ضابطات أفغانيات متحمسات لقتال {طالبان}

يرتدين الأساور والخواتم الذهبية... ويستخدمن الأسلحة والقنابل اليدوية ببراعة كبيرة

ضابطات أفغانيات في الأكاديمية
ضابطات أفغانيات في الأكاديمية
TT

ضابطات أفغانيات متحمسات لقتال {طالبان}

ضابطات أفغانيات في الأكاديمية
ضابطات أفغانيات في الأكاديمية

لا تزال الآثار التي خلفها حكم حركة طالبان حية وباقية في أذهانهن. ولكن، بعد مرور 20 عاماً، لا يزلن على استعداد لقتالهم. وهن لسن من النساء الأفغانيات العاديات، ولكنهن ضابطات عسكريات مدربات من اللاتي قطعن شوطاً طويلاً وموجعاً منذ أيام حكم طالبان، ووصلن أخيراً إلى الهند لتلقي التدريبات العسكرية الخاصة.
ولقد تم اختيار الضابطات من رتب الملازم، والنقيب، والمقدم، من مختلف الأفرع والفرق بالجيش، بما في ذلك القوات الخاصة ممن لديهن خبرة سابقة في قتال حركة طالبان. وتعتقد الضابطات الأفغانيات أن التدريب في الأكاديمية سوف يُصقل مهاراتهن في استخدام الأسلحة، ويساعدهن في قتال حركة طالبان على نحو أفضل.
ومن المثير للاهتمام، أن الكثير من الضابطات الأفغانيات لديهن رسومٌ بالحناء على أيديهن، وهن يرتدين الأساور والخواتم الذهبية التي تزين أصابعهن النحيلة وطلاء الأظافر الذي يتلألأ على أيديهن، ولكن في الدورات التدريبية تجدهن يرتدين الحجاب والعدة الحربية الكاملة، ويستخدمن الأسلحة والقنابل اليدوية ببراعة كبيرة، كما لو كانت لعباً يحبونها، مع عزم وتصميم وإرادة بالغة تبدو في أعينهن ووجههن.
وفي داخل أفغانستان، هناك محاولات حقيقية من جانب الجيش الأفغاني لزيادة الوجود النسائي في صفوف القوات المسلحة الأفغانية. وتسعى كابل إلى زيادة مشاركة النساء حتى نسبة 10 في المائة من إجمالي القوات العاملة، وهي النسبة التي لا تتجاوز في الوقت الراهن 3 في المائة فقط من مجموع القوات.
وأتمت نحو 20 ضابطة من الجيش الأفغاني التدريب على أساليب الحرب والقتال في الأكاديمية العسكرية الهندية لتدريب الضباط. وهذا ليس من الإنجازات المتواضعة بحال. فلا بد أن نضع في اعتبارنا أن هؤلاء النساء كن متشحات بالبراقع السوداء الداكنة خلال الفترات المبكرة من حياتهن.
وهن يظهرن مثالاً نادراً على زيادة تحرر المرأة الأفغانية، بعكس ما كانت الأحوال عليه تحت حكم «طالبان»، حيث كان التعليم محظوراً على النساء، ولم يكن يُسمح لهن بالخروج من المنازل ما لم يرتدين البراقع، ويخرجن برفقة محرم من الرجال، كما لم يُسمح لهن إلا بدراسة القرآن وعلوم الدين فحسب.
وفي البلاد التي تلقى أشد المعاناة من الفصل بين الجنسين، كيف هو شعور الضابطات الأفغانيات اللاتي دخلن مضماراً كان ولا يزال حكراً على الذكور؟
تقول الضابطة حسينة حكيمي، قائدة الفريق: «يتدرب النساء والرجال بشكل منفصل في القاعدة العسكرية الواقعة على مشارف كابل، ولكن الضباط يقولون إن التدريب متماثل، ويتضمن اللياقة البدنية، واستخدام الأسلحة، والتكتيكات القتالية، والرعاية الطبية»، وأضافت أن قبول النساء في صفوف الجيش كان أمراً عسيراً، وكان لزاماً عليهن الكفاح لإثبات جدارتهن حتى داخل الجيش.
وفي حين أن الهند قد ساعدت في صقل المهارات العسكرية لأكثر من 4 آلاف ضابط أفغاني من الرجال، فإنها تعد المرة الأولى التي تأتي فيها الضابطات الأفغانيات لحضور دورة تدريبية في الهند تستمر لمدة ثلاثة أسابيع في مهام القوات الخاصة.
وتقول الضابطة سانجانا المعلمة في برنامج التدريب العسكري: «إنها دورة تدريبية موجزة تشتمل على السمات الأساسية للدورة التدريبية الكبيرة لمدة عام كامل». وأوضحت أن الضابطات الأفغانيات تلقين التدريب على الأسلحة، وإطلاق النار، والاتصالات، والتكتيكات، والإدارة، والدعم اللوغيستي.
بالإضافة إلى ذلك، تدربت الضابطات الأفغانيات أيضاً على استخدام القنابل اليدوية، والأسلحة الهجومية، بما في ذلك البنادق طراز «إيه - كيه - 47»، والرماية بالذخيرة الحية كانت من بين برنامج التدريب المخصص لهن. كما تدربن على التصدي للأكمنة في الجبال عبر المحاكيات في الفصول الدراسية، وتعرضن كذلك للتدريب على استخدام الحواسيب الآلية.
