كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء صحافيين إيرانيين حول تغطية المظاهرات ضد تدهور الوضع المعيشي

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)

أصبحت وسائل الإعلام الإيرانية مرة أخرى أمام اختبار صعب لتقييم مصداقيتها في الشارع الإيراني من جهة، ولاختيار جاهزيتها لتغطية أزمة داخلية ضربت البلاد من جهة أخرى.
و قبل شهر تحركت شرائح المجتمع الإيراني ضد غلاء المعيشة، كانت البلاد شهدت أكثر من ألف زلزال على أثر تحرك الطبقات تحت الأرض، قبل أن ينتقل التحرك إلى طبقات المجتمع الإيراني فوق الأرض.
وأثناء الحملات الانتخابية ، حذر المرشد الإيراني علي خامنئي من تلاسن المسؤولين عبر وسائل الإعلام وتحرك طبقات المجتمع والتسبب في زلزال كبير.
ولم تكن الحرب محصورة بين السلطات وشبكات التواصل الاجتماعي. وسائل الإعلام بدورها كانت مسرحاً لمواجهة بين الإعلام الرسمي والإعلام غير الرسمي. داخلياً لم تنشر الصحف الإيرانية سوى قليل من الأخبار وردت على لسان المسؤولين الإيرانيين، فيما شهدت تغطية القنوات الناطقة بالفارسية خارج إيران تبايناً كبيراً في التغطية. في هذا السياق ارتأت «الشرق الأوسط» أن ترصد آراء الصحافيين الإيرانيين حول أداء الإعلام الإيراني بمختلف اتجاهاته في تغطية الاحتجاجات الإيرانية.

إيران تسعى لفرض الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية

> يقول مسؤول ملف إيران وأفغانستان في منظمة «مراسلون بلا حدود»، رضا معيني المقيم بباريس في شهادته لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، حول تغطية احتجاجات إيران، إنها تأثرت بـ«سياسة إيران في تدويل الرقابة»، لافتاً إلى أن السلطات تحاول عبر الترهيب أو الإغراء التأثير في نشر أخبار الداخل الإيراني في وسائل الإعلام الأجنبية.
وباعتقاد معيني في محاولة فهم طبيعة نقل الأحداث الداخلية الإيرانية، «نحن نواجه واقعين؛ أولاً لا توجد لدينا القنوات الداخلية الحرة والمستقلة لنقل الأخبار والمعلومات. وسط هذا تشكل القنوات الدولية التي يملك بعضها خدمة فارسية مصدراً أكثر استقلالية من الشبكات الداخلية. هذا المصدر الوحيد الأكثر استقلالية من القنوات الداخلية».
ويستند معيني إلى بيانات سابقة صدرت من منظمة «مراسلون بلا حدود» في هذا الصدد، قائلاً: «هناك محاولات للسيطرة على هذه القنوات. هذه التهديدات عملياً يمكن أن تكون مؤثرة. النظام يهدد الصحافيين الذين يعملون في هذه القنوات. ويغري بعضاً منهم أي يقدم لهم بعض الإمكانيات، وحتى الصحافيين الأجانب الذين يتوجهون إلى إيران لم يسلموا، بواسطة الضغوط التي يتعرضون لها والملفات التي تجمعها ضدهم إيران، تحديداً تمارس إيران عليهم الضغوط والرقابة وتجبرهم على نشر أخبار معينة مثل وسائل الإعلام الداخلية».
وأوضح معيني في شهادته حول محاولات التحكم بوسائل الإعلام الأجنبية: «إذا أردت أن أضرب مثالاً على ذلك، فإنه يمكننا مقارنة الأخبار التي تنشرها وكالة (رويترز) بالأخبار التي تنشرها وكالة الصحافة الفرنسية».
وبشأن هذه المقارنة يلفت إلى أن «وكالة الصحافة الفرنسية» لديها مكتب في طهران، وتتعرض إلى ضغوط ولا يمكنها العمل كما ينبغي، بينما «رويترز» لا تملك مكتباً والأخبار الأكثر حرية واستقلالية هي لوكالة «رويترز». الحالة ذاتها تنطبق على القنوات والصحف الأخرى.
