كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء صحافيين إيرانيين حول تغطية المظاهرات ضد تدهور الوضع المعيشي

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)

أصبحت وسائل الإعلام الإيرانية مرة أخرى أمام اختبار صعب لتقييم مصداقيتها في الشارع الإيراني من جهة، ولاختيار جاهزيتها لتغطية أزمة داخلية ضربت البلاد من جهة أخرى.
و قبل شهر تحركت شرائح المجتمع الإيراني ضد غلاء المعيشة، كانت البلاد شهدت أكثر من ألف زلزال على أثر تحرك الطبقات تحت الأرض، قبل أن ينتقل التحرك إلى طبقات المجتمع الإيراني فوق الأرض.
وأثناء الحملات الانتخابية ، حذر المرشد الإيراني علي خامنئي من تلاسن المسؤولين عبر وسائل الإعلام وتحرك طبقات المجتمع والتسبب في زلزال كبير.
ولم تكن الحرب محصورة بين السلطات وشبكات التواصل الاجتماعي. وسائل الإعلام بدورها كانت مسرحاً لمواجهة بين الإعلام الرسمي والإعلام غير الرسمي. داخلياً لم تنشر الصحف الإيرانية سوى قليل من الأخبار وردت على لسان المسؤولين الإيرانيين، فيما شهدت تغطية القنوات الناطقة بالفارسية خارج إيران تبايناً كبيراً في التغطية. في هذا السياق ارتأت «الشرق الأوسط» أن ترصد آراء الصحافيين الإيرانيين حول أداء الإعلام الإيراني بمختلف اتجاهاته في تغطية الاحتجاجات الإيرانية.

إيران تسعى لفرض الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية

> يقول مسؤول ملف إيران وأفغانستان في منظمة «مراسلون بلا حدود»، رضا معيني المقيم بباريس في شهادته لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، حول تغطية احتجاجات إيران، إنها تأثرت بـ«سياسة إيران في تدويل الرقابة»، لافتاً إلى أن السلطات تحاول عبر الترهيب أو الإغراء التأثير في نشر أخبار الداخل الإيراني في وسائل الإعلام الأجنبية.
وباعتقاد معيني في محاولة فهم طبيعة نقل الأحداث الداخلية الإيرانية، «نحن نواجه واقعين؛ أولاً لا توجد لدينا القنوات الداخلية الحرة والمستقلة لنقل الأخبار والمعلومات. وسط هذا تشكل القنوات الدولية التي يملك بعضها خدمة فارسية مصدراً أكثر استقلالية من الشبكات الداخلية. هذا المصدر الوحيد الأكثر استقلالية من القنوات الداخلية».
ويستند معيني إلى بيانات سابقة صدرت من منظمة «مراسلون بلا حدود» في هذا الصدد، قائلاً: «هناك محاولات للسيطرة على هذه القنوات. هذه التهديدات عملياً يمكن أن تكون مؤثرة. النظام يهدد الصحافيين الذين يعملون في هذه القنوات. ويغري بعضاً منهم أي يقدم لهم بعض الإمكانيات، وحتى الصحافيين الأجانب الذين يتوجهون إلى إيران لم يسلموا، بواسطة الضغوط التي يتعرضون لها والملفات التي تجمعها ضدهم إيران، تحديداً تمارس إيران عليهم الضغوط والرقابة وتجبرهم على نشر أخبار معينة مثل وسائل الإعلام الداخلية».
وأوضح معيني في شهادته حول محاولات التحكم بوسائل الإعلام الأجنبية: «إذا أردت أن أضرب مثالاً على ذلك، فإنه يمكننا مقارنة الأخبار التي تنشرها وكالة (رويترز) بالأخبار التي تنشرها وكالة الصحافة الفرنسية».
وبشأن هذه المقارنة يلفت إلى أن «وكالة الصحافة الفرنسية» لديها مكتب في طهران، وتتعرض إلى ضغوط ولا يمكنها العمل كما ينبغي، بينما «رويترز» لا تملك مكتباً والأخبار الأكثر حرية واستقلالية هي لوكالة «رويترز». الحالة ذاتها تنطبق على القنوات والصحف الأخرى.
وعن صعوبة مهمة المراسلين في العاصمة الإيرانية، صرح معيني بأن «أي صحافي يذهب إلى إيران، إذا كان من أصحاب الجنسية المزدوجة يتعرض لضغوط مضاعفة، وإذا لم يكن من أصحاب الجنسية المزدوجة يواجه ملفات أعدت للقناة أو الصحيفة التي يعمل لصالحها. هذه الملفات هي مجموعة الأعمال التي قام بها الصحافي أو وسيلة الإعلام التي ينتمي لها، وبهذا التهديد لا توجد إمكانية لتمديد التأشيرة وإصدار رخصة عمل في إيران، مثلما قلنا في أحد البيانات: النظام الإيراني يحاول أن يجعل الرقابة دولية. في هذه القضية خصوصاً، أوضحنا أن الصحافيين والمراسلين في أي وضع يجب أن يكونوا حاضرين، وألا ينسوا الأخلاق والواجب المهني الاحترافي، وإذا تحول الصحافي إلى متعاون مع النظام فإنه لم يعد صحافياً».
وعلى صعيد الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية بفرض قيود على الإنترنت خلال الأيام القليلة الماضية، تطرق معيني إلى القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على حرية المعلومات ونقل الأخبار واستخدام الإنترنت بشكل عام في إيران. ويرى أن النظام يعاني من الازدواجية والمفارقة في مواقفه من الإعلام. من جانب يجني الأموال من الإنترنت و«من جانب آخر يفرض قيوداً على حرية المواطنين ويمارس الرقابة».
وبحسب معيني، فإن مخاوف النظام من الإنترنت بدأت منذ توسع استخدام الخدمة في عام 2000. فمن جهة شكلت ثورة الكومبيوتر والإنترنت مصدراً اقتصادياً ضخماً للنظام، ومن جانب آخر يحاول النظام التحكم بالإنترنت.
يقول معيني في هذا الخصوص: «هذا التناقض عملياً نراه عندما تقلل سرعة الإنترنت حتى يواجه عرقلة نقل المعلومات». ويشير إلى رغبة المجتمع الإيراني في الوصول إلى المعلومات عبر استخدام الإنترنت، لكنه في الوقت ذاته يتساءل: «ما الداعي لشراء أحدث الأجهزة إذا كان من المقرر أن يشاهد المواطن الإيراني منتجات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في الإنترنت؟».
وينوه معيني بإقامة إيران شبكة معلومات وطنية بهدف عزل الإنترنت في إيران عن المناطق الأخرى، وهو ما أطلق عليه في إيران «الإنترنت الحلال». ويعتقد أن مشروع الحكومة في رفع تكلفة الإنترنت للاتصال بالخارج مقابل أسعار أرخص للإنترنت الداخلي «تمييز إلكتروني» تمارسه السلطات عبر الإنترنت الحلال.
إضافة إلى ذلك يتحدث معيني عن سياسة السلطات الإيرانية عبر إطلاق مشروع «الحجب الذكي»، وذلك بهدف استمرار الأرباح الاقتصادية مع توسع نطاق الرقابة على الإنترنت.

اللوبي الإيراني والخطاب الإصلاحي وراء تحفظ قنوات خارجية

> «وسائل الإعلام باللغة الفارسية داخل إيران، بطبيعة الحال، لا يمكن معالجتها جميع الجوانب بسبب القيود. وهناك إمكانية لإغلاق وسائل الإعلام إذا عكست بعض الحقائق ذلك، يبدأ رسام الكاريكاتير ومدير موقع «خودنويس» المغلق حالياً، نك آهنك كوثر، كلامه عن تقييم أداء وسائل الإعلام الإيرانية.
وبحسب نك آهنك كوثر، فإن شبكات التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات الأخيرة كانت «نشطة جداً، ولكن كانت هناك فرصة ضئيلة للتحقق من أخطائها وقضاياها. لأن كثيراً منها تلقى تقارير من مواقع مختلفة، فمن غير الممكن التحقق من دقة هذه المواد الإعلامية».
وينظر آهنك كوثر بتحفظ على تغطية وسائل التواصل، لأن «بعض الحالات، بدلاً من نقل الأخبار، يصنعون الأخبار. على سبيل المثال، نقول إن مسيرة ستعقد غداً في المنطقة في حين لم يكن هناك أي أخبار عن الحدث، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اجتماع مجموعات، وأن يأتي الطرف المقابل لقمع التجمعات».
ويلفت آهنك إلى أن «الخطر الحقيقي المتمثل في عدم وجود وسائل إعلام حقيقية في غياب حرية الصحافة يجعلنا لا نرى المسؤولية الإعلامية، مثل كثير من الشبكات الاجتماعية».
وعن تقييم وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج حدود إيران، يرى أن قنوات مثل «بي بي سي» الفارسية أو «راديو فردا» تتأثر بلجنة التحرير الإصلاحية، مضيفاً أنها «لا تنقل جزءاً من الأخبار ولا تعمل بالدقة المطلوبة تجاه المجموعات التي تشاركها الأفكار». على سبيل المثال هذا ينطبق تماماً على مواقف الإصلاحيين. وفي «صوت أميركا» يبدو ذلك إلى حد ما، ولكن يبدو أن قناة «من وتو» أعدت تقارير أفضل من الآخرين حول الأحداث.
ومقارنة بالتغطية الإعلامية بين احتجاجات الحركة الخضراء في 2009 واحتجاجات هذا العام، يوضح نك آهنك أن «عنصر التواصل الاجتماعي أقوى مما كان عليه في عام 2009، على سبيل المثال، كان (فيسبوك) هو الأول في ذلك الوقت، هذا العام كان (تويتر) قوياً جداً، ونشط كثير من الإيرانيين لم يكونوا نشطين من قبل، هذا العام على (تويتر)، وأظهر تطبيق (تليغرام) مدى قوته، حتى دفع النظام إلى حجبه».
ويشير آهنك إلى أن كثيراً من البيانات في 2009 «كانت تنقل بواسطة البلوتوث وفي شبكات أصغر. هذا العام يختلف تماماً، كان أوسع بكثير».
ويوضح آهنك أن دور المواطن الصحافي برز أكثر في الأحداث «على الرغم من أن دور الحملة الحكومية على الإنترنت كان أقوى أيضاً هذا العام».
ويقول آهنك إن «النقطة الأخرى في عام 2009، كان جزء من الحشد الذي ذهب في الشوارع والمظاهرات قريباً جداً من الطبقة الوسطى. في ذلك الوقت كان هناك عدد قليل جداً من الهواتف الذكية المتاحة لهذه الطبقة الوسطى، ولكن هذا العام، علينا الانتباه إلى أن هناك ما يقارب 40 مليوناً من الهواتف الذكية بيد شرائح مختلفة لديها إمكانية الوصول إلى هذه الهواتف. ونتيجة لذلك، كان تداول المعلومات أوسع بكثير».
وبالعودة إلى أداء القنوات التلفزيونية مقارنة بأحداث عام 2009، يقول إنه «لم تكن القنوات الفارسية في ذلك الوقت، على ما هي عليه الآن. كانت هيئة الإذاعة البريطانية الفارسية نشطة جداً، وصوت أميركا، ولكن هذا العام، شاهدنا دور قناة من وتو». ويرى أن قناة «من وتو» عبر تغطيتها للأحداث بـ«شفافية أكثر استطاعت أن تجتذب مزيداً من الجماهير».
ومع ذلك ينتقد بعض القنوات لتحفظها في نقل الأحداث، قائلاً إن «التغطية قد تأخرت هذا العام، كانت ردة فعل قناة بي بي سي الفارسية في 2009 سريعة، لكن هذا العام شاهدناها تأخرت عدة ساعات. وفي المقابل كان هناك كثير من السرعة بين الشبكات الاجتماعية، التي كانت قادرة على الحصول على مقاطع فيديو ذات جودة».
وعن أسباب غضب الجمهور من تغطية القنوات، يقول نك آهنك إن الأمر «يعود إلى أن بعض جماهيرنا يريدون موقفاً سياسياً في التغطية الإخبارية. وهذا، بالطبع، على حساب التغطية الإعلامية الحقيقية. وبطبيعة الحال، إذا انحاز معلق مباراة الكلاسيكو في إيران بين فريقي استقلال وبرسبولين، فإنه يلاقي استحسان مشجعي أحد الفريقين».
ويتابع في هذا الصدد: «قد يكون لدى كثير من الناس في الساحة السياسية هذه النزعة. على وسائل الإعلام أن تهتم بتوفير التغطية الإعلامية، فضلاً عن القضايا التي قد تكون غير مدركة للمجتمع، وقد تؤدي إلى معرفة أكثر عمومية. لكن مع ذلك، نحن لا نرى هذا في كثير من وسائل الإعلام في الخارج. لأنهم يسعون أحياناً إلى حل الأزمة وهم يخضعون للرقابة في مواجهة ما يحدث لحكومة روحاني».
وحول أداء الصحافيين في نقل المعلومات إلى خارج حدود إيران، يرى الخبير الإيراني أن «كثيراً من الصحافيين المحليين لديهم الفرصة لإرسال المعلومات إلى أصدقائهم في الخارج عبر مجموعة متنوعة من الطرق، بما في ذلك أساليب التشفير. ولكن كثيراً من الصحافيين المحليين بسبب موقفهم الإصلاحي، على سبيل المثال لا ينشرون الأشياء التي تضر حكومة روحاني، أو على سبيل المثال، تقارير عن الإصلاحيين التي يمكن أن تجعل موقفهم في المجتمع الأضعف. حتى في الشبكات التواصل الاجتماعي تعليقاتهم متحفظة جداً، ووفقاً لبعض أصدقائهم، يقولون إنهم أكثر إصراراً في الاستمرار مع الإصلاح».
ويعيد آهنك السبب إلى أن «المشكلة الكبيرة التي تبدو مع هيكل مؤسساتنا الإعلامية هي أن كثيراً من الصحافيين في إيران بدلاً من التمسك قواعد الصحافة، يتمسكون بالأهداف الحزبية والسياسية»، موضحاً أنهم «يعملون في إطار المصالح الحزبية والاجتماعية، ويتناسب نوع المعلومات التي يوفرونها مع هذه النظرة الحزبية، وحتى لو ألحق ذلك أضراراً بحزبهم إما أن يحجبوه، أو بطرق مختلفة يقللوا من حجم الخسائر».
وعلى سبيل المثال، لم تنشر وسائل الإعلام موقف جمعية رجال الدين المناضلين التي ينتمي لها خاتمي حول الاحتجاجات إلا بعد ساعات، ولم تتقبل تلك القنوات أن خاتمي كان أحد الموقعين على البيان، وعلى سبيل المثال أيضاً، دور روحاني في مجلس الأمن القومي كجهة مسؤولة أمرت بقمع الشعب، حاولوا أن يقولوا إن روحاني كان يفعل أي شيء لإبعاد الخطر عن الشعب، لكنه رفض الاعتراف بأن ما يحدث في الشوارع أساس قرارات مجلس الأمن القومي.
هذه القضية تقلل من الثقة العامة تجاه جزء من وسائل الإعلام الداخلية، كما هي الآن متراجعة. هذا في حين أن الصحف التي يكثر عنها الكلام في الساحة السياسية الإيرانية تتراجع عدد طبعاتها، وتراجعت إلى نحو 23 عاماً قبل أن يرتبط الصحافيين الإيرانيين العاملين في صحف مختلفة، باللوبي الإيراني، ونتيجة لذلك يحاولون جعل الأخبار في الفضاء الإعلامي والشبكات الاجتماعية مثل «تويتر»، كما لو كنا في إيران، لدينا مجموعة كبيرة جداً من المجموعات التقدمية والديمقراطية تمثلها حكومة روحاني وهناك طرف آخر يقابله باسم حكومة روحاني، هناك مجموعة سيئة للغاية تسمى الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن الحادث الذي وقع كان موقف الإصلاحيين والاشتراكيين في وسائل الإعلام الاجتماعية في وسائل الإعلام المختلفة، فإنها لم تكن قادرة على ترجمة بدقة لجمهور يتحدث الإنجليزية.
ما حدث أن مواقف الإصلاحيين والمعتدلين في شبكات التواصل الاجتماعي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، لكن الصحافيين رفضوا نقلها إلى اللغة الإنجليزية، حتى لا تقدم صورة سيئة، على سبيل المثال، لمحمد رضا خاتمي لدى المتلقي الإنجليزي. وكذلك الحال بالنسبة لمواقف الإصلاحيين وعملياً يتحكمون بالأخبار.
من جانب آخر يتابعون النهج الإعلامي ذاته للوبي الإيراني في أميركا حول الاحتجاجات في إيران. وتتأثر تغطيتهم الإعلامية بمواقف اللوبي الإيراني في أميركا. هذا الأمر يتسبب في أن تأخذ مراكز صنع القرار في الدول الغربية قراراتها بناء على المعلومات المنشورة.
ويرى أن «تويتر» سبب التوازن ضد هذا الخطاب الإعلامي، لأنه يسمح بمداخلة الصحافيين المتسلقين وتصحيح المعلومات الخاطئة. وهو ما يظهر أن هناك بعض الأخطاء في التغطية.
ويرى أن تحرك اللوبيات لا يترك أثره على الصحافيين الإيرانيين فحسب، إنما يترك أثره على الصحافيين الأجانب. وفي هذا الخصوص يلفت الانتباه إلى تعميم مفهوم آيديولوجي في نقل المعلومات عن إيران. ويعتبر تغطية مراسل «نيويورك تايمز» في طهران «نموذجاً لنقل الأخبار التي ترسم الابتسامة على وجه وزير الخارجية الإيراني أو اللوبي الإيراني في أميركا». ويضيف أن هذا النوع من نقل الأخبار «ينقل جزءاً من الواقع وليس كل الواقع، ونقل جزء من الواقع أسوأ بمرات من الكذب».

شبكات التواصل و{الصحافي المواطن} تكسر صمت الإعلام الرسمي

> في شهادته حول تغطية الأحداث، يقارن الصحافي إحسان محرابي المقيم في برلين لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، بين غياب الاهتمام الإعلامي الداخلي في احتجاجات هذا العام والاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويقول محرابي إن «التجمعات الأخيرة في إيران مختلفة عن التجمعات الاحتجاجية السابقة من حيث التغطية الإعلامية». ويرى أن الخلاف الجوهري في أنها «لم تنعكس الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت في إيران خلال التسعينات وخلال رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني في مدن مشهد وقزوين وإسلامشهر في المجتمع الإيراني، ولهذا السبب كانت وسائل الإعلام أقل اهتماماً بأصل القضية، وباستثناء وسائل الإعلام الرسمية كان هناك قليل من وسائل الإعلام التي تحدث عن الاحتجاجات».
ويتابع محرابي المختص بالشؤون البرلمانية الإيرانية: «لكن المظاهرات الاحتجاجية في 1999 وبعدها الهجوم على سكن طلاب جامعة طهران كان وضعها مختلفاً، والصحف الخاصة التي بدأت إصدارها في فترة حكومة محمد خاتمي، غطت الاحتجاجات على نطاق واسع. حتى بعد أيام من الاحتجاجات كانت العنوان الرئيسي في الصحف».
وعن التغطية الإعلامية في احتجاجات عام 2009، يوضح: «لم تلعب الصحف دوراً بسبب الضغوط الضخمة والتوقيف الواسع الذي وقع في السنوات السابقة للاحتجاجات، ولكن قبل الانتخابات، قام مؤيدو مير حسين موسوي ومهدي كروبي، زعماء الحركة الإصلاحية المحتجين على نتائج الانتخابات، بإطلاق مواقع على شبكة الإنترنت. وغطت هذه المواقع بعد الانتخابات أيضاً تقارير عن الاحتجاجات والقتلى والمحتجزين. هذا العام، أجرت بي بي سي الفارسية وراديو فردا أيضاً، مقابلات مع كثير من مؤيدي موسوي وكروبي، وكذلك الصحافيين، وغطت أخبار الاحتجاجات والأحداث اللاحقة».
كما يشير إلى وجود عدد كبير من الصحافيين الأجانب في طهران لتغطية الانتخابات، وهو ما ساعد أيضاً في نقل الأيام التالية من الانتخابات وانطلاق احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية.
ولكن عن هذا العام يقول إن «أحداثه كانت مختلفة عن جميع الأحداث السابقة. في هذه الاحتجاجات، لم تكن لدى المتظاهرين قيادة واحدة لديهم، ولا حتى مواقع ووسائل إعلام واضحة. ومن ناحية أخرى، كانت التغطية الإعلامية المحلية للاحتجاجات متاحة فقط للمسؤولين».
ولكن في هذه الاحتجاجات، لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية والصحافيين المواطنين دوراً خاصاً، ونشرت تجمعات الأخبار على الشبكات الاجتماعية أو أرسلت إلى بي بي سي وراديو فردا، وغيرهما من وسائل الإعلام في خارج البلاد، بحسب محرابي.
في هذا الصدد، يلفت إلى مساهمة «بعض الصحافيين المحليين أيضاً في تغطية هذا التطور، ولكن بشكل عام، فإن الصحافيين المحليين في المحافظات الإيرانية لديهم اتصالات أقل من صحافيين في عاصمة إيران طهران وأقل إمكانيات».
يختم محرابي قائلاً: «بطبيعة الحال، فإن التحقق من صحة التقارير التي يرسلها الصحافيون المواطنون إلى وسائل الإعلام في الخارج صعب، حيث يواجهون صعوبة في طلب خبرة متخصصة، ويتعين على صحافيين من وسائل الإعلام الأجنبية القيام بكثير من الأبحاث حول هذه الأفلام والصور».

بعض القنوات تحفظت على الاحتجاجات
> ترى بنفشه بور زند أن النظام، خصوصاً القضاء الإيراني، أسكت وسائل الإعلام المستقلة بأي طريقة ممكنة خلال السنوات الماضية.
وفي تعليقها على غياب أخبار الاحتجاجات الأخيرة من وسائل الإعلام الرسمية، قالت إن «الأخبار الواقعية لا يمكن أن تنشر بالطريقة الصحيحة في أيامها العادية، فما بالنا بالأيام التي تشهد احتجاجات».
وقالت بور زند إن بعض وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج إيران: «تحاول التحفظ على الإصلاحيين، وتحت تأثير ذلك فإن تلك الوسائل الإعلامية لا تنقل الأخبار والحقائق وتتغاضى عن الدخول إلى التفاصيل».
وفي المقابل، ترى أن وسائل الإعلام العلمانية التابعة للتيار الليبرالي نقلت الأخبار الصحيحة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام «تكريس الشائعات وكذلك التنظير السياسي»، ما يؤدي إلى «شغل المواطنين بالقضايا الهامشية». كما أنها «لا تولي اهتماماً للمحليين والمتخصصين الذين يقدمون حلولاً معقولة أو يتناولون الأخبار بحذافيرها بعيداً عن الثرثرة والتنظير»، بحسب بور زند.
وترى أن سياسة الفريقين الإصلاحي والعلماني في الإعلام وأسلوب تناول القضايا «لا يساعد في حل القضايا الإيرانية».
وتعرب بور زند عن اعتقادها أن «شبكات التواصل الاجتماعي نجحت في مهمتها داخل إيران»، فيما رأت أن «بعض المواقع الخبرية تحولت إلى أبواق لبعض الأحزاب»، ورغم أنها لا ترى عيباً في ارتباط الصحافي بالأحزاب، فإنها ترهن ذلك بـ«ألا يترك تأثيراً على أداء الصحافيين ونشر المعلومة».
وقالت بور زند إن المنابر الإعلامية «قدمت تفسيراً على خلاف حركة الاحتجاجات».
كما أعربت عن اعتقادها أن تغطية بعض القنوات التلفزيونية «تأثرت بالحزبية» من دون الإشارة إلى أسماء بعينها. وفي الوقت نفسه ترى أن القنوات الإخبارية خارج الأراضي الإيرانية «لم تكن سيئة، لكن كان بالإمكان أن تكون أفضل فيما يتعلق بنشر الخبر».
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي تفوقت على القنوات الإخبارية في نقل الأخبار دون تحفظ. وطالبت القنوات الإخبارية بأن تقدم تحليلاً بدلاً من التنظير، وتقدم الأولويات للأخبار.
في سياق منفصل، تنتقد بور زند غياب وسائل إعلامية مستقلة باللغة الإنجليزية، لافتة إلى أن تلك الوسائل تعاني من الانحياز للنظام أو الأحزاب المعارضة. كما تشير إلى «نفوذ اللوبي الإيراني في بعض وسائل الإعلام»، إضافة إلى «تمويل إيران وسائل إعلام مثل موقع ألمانيتور»، فضلاً عن عدد الصحافيين الأجانب المرتبطين بالنظام الإيراني، وهو ما يشكل ضغطاً على الصحافيين المستقلين.