ويقول المجندون الأفغان إنهم سوف يطلبون قريباً من الجيش الهندي أن يجعل برنامج التدريب للضابطات الأفغانيات يمتد لعام كامل، من أجل زيادة خبراتهن وصقل مهاراتهن في استخدام الأسلحة، ومساعدتهن في قتال حركة طالبان على نحو أفضل.
وقد لا تأتي الضابطات الأفغانيات من مجتمع منفتح مثل المجتمع الهندي، ولكن الضابطات بالجيش الوطني الأفغاني لا يزلن يمثلن مصدر إلهام لدى نظرائهن من الضابطات الهنديات فيما يتعلق بخبرات ميادين القتال، وهو المجال الذي لم يسمح بعد بدخوله للضابطات الهنديات حتى الآن.
وبفضل الماضي المزري لحكم حركة طالبان، لا تزال أفغانستان تحاول لشق طريقها على مسار تحرير المرأة الأفغانية، بيد أن الجيش الوطني الأفغاني يبدو وأنه قد حاز قصب السبق على تلك الجبهة. إذ تلعب النساء في الجيش دوراً مساوياً للدور الذي يلعبه الرجال، سواء بسواء، عندما يتعلق الأمر بالقتال في الخطوط الأمامية.
وحتى مع أن الضابطات الهنديات يتدربن جنباً إلى جنب مع الرجال في الجيش الهندي، وهن على نفس مستوى الجودة في الحرب والقتال، إلا أنهن يفتقدن للقتال الحقيقي في الخطوط الأمامية. وهذا على النقيض من الضابطات الأفغانيات اللاتي سنحت لهن الفرصة للقتال إلى جانب الضباط الرجال، برغم أن أغلب الضابطات الأفغانيات لم يحصلن على التدريب العسكري الراقي الذي حصلت عليه الضابطات الهنديات.
ويعتبر الكثير من الضباط الهنود الدورة التدريبية للضابطات الأفغانيات فرصة سانحة للضغط من أجل إلحاق الضابطات الهنديات بالأدوار القتالية في الجيش الهندي. تقول الضابطة الهندية سانجانا: «ربما نستعين بتجربة الضابطات الأفغانيات للمطالبة بإتاحة الأدوار القتالية للنساء في الجيش الهندي. فإننا نحصل على التدريب نفسه الذي يحصل عليه الرجال. ولكن لم يتم السماح لنا حتى الآن بالانضمام إلى الأدوار القتالية في الخطوط الأمامية بالجيش الهندي. وإذا تمكنت الضابطات الأفغانيات من خدمة بلادهن في القتال، فلماذا لا يُتاح نفس الأمر للضابطات الهنديات في الجيش الذي يعتبر من أكبر الجيوش التقليدية على مستوى العالم».
وأكدت الضابطة الهندية سامريتي، التي تقوم بالترجمة للضابطات الأفغانيات، على الفكرة نفسها حين قالت: «نحن نشارك في الفرق بالخطوط الأمامية، ولكننا غير مسموح لنا بالمشاركة في القتال. غير أننا قادرات على القيام بالأدوار القتالية والتعامل مع فعاليات القتال لأننا مدربات مثل الضباط الرجال سواء بسواء. وهذه الدورة التدريبية تعد من تجارب التعلم، التي نأمل أن تشجع الجيش الهندي على نشر الضابطات الهنديات في الأدوار القتالية».
ومن بين الضباط الأفغان الذين تلقوا التدريب في الأكاديمية العسكرية الهندية لتدريب الضباط، كان مشاركاً في فريق للدوريات وقاتل ضد «طالبان» في قندوز، في حين أن الآخر حارب الإرهابيين على الحدود الأفغانية الباكستانية.
وتعتبر الضابطة حسينة حكيمي هي نجمة فريق الضابطات الأفغانيات، التي حصلت على فرصة نادرة للقتال ضد «طالبان» بالقرب من الحدود الأفغانية الباكستانية.
وتقول الضابطة حسينة حكيمي: «أعمل في الجيش منذ عام واحد فقط، لكنني رأيت كيف يهاجموننا، وتعاونت أنا وضباط ذكور من زملائي في القضاء على أربعة منهم. وقد وقفت وجهاً لوجه أمام الموت، لكن لم أشعر بالخوف. كل ما يمكنني قوله إن الكثير من النساء داخل هذا البلد يشعرن بالخوف حتى اليوم تجاه الخروج من منازلهن بسبب (طالبان). وينبغي أن توفر الهند من جانبها مزيداً من الدعم، وتمد فترة البرنامج التدريبي لعام».
داخل جلسات التدريب، جرت حالة من تبادل المهارات بين الضابطات من كلا الجيشين. وفي الوقت الذي لقنت الضابطات الهنود مهارات عسكرية محترفة لنظرائهن الأفغانيات، فإنهن تعلمن أيضاً بعض أساليب القتال داخل ميدان القتال الفعلي.
من ناحيتها، استعرضت النقيب أنوشا نزاري بفخر إصابة في يدها تعرضت لها بسبب لغم أرضي، أثناء مطاردتها عناصر خارجة عن القانون في أفغانستان.