وعن صعوبة مهمة المراسلين في العاصمة الإيرانية، صرح معيني بأن «أي صحافي يذهب إلى إيران، إذا كان من أصحاب الجنسية المزدوجة يتعرض لضغوط مضاعفة، وإذا لم يكن من أصحاب الجنسية المزدوجة يواجه ملفات أعدت للقناة أو الصحيفة التي يعمل لصالحها. هذه الملفات هي مجموعة الأعمال التي قام بها الصحافي أو وسيلة الإعلام التي ينتمي لها، وبهذا التهديد لا توجد إمكانية لتمديد التأشيرة وإصدار رخصة عمل في إيران، مثلما قلنا في أحد البيانات: النظام الإيراني يحاول أن يجعل الرقابة دولية. في هذه القضية خصوصاً، أوضحنا أن الصحافيين والمراسلين في أي وضع يجب أن يكونوا حاضرين، وألا ينسوا الأخلاق والواجب المهني الاحترافي، وإذا تحول الصحافي إلى متعاون مع النظام فإنه لم يعد صحافياً».
وعلى صعيد الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية بفرض قيود على الإنترنت خلال الأيام القليلة الماضية، تطرق معيني إلى القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على حرية المعلومات ونقل الأخبار واستخدام الإنترنت بشكل عام في إيران. ويرى أن النظام يعاني من الازدواجية والمفارقة في مواقفه من الإعلام. من جانب يجني الأموال من الإنترنت و«من جانب آخر يفرض قيوداً على حرية المواطنين ويمارس الرقابة».
وبحسب معيني، فإن مخاوف النظام من الإنترنت بدأت منذ توسع استخدام الخدمة في عام 2000. فمن جهة شكلت ثورة الكومبيوتر والإنترنت مصدراً اقتصادياً ضخماً للنظام، ومن جانب آخر يحاول النظام التحكم بالإنترنت.
يقول معيني في هذا الخصوص: «هذا التناقض عملياً نراه عندما تقلل سرعة الإنترنت حتى يواجه عرقلة نقل المعلومات». ويشير إلى رغبة المجتمع الإيراني في الوصول إلى المعلومات عبر استخدام الإنترنت، لكنه في الوقت ذاته يتساءل: «ما الداعي لشراء أحدث الأجهزة إذا كان من المقرر أن يشاهد المواطن الإيراني منتجات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في الإنترنت؟».
وينوه معيني بإقامة إيران شبكة معلومات وطنية بهدف عزل الإنترنت في إيران عن المناطق الأخرى، وهو ما أطلق عليه في إيران «الإنترنت الحلال». ويعتقد أن مشروع الحكومة في رفع تكلفة الإنترنت للاتصال بالخارج مقابل أسعار أرخص للإنترنت الداخلي «تمييز إلكتروني» تمارسه السلطات عبر الإنترنت الحلال.
إضافة إلى ذلك يتحدث معيني عن سياسة السلطات الإيرانية عبر إطلاق مشروع «الحجب الذكي»، وذلك بهدف استمرار الأرباح الاقتصادية مع توسع نطاق الرقابة على الإنترنت.

اللوبي الإيراني والخطاب الإصلاحي وراء تحفظ قنوات خارجية

> «وسائل الإعلام باللغة الفارسية داخل إيران، بطبيعة الحال، لا يمكن معالجتها جميع الجوانب بسبب القيود. وهناك إمكانية لإغلاق وسائل الإعلام إذا عكست بعض الحقائق ذلك، يبدأ رسام الكاريكاتير ومدير موقع «خودنويس» المغلق حالياً، نك آهنك كوثر، كلامه عن تقييم أداء وسائل الإعلام الإيرانية.
وبحسب نك آهنك كوثر، فإن شبكات التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات الأخيرة كانت «نشطة جداً، ولكن كانت هناك فرصة ضئيلة للتحقق من أخطائها وقضاياها. لأن كثيراً منها تلقى تقارير من مواقع مختلفة، فمن غير الممكن التحقق من دقة هذه المواد الإعلامية».
