كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

يرون أن الإبداع متقدم بمسافة كبيرة

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي
TT

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

تتعدد أسباب أزمة النقد الأدبي في مصر، وتأخذ أبعاداً مختلفة؛ فبينما يراها كتّاب ومثقفون أزمة العقل العربي الذي تربَّى على النقل والحفظ، يرصدها آخرون في سياق شكوى الأدباء من غياب المتابعة النقدية، واقتصارها على الشللية، وضعف المستوى النقدي، واكتفاء الأدباء بالشكوى، لافتين إلى أن حل الأزمة يتطلب منظومةً تتوزع فيها الأدوار بين أضلاع مثلث يمثِّلُه المبدع والناقد والمؤسسات الثقافية المعنية، وأنه يجب على كل ضلع القيام بدوره بصدق وموضوعية.
«ثقافة» استطلعت آراء عدد من النقاد والكتاب في محاولة لاستشراف طبيعة الأزمة وأثرها على المبدع والحياة الثقافية بشكل عام.
في البداية، قال الروائي صبحي موسى: «يعاني النقد بشكل أساسي من عدة مشكلات، أبرزها عدم القدرة على تقديم إسهام حقيقي في النظرية النقدية على الصعيد العالمي؛ فليس لدينا ناقد واحد له آراء وأطروحات يمكن القول إنها معروفة عالمية، أو أن ثمة مَن يتحدث عنها في جامعات أوروبا أو أميركا أو غيرها، وهو ما يكشف بدرجة أساسية عن أننا مجتمع استهلاكي يقتات على ما يُنتِجه الآخرون، وحين ننزل إلى المستوى المحلي نجد أن النقد في جانبه النظري يعاني من مأساة التلفيق بين ما تقوله النظريات العالمية؛ سواء البنيوية أو الشكلانية أو غيرها، وما قاله البلاغيون والنحويون العرب قديماً، كالجرجاني وابن طباطبا وابن سيدة وغيرهم، وكثيراً ما نجد إجباراً لأفكار النظريات الجديدة كي تتواءم مع أفكار القدامى، أو مُبالَغة في طرح فكر القدامى بما يتناسب مع النظريات الحديثة، وهو ما يعكس أزمة الفكر العربي الذي يسعى للتوفيق بين ما ينتجه الغرب من تكنولوجيا حديثه، وما نردده من كلمات ونظريات (السلف الصالح)».
وأضاف صاحب رواية «الموريسكي الأخير»، قائلاً: «على الجانب التطبيقي، لا يختلف الأمر كثيراً؛ فغالبية النقاد هم مدرِّسون مجتهِدون، إن لم يكونوا موظفين بدرجة مدرسين في الجامعة، وهذا يجعلهم يميلون لتقديم تطبيقاتهم على ما تناولوه عن أساتذتهم، بمعنى أنهم ينحون لدراسة الأدب القديم لترديد ما سمعوه عن أساتذتهم من قبل، أما الأدب الحديث فنسبة من يتعاملون معه لا تزيد على 10 في المائة، وهؤلاء في غالبيتهم غير منتمين روحياً إلى الأدب الحديث؛ فحين يتحدث أي منهم عن قصيدة النثر فإنه يتحدث من منطق الشعر القديم، وحين يتحدث عن الرواية فإنه يحكي الحكاية، ويزداد الأمر سوءاً حين يتحدثون عن القصيدة الرديئة بالأدوات والعبارات التي يتحدثون بها عن القصيدة الجيدة، ومن هنا فالنقد التطبيقي يساوى لدى أصحابه أكبر شاعر مع أصغر شاعر، كما لو أنهم مجرد ماكينات لفرم الورق».
وحول علاقة الأزمة بغياب العقل المفكر، يرى موسى أن «أزمة النقد هي أزمة العقل العربي الذي تربى على النقل والحفظ، ومن ثم فإنه غير قادر على الإبداع ولا طرح أفكار تتمتع بالجرأة، فضلاً أن جانباً كبيراً من المختصين به لم يصبحوا نقاداً لأنهم يحبون الرواية أو الشعر، ولكن لأن مكتب التنسيق قذف بهم إلى كليات وأقسام اللغة العربية، وبقليل من المثابرة والحفظ أنهوا دراساتهم الجامعية، ثم حصلوا على الماجستير في موضوعات طرحها المشرفون عليهم، والأمر ذاته في الدكتوراه، وهكذا أصبحوا نقاداً أصحاب إضافات في النظرية النقدية، ولا يدل على حجم الأزمة إلا كمّ الأعداد الحاصلة على درجة الدكتوراه في الأدب، ولا تندهش حين تتعامل مع بعضهم وتجد فكره وآراءه شديد التخلف».
وتابع موسي: «الجانب الآخر من الأزمة أن الإبداع متقدِّم على النقد منذ سنوات طويلة، سواء في عدد ما يُنتَج من أعمال إبداعية، أو فيما يُطرَح من أفكار ورؤى ومدارس، ومن ثم فالكُتّاب هم الذين يقومون بالتنظير للمدارس والتيارات التي ينتمون إليها، وأغلب المتابعات النقدية يقوم بها المبدعون أنفسهم في الصحف والمجلات والمواقع، وكثيراً ما نظلم النقاد حين نطالبهم بالمتابعة اليومية لكل ما يُنتَج، لأن غالبيتهم غارقون في عمل بيروقراطي بالجامعة، مثلهم مثل أي موظف، مما يجعل النقد بمثابة الدرجة الثانية وليس الأولى».
أزمة نقد أم نقد الأزمة؟
من جهة أخرى، يرى القاصّ الروائي السيد نجم أن واقع الحياة والمناخ الأدبي والثقافي كما الأواني المستطرقة، متواصلة ويؤثر بعضها على بعض، سواء وافقنا أم لم نوافق أو لنقل: انتبهنا أم لم ننتبه.
ويضيف: «ملامح الحياة الثقافية الآن تتمثل في مظاهر لافتة، مثل الرواية الأكثر مبيعاً، وإعادة طباعة كتاب ما للمرة الخمسين مثلاً! وظهور واحتفاء لكاتب ما، وتوهج غير تقليدي ثم الخفوت الغامض! دوماً هناك اعتراض على نتائج ترشيحات جوائز الدولة السنوية (غالباً)، وهناك أيضاً ضعف مستوى المادة الثقافية إن وجدت في القنوات التلفزيونية العامة والخاصة». ولفت نجم إلى القصور الشديد في متابعة المنتج الأدبى العالمي بل اﻹنتاج الفكري والفلسفي شرقاً وغرباً، كما أن دور النشر الإلكترونية التي تنتج الكتاب الرقمي أقل من مستوى المسؤولية وتتلاشى معها حقوق المؤلف تماماً. وداخل هذه الصورة العامة هناك تخصص النقد الأدبي الذي هو أحد أجنحة اﻹبداع ما بين الكاتب والقارئ والناقد، ولا يمكن تجاهل مشكلة المتابعة النقدية للمنتج الزائد في الرواية وغيرها، بل ولا يتم ملاحقة الجديد في النظريات النقدية شرقاً أو غرباً، ما أنتج قصوراً في مجال الترجمة للجوانب الفكرية الفلسفية النقدية بالعموم.
- موت الناقد
ومن جانبه، قال القاص شريف عبد المجيد: «بمرور الوقت ومع تغلغل وسائط التواصل الاجتماعي ظهرت المدونات التي كانت تقترح أو تقتبس من كتب معينة ما يمنح هذه الكتب أفضلية ما ويجعلها أكثر قابلية للتداول، ثم ظهرت (غروبات) يتناقش فيها الكتاب حول كتب معينة وقيمتها الفكرية وتأثيرها عليهم، كما ظهرت نوادي الكتاب وهى تجمعات تختار كتاباً معيناً لتناقشه أحياناً في وجود مؤلفه، وأحياناً في عدم وجوده».
ولفت عبد المجيد إلى عامل يراه مهمّاً في سياق نواتج عولمة الثقافة وديمقراطية المعرفة، وهو ظهور مواقع ثقافية كبرى مثل «good reads» التي تعطي صلاحيةً للقارئ ليمنح الكاتب عدداً من النجمات، ويختار كتبه المفضلة، وهو ما يمنح النجاح لكتب ربما لم يتناولها النقد التقليدي من الأساس، ومن هنا ظهرت سلطة القارئ وعلاقته المباشرة مع الكتب والكتاب، وهناك كُتّاب لهم صفحات على «فيسبوك» يتناقشون مع قرائهم بشكل مباشر ويومي.
وخلص عبد المجيد إلى أن كل هذا جعل أصوات النقد الكلاسيكي تخفت؛ سواء في المتابعات الصحافية أو في التقييم النقدي، مشيراً إلى أنه ظهرت أخيرا على «يوتيوب» بعض الفيديوهات لناشطين يقومون بعمليات تقييم وتقديم لبعض الكتب التي أعجبتهم بشكل أسبوعي، ولها كثير من المتابعين.
