كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

يرون أن الإبداع متقدم بمسافة كبيرة

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي
TT

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي

تتعدد أسباب أزمة النقد الأدبي في مصر، وتأخذ أبعاداً مختلفة؛ فبينما يراها كتّاب ومثقفون أزمة العقل العربي الذي تربَّى على النقل والحفظ، يرصدها آخرون في سياق شكوى الأدباء من غياب المتابعة النقدية، واقتصارها على الشللية، وضعف المستوى النقدي، واكتفاء الأدباء بالشكوى، لافتين إلى أن حل الأزمة يتطلب منظومةً تتوزع فيها الأدوار بين أضلاع مثلث يمثِّلُه المبدع والناقد والمؤسسات الثقافية المعنية، وأنه يجب على كل ضلع القيام بدوره بصدق وموضوعية.
«ثقافة» استطلعت آراء عدد من النقاد والكتاب في محاولة لاستشراف طبيعة الأزمة وأثرها على المبدع والحياة الثقافية بشكل عام.
في البداية، قال الروائي صبحي موسى: «يعاني النقد بشكل أساسي من عدة مشكلات، أبرزها عدم القدرة على تقديم إسهام حقيقي في النظرية النقدية على الصعيد العالمي؛ فليس لدينا ناقد واحد له آراء وأطروحات يمكن القول إنها معروفة عالمية، أو أن ثمة مَن يتحدث عنها في جامعات أوروبا أو أميركا أو غيرها، وهو ما يكشف بدرجة أساسية عن أننا مجتمع استهلاكي يقتات على ما يُنتِجه الآخرون، وحين ننزل إلى المستوى المحلي نجد أن النقد في جانبه النظري يعاني من مأساة التلفيق بين ما تقوله النظريات العالمية؛ سواء البنيوية أو الشكلانية أو غيرها، وما قاله البلاغيون والنحويون العرب قديماً، كالجرجاني وابن طباطبا وابن سيدة وغيرهم، وكثيراً ما نجد إجباراً لأفكار النظريات الجديدة كي تتواءم مع أفكار القدامى، أو مُبالَغة في طرح فكر القدامى بما يتناسب مع النظريات الحديثة، وهو ما يعكس أزمة الفكر العربي الذي يسعى للتوفيق بين ما ينتجه الغرب من تكنولوجيا حديثه، وما نردده من كلمات ونظريات (السلف الصالح)».
وأضاف صاحب رواية «الموريسكي الأخير»، قائلاً: «على الجانب التطبيقي، لا يختلف الأمر كثيراً؛ فغالبية النقاد هم مدرِّسون مجتهِدون، إن لم يكونوا موظفين بدرجة مدرسين في الجامعة، وهذا يجعلهم يميلون لتقديم تطبيقاتهم على ما تناولوه عن أساتذتهم، بمعنى أنهم ينحون لدراسة الأدب القديم لترديد ما سمعوه عن أساتذتهم من قبل، أما الأدب الحديث فنسبة من يتعاملون معه لا تزيد على 10 في المائة، وهؤلاء في غالبيتهم غير منتمين روحياً إلى الأدب الحديث؛ فحين يتحدث أي منهم عن قصيدة النثر فإنه يتحدث من منطق الشعر القديم، وحين يتحدث عن الرواية فإنه يحكي الحكاية، ويزداد الأمر سوءاً حين يتحدثون عن القصيدة الرديئة بالأدوات والعبارات التي يتحدثون بها عن القصيدة الجيدة، ومن هنا فالنقد التطبيقي يساوى لدى أصحابه أكبر شاعر مع أصغر شاعر، كما لو أنهم مجرد ماكينات لفرم الورق».
وحول علاقة الأزمة بغياب العقل المفكر، يرى موسى أن «أزمة النقد هي أزمة العقل العربي الذي تربى على النقل والحفظ، ومن ثم فإنه غير قادر على الإبداع ولا طرح أفكار تتمتع بالجرأة، فضلاً أن جانباً كبيراً من المختصين به لم يصبحوا نقاداً لأنهم يحبون الرواية أو الشعر، ولكن لأن مكتب التنسيق قذف بهم إلى كليات وأقسام اللغة العربية، وبقليل من المثابرة والحفظ أنهوا دراساتهم الجامعية، ثم حصلوا على الماجستير في موضوعات طرحها المشرفون عليهم، والأمر ذاته في الدكتوراه، وهكذا أصبحوا نقاداً أصحاب إضافات في النظرية النقدية، ولا يدل على حجم الأزمة إلا كمّ الأعداد الحاصلة على درجة الدكتوراه في الأدب، ولا تندهش حين تتعامل مع بعضهم وتجد فكره وآراءه شديد التخلف».
وتابع موسي: «الجانب الآخر من الأزمة أن الإبداع متقدِّم على النقد منذ سنوات طويلة، سواء في عدد ما يُنتَج من أعمال إبداعية، أو فيما يُطرَح من أفكار ورؤى ومدارس، ومن ثم فالكُتّاب هم الذين يقومون بالتنظير للمدارس والتيارات التي ينتمون إليها، وأغلب المتابعات النقدية يقوم بها المبدعون أنفسهم في الصحف والمجلات والمواقع، وكثيراً ما نظلم النقاد حين نطالبهم بالمتابعة اليومية لكل ما يُنتَج، لأن غالبيتهم غارقون في عمل بيروقراطي بالجامعة، مثلهم مثل أي موظف، مما يجعل النقد بمثابة الدرجة الثانية وليس الأولى».
أزمة نقد أم نقد الأزمة؟
من جهة أخرى، يرى القاصّ الروائي السيد نجم أن واقع الحياة والمناخ الأدبي والثقافي كما الأواني المستطرقة، متواصلة ويؤثر بعضها على بعض، سواء وافقنا أم لم نوافق أو لنقل: انتبهنا أم لم ننتبه.
ويضيف: «ملامح الحياة الثقافية الآن تتمثل في مظاهر لافتة، مثل الرواية الأكثر مبيعاً، وإعادة طباعة كتاب ما للمرة الخمسين مثلاً! وظهور واحتفاء لكاتب ما، وتوهج غير تقليدي ثم الخفوت الغامض! دوماً هناك اعتراض على نتائج ترشيحات جوائز الدولة السنوية (غالباً)، وهناك أيضاً ضعف مستوى المادة الثقافية إن وجدت في القنوات التلفزيونية العامة والخاصة». ولفت نجم إلى القصور الشديد في متابعة المنتج الأدبى العالمي بل اﻹنتاج الفكري والفلسفي شرقاً وغرباً، كما أن دور النشر الإلكترونية التي تنتج الكتاب الرقمي أقل من مستوى المسؤولية وتتلاشى معها حقوق المؤلف تماماً. وداخل هذه الصورة العامة هناك تخصص النقد الأدبي الذي هو أحد أجنحة اﻹبداع ما بين الكاتب والقارئ والناقد، ولا يمكن تجاهل مشكلة المتابعة النقدية للمنتج الزائد في الرواية وغيرها، بل ولا يتم ملاحقة الجديد في النظريات النقدية شرقاً أو غرباً، ما أنتج قصوراً في مجال الترجمة للجوانب الفكرية الفلسفية النقدية بالعموم.
- موت الناقد
ومن جانبه، قال القاص شريف عبد المجيد: «بمرور الوقت ومع تغلغل وسائط التواصل الاجتماعي ظهرت المدونات التي كانت تقترح أو تقتبس من كتب معينة ما يمنح هذه الكتب أفضلية ما ويجعلها أكثر قابلية للتداول، ثم ظهرت (غروبات) يتناقش فيها الكتاب حول كتب معينة وقيمتها الفكرية وتأثيرها عليهم، كما ظهرت نوادي الكتاب وهى تجمعات تختار كتاباً معيناً لتناقشه أحياناً في وجود مؤلفه، وأحياناً في عدم وجوده».