الإعلام المحافظ حمّل الحكومة مسؤولية الحراك

قال صحافي ومختص في الشؤون الإعلامية الإيرانية يقيم في طهران ورفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن هناك نقطتين حول تغطية الأحداث في الصحف الإيرانية؛ أولاً: حاولت الصحف المحافظة أن تلقي باللوم في كل ما حدث على الحكومة، وأن تركز على أن السبب الرئيسي في إشعال الأزمة هو تلكؤ الحكومة في تحسين الحالة الاقتصادية، ومن هذه الجهة قامت بتأييد الاحتجاجات، وخصوصاً خلال الأيام الأولى. أما الصحف الإصلاحية فاتجهت في الأيام الأولى إلى رفض الاحتجاجات واتهام المحتجين بأنهم مسيرون من جانب المعسكر المحافظ، وهذا ترك أثراً سلبياً على مكانتهم بين الشارع، من حيث إنهم رفضوا حق التظاهر.
ثانياً: بعد عدة أيام من بدء الأزمة شهدنا توحداً في الاتجاهات بين الصحف من حيث رفض الاحتجاجات ومن حيث إحالتها إلى القوى الخارجية. ولكن مع مرور الزمن ارتفعت هذه اللهجة في الصحف المحافظة، بينما فضلت الصحف الإصلاحية التركيز على أسباب الاحتجاجات والتأكيد على حقوق المحتجين والمعتقلين.
وعن اختلاف تغطية احتجاجات هذا العام مقارنة بعام 2009، قال الصحافي الإيراني إن «الواقع أن وجه الاختلاف الأبرز كان هذا التوحد بين الصحافة الإصلاحية والمحافظة في ذم الاحتجاجات. فبينما شهدت أحداث عام 2009 انحيازاً للصحافة الإصلاحية إلى جانب المحتجين لم نشهد مثل هذا الانحياز في الصحافة الإصلاحية في الأحداث الأخيرة. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن المعالم الأساسية للتغطية الرسمية كانت واحدة في كلا الحادثين، مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع مستوى رد فعل الصحافة الرسمية على الهجمات التي شنتها الصحافة غير الرسمية وشبكات التواصل، ما يدل على اتساع أثر هذه الشبكات».
ورأى المحلل الإيراني أن أغلب الشارع «تابع الأحداث من منطلق شبكات التواصل وتليغرام على وجه الخصوص، وهو ما همش دور الصحافة المتلفزة والمسموعة خلال هذه الاحتجاجات. لكن مع انقطاع الإنترنت ارتفع مستوى متابعة التلفزيون بين المواطنين».
ورداً على سؤال حول تأكيد تفوق شبكات التواصل على الإعلام الرسمي بعدما تفوقت في الانتخابات وأسباب ذلك، قال: «بعدما بينت تأثيرها في الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، هذه المرة أثبتت الشبكات وخصوصاً تليغرام جدارتها في تحريك الشارع كما أثبتت فقدان الثقة بالتلفزة والصحافة الرسمية لدى الشارع. السبب الأول في ذلك تلكؤ الصحافة الرسمية في التعامل مع الحدث وصمته في الأيام الأولى. والسبب الثاني هو أن الخطاب الذي انتهجته الصحافة الرسمية لم يحصل على ثقة الشارع. وبالتالي فإن عامل المصداقية وعامل السرعة في نقل الأحداث هما سببان أديا إلى تفوق شبكات التواصل في سباقها مع الصحافة الرسمية».


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».


تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
TT

تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)

تجاوز «البودكاست»، للمرة الأولى، الإذاعة بوصفها إحدى أبرز الوسائل الشعبية للاستماع للمحتوى الصوتي، ما يدفع بالمنافسة بينهما لمزيد من الاحتدام. وفي حين تشير البيانات إلى أن السوق تتجه إلى مزيد من الاعتماد على «البودكاست»، قال خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» إن الراديو لا يزال يتمتع بمزايا تنافسية وفرص لجذب الجمهور.

مؤسسة «إديسون ريسيرش» الأميركية كانت قد أجرت مسحاً ونشرت نتائجه في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكشفت النتائج عن زيادة إقبال الجمهور على الاستماع لـ«البودكاست» ليتجاوز للمرة الأولى جمهور الإذاعة.

وأكدت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات السوق والإعلام، أن الباحثين ظلوا على مدار العقد الماضي، يتتبعون سلوك الجمهور فيما يتعلق بالمحتوى الصوتي وتفضيلاته. ورصدوا، بالفعل، نمواً مستمراً في نسبة الوقت المخصص للاستماع إلى «البودكاست»، مقابل تراجع في حصة الوقت المخصص للإذاعة، لينتهي الأمر بتفوق «البودكاست» بنسبة 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة تتعلق بالإذاعة الحوارية فقط، ويستثنى منها وقت الاستماع للموسيقى مقابل «البودكاست المصور».