- أزمة مجتمع
ويرى الناقد الدكتور مصطفى الضبع، وهو أستاذ للأدب، أن «لأزمة النقد عدةَ أوجه، أولها التعليم الذي لم يعد يرقى لمستوى العصر؛ فالمؤسسات التعليمية فقَدَت القدرة على تنمية الذائقة أو العمل وفق مناهج من شأنها إعلاء عمل العقل، ويكفي بأن نعرف أن هذه المؤسسات تعمل وفق منظومة تقوم على مفهوم خاطئ يعتمد على أن التعليم ما هو إلا حشد المعلم قدراً من المعلومات لحشرها عنوة في ذهن طالب غير مؤهَّل بالمرة لإدراك ما يكون عليه تلقيه، أقول: تلقِّيه لا فهمه ولا العناية بإدراكه في صورة عصرية تواكب اللحظة الحضارية المعيشة، فالتعليم لم يعد مجرد حشو معلومات ولا استحضارها وتلقينها لطالب يعيد استظهارها عند الحاجة (المحصورة في الامتحانات فقط). وكذلك يغيب دور المؤسسات الأكاديمية التي تنتشر في كل مدن الوطن العربي، ولكنها لا تفرز نقاداً بحجم انتشارها أو بما يجب عليها أن تقدمه لمجتمع ينتظر منها الكثير».
ويضيف: «تغيب أيضاً الصحافة القادرة على إدارة مشروع نقدي يقوم على المتابعة الدورية لما يصدر. وعلينا الإقرار بأن الأزمة ليست في رواية تصدر وتعيش يتيمة من النقد أو يغيب عنها قلم الناقد أو حضوره، الأزمة هي أننا نقف عند ظاهر القضية وليس عمقها، لأننا لا نعترف أو لا نريد الاعتراف أن طالب الجامعة الآن لا يقرأ (لاحظت مراراً أن معظم طلاب الجامعة الذين يهتمون بالقراءة هم من تخصصات علمية أكثر منها أدبية أو معنية باللغة العربية)، وأن كثيراً من أجيال أعضاء هيئة التدريس اليوم من المتخصصين في اللغة وآدابها هم نتاج مؤسسة التعبئة والتعليب، ومعيد اليوم - في الأغلب - هو حامل جينات تعليم التلقين. ولا أدري ولا أعرف كيف لأستاذ يتفاخر بأنه ناقد، وهو لم يقرأ رواية واحدة عالمية (أضعف الإيمان لم يقرأ رواية واحدة لنجيب محفوظ مثلاً). ولم يقرأ ديواناً من الشعر الحديث، ولم يفكر بالخروج من قاعة الدرس واكتشاف الواقع من حوله (آخر شاعر يعرفه أحمد شوقي). ولم يكتب مقالة نقدية واحدة (خلاف أبحاث الترقية إن كان قد أنجزها). ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إنه يقبل المشاركة في مناقشة رسالة علمية عن الرواية وهو لا يعرف روائياً واحداً، ولم يقرأ رواية واحدة من الأعمال محل الدراسة، وفي كثير من الأحيان لا يكلف نفسه قراءة الرسالة التي يشارك في مناقشتها (يحدث كثيرا أن تشعر في المناقشة أن معرفة الباحث أوسع من معرفة المناقِش وهو ما يعد كارثة بكل المقاييس)».
ويلفت الضبع إلى أن الكثيرين يعتقدون أن القضية تنعكس على الإبداع فحسب، وإنما هناك ما هو أهم، فقد يستطيع الإبداع أن يعيش دون نقدٍ، وكم من كاتب متحقق لم يشغل نفسه بالنقد، بل هناك كتاب لا يتقبلون فكرة النقد من الأساس، والأهم من وجهة نظري أن غياب النقد تسبب غياب الوعي النقدي المتمثل في توسيع مفهوم النقد لينسحب على كل مناحي الحياة. وعلى الرغم من تفاقم الأزمة، يرى الضبع أن «الحلول ليست مستحيلة، وإنما ممكنة عبر هي منظومة تتوزع فيها الأدوار، ويكون على كل ضلع فيها القيام بدوره للخروج من الأزمة. فعلى الأدباء ألا يقفوا مكتوفي الأيدي أو أن يسعى البعض لحل المشكلة بصورة فردية، بأن يسعى لاستكتاب أكبر عدد من النقاد، ويعتقد أن المشكلة قد حُلّت، وإنما على البعض التخلي عن نرجسيته، وذلك باقتراح حلول وتقديم أفكار لتطوير المنظومة.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.