وينظر آهنك كوثر بتحفظ على تغطية وسائل التواصل، لأن «بعض الحالات، بدلاً من نقل الأخبار، يصنعون الأخبار. على سبيل المثال، نقول إن مسيرة ستعقد غداً في المنطقة في حين لم يكن هناك أي أخبار عن الحدث، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اجتماع مجموعات، وأن يأتي الطرف المقابل لقمع التجمعات».
ويلفت آهنك إلى أن «الخطر الحقيقي المتمثل في عدم وجود وسائل إعلام حقيقية في غياب حرية الصحافة يجعلنا لا نرى المسؤولية الإعلامية، مثل كثير من الشبكات الاجتماعية».
وعن تقييم وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج حدود إيران، يرى أن قنوات مثل «بي بي سي» الفارسية أو «راديو فردا» تتأثر بلجنة التحرير الإصلاحية، مضيفاً أنها «لا تنقل جزءاً من الأخبار ولا تعمل بالدقة المطلوبة تجاه المجموعات التي تشاركها الأفكار». على سبيل المثال هذا ينطبق تماماً على مواقف الإصلاحيين. وفي «صوت أميركا» يبدو ذلك إلى حد ما، ولكن يبدو أن قناة «من وتو» أعدت تقارير أفضل من الآخرين حول الأحداث.
ومقارنة بالتغطية الإعلامية بين احتجاجات الحركة الخضراء في 2009 واحتجاجات هذا العام، يوضح نك آهنك أن «عنصر التواصل الاجتماعي أقوى مما كان عليه في عام 2009، على سبيل المثال، كان (فيسبوك) هو الأول في ذلك الوقت، هذا العام كان (تويتر) قوياً جداً، ونشط كثير من الإيرانيين لم يكونوا نشطين من قبل، هذا العام على (تويتر)، وأظهر تطبيق (تليغرام) مدى قوته، حتى دفع النظام إلى حجبه».
ويشير آهنك إلى أن كثيراً من البيانات في 2009 «كانت تنقل بواسطة البلوتوث وفي شبكات أصغر. هذا العام يختلف تماماً، كان أوسع بكثير».
ويوضح آهنك أن دور المواطن الصحافي برز أكثر في الأحداث «على الرغم من أن دور الحملة الحكومية على الإنترنت كان أقوى أيضاً هذا العام».
ويقول آهنك إن «النقطة الأخرى في عام 2009، كان جزء من الحشد الذي ذهب في الشوارع والمظاهرات قريباً جداً من الطبقة الوسطى. في ذلك الوقت كان هناك عدد قليل جداً من الهواتف الذكية المتاحة لهذه الطبقة الوسطى، ولكن هذا العام، علينا الانتباه إلى أن هناك ما يقارب 40 مليوناً من الهواتف الذكية بيد شرائح مختلفة لديها إمكانية الوصول إلى هذه الهواتف. ونتيجة لذلك، كان تداول المعلومات أوسع بكثير».
وبالعودة إلى أداء القنوات التلفزيونية مقارنة بأحداث عام 2009، يقول إنه «لم تكن القنوات الفارسية في ذلك الوقت، على ما هي عليه الآن. كانت هيئة الإذاعة البريطانية الفارسية نشطة جداً، وصوت أميركا، ولكن هذا العام، شاهدنا دور قناة من وتو». ويرى أن قناة «من وتو» عبر تغطيتها للأحداث بـ«شفافية أكثر استطاعت أن تجتذب مزيداً من الجماهير».
ومع ذلك ينتقد بعض القنوات لتحفظها في نقل الأحداث، قائلاً إن «التغطية قد تأخرت هذا العام، كانت ردة فعل قناة بي بي سي الفارسية في 2009 سريعة، لكن هذا العام شاهدناها تأخرت عدة ساعات. وفي المقابل كان هناك كثير من السرعة بين الشبكات الاجتماعية، التي كانت قادرة على الحصول على مقاطع فيديو ذات جودة».
وعن أسباب غضب الجمهور من تغطية القنوات، يقول نك آهنك إن الأمر «يعود إلى أن بعض جماهيرنا يريدون موقفاً سياسياً في التغطية الإخبارية. وهذا، بالطبع، على حساب التغطية الإعلامية الحقيقية. وبطبيعة الحال، إذا انحاز معلق مباراة الكلاسيكو في إيران بين فريقي استقلال وبرسبولين، فإنه يلاقي استحسان مشجعي أحد الفريقين».
ويتابع في هذا الصدد: «قد يكون لدى كثير من الناس في الساحة السياسية هذه النزعة. على وسائل الإعلام أن تهتم بتوفير التغطية الإعلامية، فضلاً عن القضايا التي قد تكون غير مدركة للمجتمع، وقد تؤدي إلى معرفة أكثر عمومية. لكن مع ذلك، نحن لا نرى هذا في كثير من وسائل الإعلام في الخارج. لأنهم يسعون أحياناً إلى حل الأزمة وهم يخضعون للرقابة في مواجهة ما يحدث لحكومة روحاني».
وحول أداء الصحافيين في نقل المعلومات إلى خارج حدود إيران، يرى الخبير الإيراني أن «كثيراً من الصحافيين المحليين لديهم الفرصة لإرسال المعلومات إلى أصدقائهم في الخارج عبر مجموعة متنوعة من الطرق، بما في ذلك أساليب التشفير. ولكن كثيراً من الصحافيين المحليين بسبب موقفهم الإصلاحي، على سبيل المثال لا ينشرون الأشياء التي تضر حكومة روحاني، أو على سبيل المثال، تقارير عن الإصلاحيين التي يمكن أن تجعل موقفهم في المجتمع الأضعف. حتى في الشبكات التواصل الاجتماعي تعليقاتهم متحفظة جداً، ووفقاً لبعض أصدقائهم، يقولون إنهم أكثر إصراراً في الاستمرار مع الإصلاح».
ويعيد آهنك السبب إلى أن «المشكلة الكبيرة التي تبدو مع هيكل مؤسساتنا الإعلامية هي أن كثيراً من الصحافيين في إيران بدلاً من التمسك قواعد الصحافة، يتمسكون بالأهداف الحزبية والسياسية»، موضحاً أنهم «يعملون في إطار المصالح الحزبية والاجتماعية، ويتناسب نوع المعلومات التي يوفرونها مع هذه النظرة الحزبية، وحتى لو ألحق ذلك أضراراً بحزبهم إما أن يحجبوه، أو بطرق مختلفة يقللوا من حجم الخسائر».
وعلى سبيل المثال، لم تنشر وسائل الإعلام موقف جمعية رجال الدين المناضلين التي ينتمي لها خاتمي حول الاحتجاجات إلا بعد ساعات، ولم تتقبل تلك القنوات أن خاتمي كان أحد الموقعين على البيان، وعلى سبيل المثال أيضاً، دور روحاني في مجلس الأمن القومي كجهة مسؤولة أمرت بقمع الشعب، حاولوا أن يقولوا إن روحاني كان يفعل أي شيء لإبعاد الخطر عن الشعب، لكنه رفض الاعتراف بأن ما يحدث في الشوارع أساس قرارات مجلس الأمن القومي.
هذه القضية تقلل من الثقة العامة تجاه جزء من وسائل الإعلام الداخلية، كما هي الآن متراجعة. هذا في حين أن الصحف التي يكثر عنها الكلام في الساحة السياسية الإيرانية تتراجع عدد طبعاتها، وتراجعت إلى نحو 23 عاماً قبل أن يرتبط الصحافيين الإيرانيين العاملين في صحف مختلفة، باللوبي الإيراني، ونتيجة لذلك يحاولون جعل الأخبار في الفضاء الإعلامي والشبكات الاجتماعية مثل «تويتر»، كما لو كنا في إيران، لدينا مجموعة كبيرة جداً من المجموعات التقدمية والديمقراطية تمثلها حكومة روحاني وهناك طرف آخر يقابله باسم حكومة روحاني، هناك مجموعة سيئة للغاية تسمى الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن الحادث الذي وقع كان موقف الإصلاحيين والاشتراكيين في وسائل الإعلام الاجتماعية في وسائل الإعلام المختلفة، فإنها لم تكن قادرة على ترجمة بدقة لجمهور يتحدث الإنجليزية.