العمل العسكري
والمخاوف الاجتماعية
تأتي هذه المجموعة من السيدات من بلاد يعيش فيها من يرتدي الزي العسكري في خوف دائم من التعرض للقتل. من جانبها، كشفت أزيري أن: «النساء المشاركات في الجيش أو الشرطة لا يحظين بتقدير في مجتمعنا». وأضافت: «في الحقيقة أسرتي وأسرة زوجي الوحيدون الذين يعرفون بأمر مشاركتي في الجيش. أما الآخرون، فيعلمون أنني مدرسة فحسب. وإذا ما حصلت أي من الجماعات المتمردة على أي إشارة لأنني أعمل بالجيش، سنصبح جميعاً مستهدفين. ومع هذا، لا أشعر بالقلق حيال ذلك الأمر، ولا تزال لدي رغبة في أن أكون جزءاً من هذه القوة في خضم تطلعنا نحو مستقبل أفضل لبلادنا».
وتشبه قصة أزيري قصة الكثير من السيدات داخل الجيش الأفغاني. على سبيل المثال، قالت النقيب ساهكينا زاهيدي التي عملت كفنية في القوات الجوية الأفغانية على مدار الأعوام الثماني الماضية: «كان والدي طبيباً ووالدتي مدرسة، لكنني في ظل حكم (طالبان) حرمت من التعليم، وأجبرت على العيش في ظل البرقع. ومع ذلك فقد تمكنا من الانتقال إلى كابل عندما سيطرت (طالبان) على المنطقة التي نقيم بها». وفي إشارة إلى التهديد الذي تمثله «طالبان» على البلاد، قالت لفتنانت كولونيل د. ربيعة غارشن، طبيبة في الفيالق الطبية الأفغانية: «تشكل (طالبان) و(داعش) مشكلتين داخل أفغانستان، في الوقت الذي لا يروق للكثير من الأفغان فكرة وجود نساء داخل الجيش».
وأضافت أنه بعيداً عن العلن، تعرب الكثير من النساء عن رغبتهن في الانضمام إلى الجيش، لكن لا تزال الكثيرات منهن يخشين الخروج من المنزل في بعض أجزاء أفغانستان بسبب الإرهاب.

التجربة الهندية
قالت إحدى المتدربات: «في البداية كان التدريب صعباً، لكن بدأنا نعتاد عليه اليوم. وقد اكتسبنا الكثير من المهارات هنا. وأود من جانبي التدريب على العمل كضابطة لأننا بحاجة لمزيد من الضابطات في الجيش لتوفير الأمن للنساء».
اللافت أن ركوب الدراجة بالنسبة لهؤلاء السيدات الأفغانيات شكل حرية كبيرة، نظراً لأنه غير مسموح للنساء في أفغانستان بركوب الدراجة. في المقابل، كانت الدراجة وسيلة التنقل الوحيدة داخل أكاديمية التدريب في الهند. ومع ذلك، تؤكد المتدربات الأفغانيات أنهن يعشقن «بوليوود» وكن يحرصن على محاولة تعلم اللغة الهندية من خلال أفلامها حتى في وقت حكم «طالبان».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended