ملعباً للمثقفين العرب، بل إن لغة التخوين والمقاطعة كانت السمة الغالبة لأكثر المثقفين العرب الذين قاطعوا النشاط الثقافي العراقي، بما فيه كتابة البحوث والدراسات ونشرها في مجلات العراق، وهذا يعني أن السياسة ألقت بكامل ثقلها على الثقافة، بل هيمنت هيمنة كبيرة على جل ملفاتها، وتحديد بوصلتها والحكم عليها.
إن معظم ما صدر من مجلات ثقافية بعد 2003 كان محدوداً أيضاً، ولم يتبنَ مدرسة أدبية أو ثقافية أو توجهاً نقدياً حداثياً أو حتى تقليدياً، إنما اتسمت بطابع يقترب من شكل الصفحات الثقافية في الصحف والجرائد، والفرق كبير بين الصفحات الثقافية في الصحافة والمجلات الثقافية، إلا أن مجلاتنا الثقافية تكاد تكون صفحة ثقافية بجريدة من الجرائد، ولكنها على شكل مجلة للأسف، كما أن مساحة الشغف والبحث عن المجلات من جانب القراء خفَتْ كثيراً، بل اختفت على ما يبدو، فقد كنا نذكر في أي يومٍ تصدر مجلة «الأقلام» أو «الثقافة الأجنبية»، وما زالت مكتباتنا تنوء بمئات النسخ من المجلات القديمة، تنتقل معنا أينما نذهب كأي سلعة ثمينة من سلع البيت، ولكن اليوم لا علم لأبناء الوسط الثقافي بوقت صدور المجلات الثقافية، ولا تحتفظ مكتباتهم إلا بنسخ محدودة من الإصدارات الحديثة.. فماذا يعني هذا؟ هل قضمت المواقع الإلكترونية أوراق المجلات الصفراء، أم أن المجلات لا تطبع ما يُثير الشهية المعرفية؟ يبدو أننا بحاجة ماسة إلى معرفة السبب وراء انطفاء وهيج المجلات الثقافية العراقية!



«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».