ما حدث أن مواقف الإصلاحيين والمعتدلين في شبكات التواصل الاجتماعي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، لكن الصحافيين رفضوا نقلها إلى اللغة الإنجليزية، حتى لا تقدم صورة سيئة، على سبيل المثال، لمحمد رضا خاتمي لدى المتلقي الإنجليزي. وكذلك الحال بالنسبة لمواقف الإصلاحيين وعملياً يتحكمون بالأخبار.
من جانب آخر يتابعون النهج الإعلامي ذاته للوبي الإيراني في أميركا حول الاحتجاجات في إيران. وتتأثر تغطيتهم الإعلامية بمواقف اللوبي الإيراني في أميركا. هذا الأمر يتسبب في أن تأخذ مراكز صنع القرار في الدول الغربية قراراتها بناء على المعلومات المنشورة.
ويرى أن «تويتر» سبب التوازن ضد هذا الخطاب الإعلامي، لأنه يسمح بمداخلة الصحافيين المتسلقين وتصحيح المعلومات الخاطئة. وهو ما يظهر أن هناك بعض الأخطاء في التغطية.
ويرى أن تحرك اللوبيات لا يترك أثره على الصحافيين الإيرانيين فحسب، إنما يترك أثره على الصحافيين الأجانب. وفي هذا الخصوص يلفت الانتباه إلى تعميم مفهوم آيديولوجي في نقل المعلومات عن إيران. ويعتبر تغطية مراسل «نيويورك تايمز» في طهران «نموذجاً لنقل الأخبار التي ترسم الابتسامة على وجه وزير الخارجية الإيراني أو اللوبي الإيراني في أميركا». ويضيف أن هذا النوع من نقل الأخبار «ينقل جزءاً من الواقع وليس كل الواقع، ونقل جزء من الواقع أسوأ بمرات من الكذب».

شبكات التواصل و{الصحافي المواطن} تكسر صمت الإعلام الرسمي

> في شهادته حول تغطية الأحداث، يقارن الصحافي إحسان محرابي المقيم في برلين لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، بين غياب الاهتمام الإعلامي الداخلي في احتجاجات هذا العام والاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويقول محرابي إن «التجمعات الأخيرة في إيران مختلفة عن التجمعات الاحتجاجية السابقة من حيث التغطية الإعلامية». ويرى أن الخلاف الجوهري في أنها «لم تنعكس الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت في إيران خلال التسعينات وخلال رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني في مدن مشهد وقزوين وإسلامشهر في المجتمع الإيراني، ولهذا السبب كانت وسائل الإعلام أقل اهتماماً بأصل القضية، وباستثناء وسائل الإعلام الرسمية كان هناك قليل من وسائل الإعلام التي تحدث عن الاحتجاجات».
ويتابع محرابي المختص بالشؤون البرلمانية الإيرانية: «لكن المظاهرات الاحتجاجية في 1999 وبعدها الهجوم على سكن طلاب جامعة طهران كان وضعها مختلفاً، والصحف الخاصة التي بدأت إصدارها في فترة حكومة محمد خاتمي، غطت الاحتجاجات على نطاق واسع. حتى بعد أيام من الاحتجاجات كانت العنوان الرئيسي في الصحف».
وعن التغطية الإعلامية في احتجاجات عام 2009، يوضح: «لم تلعب الصحف دوراً بسبب الضغوط الضخمة والتوقيف الواسع الذي وقع في السنوات السابقة للاحتجاجات، ولكن قبل الانتخابات، قام مؤيدو مير حسين موسوي ومهدي كروبي، زعماء الحركة الإصلاحية المحتجين على نتائج الانتخابات، بإطلاق مواقع على شبكة الإنترنت. وغطت هذه المواقع بعد الانتخابات أيضاً تقارير عن الاحتجاجات والقتلى والمحتجزين. هذا العام، أجرت بي بي سي الفارسية وراديو فردا أيضاً، مقابلات مع كثير من مؤيدي موسوي وكروبي، وكذلك الصحافيين، وغطت أخبار الاحتجاجات والأحداث اللاحقة».
كما يشير إلى وجود عدد كبير من الصحافيين الأجانب في طهران لتغطية الانتخابات، وهو ما ساعد أيضاً في نقل الأيام التالية من الانتخابات وانطلاق احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية.