من ناحية أخرى، مع أن الفارق لا يزال محدوداً، فإن الخبراء أثاروا تساؤلات حول التنامي الذي لا يمكن إنكاره لهذا النمط من المحتوى الصوتي، لا سيما في ظل دخول منصّات مثل «سبوتيفاي» و«يوتيوب» في المنافسة، ما يمثل توجهاً محورياً في الصناعة.

هيفاء البنا، الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام ومواقع التواصل، رأت أن تجاوز «البودكاست» للإذاعة التقليدية القائمة على البث الخطي، يعكس تحولاً بالأساس في سلوك الجمهور. وأوضحت أن «التحول مرتبط أساساً بتغير عادات استهلاك المحتوى بشكل عام، وليس الصوت فقط».

وتابعت البنا أن الجمهور اليوم اعتاد نموذج «المحتوى عند الطلب» في كل شيء تقريباً، من الفيديو إلى الموسيقى، ومن ثمّ أصبح من الطبيعي أن يتوقع التجربة نفسها مع المحتوى الصوتي. وتابعت أن «البودكاست» يمنح المستمع التحكم الكامل، اختيار الموضوع، الحلقة، والتوقيت، بينما يظل الراديو التقليدي «مرتبطاً بجدول بث ثابت يفرض على المستمع التكيف معه».

أيضاً أشارت البنا إلى «عامل التخصص»، فقالت إن «البودكاست» يسمح بوجود برامج شديدة التخصص، تستهدف اهتمامات محددة، وهو ما يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تخاطب جمهوراً واسعاً. وذكرت أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات وربط الهواتف الذكية بالسيارة، ساهما في الوصول بسهولة إلى تطبيقات «البودكاست» أو الموسيقى أو الكتب الصوتية.

في سياق متصل، وفي خطوة تعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات صناعة الإعلام، أبرمت شركة «نتفليكس» صفقات مع مؤسستي «آي هارت ميديا» و«بارستول سبورتس» لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغة بصرية متطورة تتجاوز القوالب التقليدية.

وتتوافق هذه الخطوة مع البيانات الصادرة عن «يوتيوب» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أفادت بنمو ملحوظ في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية، إذ سجلت المنصة 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025 ارتفاعاً من 400 مليون ساعة في عام 2024.

وهنا، قال الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، إننا أمام محتوى واحد يُقدم من خلال نموذجين مختلفين، من حيث الإنتاج والتوزيع وشكل العلاقة مع الجمهور. وأوضح أن «هناك اختلافات جوهرية في النموذجين، ففي حين تتميز المنظومة الإذاعية بالدقة والمهنية والتحقق من المعلومات، وهذا يجعل نسب الخطأ أو التضليل أقل، يتمتع البودكاست بمساحات من الحرية تكسر القوالب التقليدية؛ لكن في الوقت نفسه قد يَعرض محتوى مضللاً دون رقيب».

وفي سياق المقارنة، أورد موسى أن ما يميز «البودكاست» هو اعتماده على «ارتباط شخصي وثيق» بالمستمع أو المشاهد، وأن «البودكاست يقدم حلقات طويلة تمتد لبضع ساعات أحياناً، وهذا النموذج يشعر الجمهور بثقة منشؤها التواصل الإنساني المستمر وليس بالضرورة البراهين المادية».

في المقابل، رغم البيانات التي قد تقوّض فرص الإذاعة، رأى موسى أنه لا تزال الإذاعة لديها فرص ومزايا تنافسية، وأن «نقطة القوة الأولى هي الثقة، فجمهور الراديو يشعر بطمأنينة تجاه المحتوى المقدم، ويثق بأنه تم تدقيقه وتحريره باحترافية».

وأردف: «الميزة الثانية هي الآنية، إذ تعد الإذاعة من أقوى وسائل الإعلام في مساحة الخبر العاجل، بينما يظل البودكاست بعيداً عن هذه الميزة». وأما الميزة الثالثة بحسب موسى فهي التحوّل للديجيتال (الرقمية)، شارحاً «حان الوقت ألا تكتفي الإذاعة بالبث التقليدي، وتنطلق نحو إعادة توزيع محتواها بشكل ذكي قريب من الديجيتال، وهذا سيساهم في الوصول للجمهور الأصغر سناً».


فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.