ولكن عن هذا العام يقول إن «أحداثه كانت مختلفة عن جميع الأحداث السابقة. في هذه الاحتجاجات، لم تكن لدى المتظاهرين قيادة واحدة لديهم، ولا حتى مواقع ووسائل إعلام واضحة. ومن ناحية أخرى، كانت التغطية الإعلامية المحلية للاحتجاجات متاحة فقط للمسؤولين».
ولكن في هذه الاحتجاجات، لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية والصحافيين المواطنين دوراً خاصاً، ونشرت تجمعات الأخبار على الشبكات الاجتماعية أو أرسلت إلى بي بي سي وراديو فردا، وغيرهما من وسائل الإعلام في خارج البلاد، بحسب محرابي.
في هذا الصدد، يلفت إلى مساهمة «بعض الصحافيين المحليين أيضاً في تغطية هذا التطور، ولكن بشكل عام، فإن الصحافيين المحليين في المحافظات الإيرانية لديهم اتصالات أقل من صحافيين في عاصمة إيران طهران وأقل إمكانيات».
يختم محرابي قائلاً: «بطبيعة الحال، فإن التحقق من صحة التقارير التي يرسلها الصحافيون المواطنون إلى وسائل الإعلام في الخارج صعب، حيث يواجهون صعوبة في طلب خبرة متخصصة، ويتعين على صحافيين من وسائل الإعلام الأجنبية القيام بكثير من الأبحاث حول هذه الأفلام والصور».

بعض القنوات تحفظت على الاحتجاجات
> ترى بنفشه بور زند أن النظام، خصوصاً القضاء الإيراني، أسكت وسائل الإعلام المستقلة بأي طريقة ممكنة خلال السنوات الماضية.
وفي تعليقها على غياب أخبار الاحتجاجات الأخيرة من وسائل الإعلام الرسمية، قالت إن «الأخبار الواقعية لا يمكن أن تنشر بالطريقة الصحيحة في أيامها العادية، فما بالنا بالأيام التي تشهد احتجاجات».
وقالت بور زند إن بعض وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج إيران: «تحاول التحفظ على الإصلاحيين، وتحت تأثير ذلك فإن تلك الوسائل الإعلامية لا تنقل الأخبار والحقائق وتتغاضى عن الدخول إلى التفاصيل».
وفي المقابل، ترى أن وسائل الإعلام العلمانية التابعة للتيار الليبرالي نقلت الأخبار الصحيحة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام «تكريس الشائعات وكذلك التنظير السياسي»، ما يؤدي إلى «شغل المواطنين بالقضايا الهامشية». كما أنها «لا تولي اهتماماً للمحليين والمتخصصين الذين يقدمون حلولاً معقولة أو يتناولون الأخبار بحذافيرها بعيداً عن الثرثرة والتنظير»، بحسب بور زند.
وترى أن سياسة الفريقين الإصلاحي والعلماني في الإعلام وأسلوب تناول القضايا «لا يساعد في حل القضايا الإيرانية».
وتعرب بور زند عن اعتقادها أن «شبكات التواصل الاجتماعي نجحت في مهمتها داخل إيران»، فيما رأت أن «بعض المواقع الخبرية تحولت إلى أبواق لبعض الأحزاب»، ورغم أنها لا ترى عيباً في ارتباط الصحافي بالأحزاب، فإنها ترهن ذلك بـ«ألا يترك تأثيراً على أداء الصحافيين ونشر المعلومة».
وقالت بور زند إن المنابر الإعلامية «قدمت تفسيراً على خلاف حركة الاحتجاجات».
كما أعربت عن اعتقادها أن تغطية بعض القنوات التلفزيونية «تأثرت بالحزبية» من دون الإشارة إلى أسماء بعينها. وفي الوقت نفسه ترى أن القنوات الإخبارية خارج الأراضي الإيرانية «لم تكن سيئة، لكن كان بالإمكان أن تكون أفضل فيما يتعلق بنشر الخبر».
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي تفوقت على القنوات الإخبارية في نقل الأخبار دون تحفظ. وطالبت القنوات الإخبارية بأن تقدم تحليلاً بدلاً من التنظير، وتقدم الأولويات للأخبار.
في سياق منفصل، تنتقد بور زند غياب وسائل إعلامية مستقلة باللغة الإنجليزية، لافتة إلى أن تلك الوسائل تعاني من الانحياز للنظام أو الأحزاب المعارضة. كما تشير إلى «نفوذ اللوبي الإيراني في بعض وسائل الإعلام»، إضافة إلى «تمويل إيران وسائل إعلام مثل موقع ألمانيتور»، فضلاً عن عدد الصحافيين الأجانب المرتبطين بالنظام الإيراني، وهو ما يشكل ضغطاً على الصحافيين المستقلين.

الإعلام المحافظ حمّل الحكومة مسؤولية الحراك

قال صحافي ومختص في الشؤون الإعلامية الإيرانية يقيم في طهران ورفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن هناك نقطتين حول تغطية الأحداث في الصحف الإيرانية؛ أولاً: حاولت الصحف المحافظة أن تلقي باللوم في كل ما حدث على الحكومة، وأن تركز على أن السبب الرئيسي في إشعال الأزمة هو تلكؤ الحكومة في تحسين الحالة الاقتصادية، ومن هذه الجهة قامت بتأييد الاحتجاجات، وخصوصاً خلال الأيام الأولى. أما الصحف الإصلاحية فاتجهت في الأيام الأولى إلى رفض الاحتجاجات واتهام المحتجين بأنهم مسيرون من جانب المعسكر المحافظ، وهذا ترك أثراً سلبياً على مكانتهم بين الشارع، من حيث إنهم رفضوا حق التظاهر.
ثانياً: بعد عدة أيام من بدء الأزمة شهدنا توحداً في الاتجاهات بين الصحف من حيث رفض الاحتجاجات ومن حيث إحالتها إلى القوى الخارجية. ولكن مع مرور الزمن ارتفعت هذه اللهجة في الصحف المحافظة، بينما فضلت الصحف الإصلاحية التركيز على أسباب الاحتجاجات والتأكيد على حقوق المحتجين والمعتقلين.
وعن اختلاف تغطية احتجاجات هذا العام مقارنة بعام 2009، قال الصحافي الإيراني إن «الواقع أن وجه الاختلاف الأبرز كان هذا التوحد بين الصحافة الإصلاحية والمحافظة في ذم الاحتجاجات. فبينما شهدت أحداث عام 2009 انحيازاً للصحافة الإصلاحية إلى جانب المحتجين لم نشهد مثل هذا الانحياز في الصحافة الإصلاحية في الأحداث الأخيرة. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن المعالم الأساسية للتغطية الرسمية كانت واحدة في كلا الحادثين، مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع مستوى رد فعل الصحافة الرسمية على الهجمات التي شنتها الصحافة غير الرسمية وشبكات التواصل، ما يدل على اتساع أثر هذه الشبكات».
ورأى المحلل الإيراني أن أغلب الشارع «تابع الأحداث من منطلق شبكات التواصل وتليغرام على وجه الخصوص، وهو ما همش دور الصحافة المتلفزة والمسموعة خلال هذه الاحتجاجات. لكن مع انقطاع الإنترنت ارتفع مستوى متابعة التلفزيون بين المواطنين».
ورداً على سؤال حول تأكيد تفوق شبكات التواصل على الإعلام الرسمي بعدما تفوقت في الانتخابات وأسباب ذلك، قال: «بعدما بينت تأثيرها في الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، هذه المرة أثبتت الشبكات وخصوصاً تليغرام جدارتها في تحريك الشارع كما أثبتت فقدان الثقة بالتلفزة والصحافة الرسمية لدى الشارع. السبب الأول في ذلك تلكؤ الصحافة الرسمية في التعامل مع الحدث وصمته في الأيام الأولى. والسبب الثاني هو أن الخطاب الذي انتهجته الصحافة الرسمية لم يحصل على ثقة الشارع. وبالتالي فإن عامل المصداقية وعامل السرعة في نقل الأحداث هما سببان أديا إلى تفوق شبكات التواصل في سباقها مع الصحافة الرسمية».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.