ولفت عبد المجيد إلى عامل يراه مهمّاً في سياق نواتج عولمة الثقافة وديمقراطية المعرفة، وهو ظهور مواقع ثقافية كبرى مثل «good reads» التي تعطي صلاحيةً للقارئ ليمنح الكاتب عدداً من النجمات، ويختار كتبه المفضلة، وهو ما يمنح النجاح لكتب ربما لم يتناولها النقد التقليدي من الأساس، ومن هنا ظهرت سلطة القارئ وعلاقته المباشرة مع الكتب والكتاب، وهناك كُتّاب لهم صفحات على «فيسبوك» يتناقشون مع قرائهم بشكل مباشر ويومي.
وخلص عبد المجيد إلى أن كل هذا جعل أصوات النقد الكلاسيكي تخفت؛ سواء في المتابعات الصحافية أو في التقييم النقدي، مشيراً إلى أنه ظهرت أخيرا على «يوتيوب» بعض الفيديوهات لناشطين يقومون بعمليات تقييم وتقديم لبعض الكتب التي أعجبتهم بشكل أسبوعي، ولها كثير من المتابعين.
- أزمة مجتمع
ويرى الناقد الدكتور مصطفى الضبع، وهو أستاذ للأدب، أن «لأزمة النقد عدةَ أوجه، أولها التعليم الذي لم يعد يرقى لمستوى العصر؛ فالمؤسسات التعليمية فقَدَت القدرة على تنمية الذائقة أو العمل وفق مناهج من شأنها إعلاء عمل العقل، ويكفي بأن نعرف أن هذه المؤسسات تعمل وفق منظومة تقوم على مفهوم خاطئ يعتمد على أن التعليم ما هو إلا حشد المعلم قدراً من المعلومات لحشرها عنوة في ذهن طالب غير مؤهَّل بالمرة لإدراك ما يكون عليه تلقيه، أقول: تلقِّيه لا فهمه ولا العناية بإدراكه في صورة عصرية تواكب اللحظة الحضارية المعيشة، فالتعليم لم يعد مجرد حشو معلومات ولا استحضارها وتلقينها لطالب يعيد استظهارها عند الحاجة (المحصورة في الامتحانات فقط). وكذلك يغيب دور المؤسسات الأكاديمية التي تنتشر في كل مدن الوطن العربي، ولكنها لا تفرز نقاداً بحجم انتشارها أو بما يجب عليها أن تقدمه لمجتمع ينتظر منها الكثير».
ويضيف: «تغيب أيضاً الصحافة القادرة على إدارة مشروع نقدي يقوم على المتابعة الدورية لما يصدر. وعلينا الإقرار بأن الأزمة ليست في رواية تصدر وتعيش يتيمة من النقد أو يغيب عنها قلم الناقد أو حضوره، الأزمة هي أننا نقف عند ظاهر القضية وليس عمقها، لأننا لا نعترف أو لا نريد الاعتراف أن طالب الجامعة الآن لا يقرأ (لاحظت مراراً أن معظم طلاب الجامعة الذين يهتمون بالقراءة هم من تخصصات علمية أكثر منها أدبية أو معنية باللغة العربية)، وأن كثيراً من أجيال أعضاء هيئة التدريس اليوم من المتخصصين في اللغة وآدابها هم نتاج مؤسسة التعبئة والتعليب، ومعيد اليوم - في الأغلب - هو حامل جينات تعليم التلقين. ولا أدري ولا أعرف كيف لأستاذ يتفاخر بأنه ناقد، وهو لم يقرأ رواية واحدة عالمية (أضعف الإيمان لم يقرأ رواية واحدة لنجيب محفوظ مثلاً). ولم يقرأ ديواناً من الشعر الحديث، ولم يفكر بالخروج من قاعة الدرس واكتشاف الواقع من حوله (آخر شاعر يعرفه أحمد شوقي). ولم يكتب مقالة نقدية واحدة (خلاف أبحاث الترقية إن كان قد أنجزها). ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إنه يقبل المشاركة في مناقشة رسالة علمية عن الرواية وهو لا يعرف روائياً واحداً، ولم يقرأ رواية واحدة من الأعمال محل الدراسة، وفي كثير من الأحيان لا يكلف نفسه قراءة الرسالة التي يشارك في مناقشتها (يحدث كثيرا أن تشعر في المناقشة أن معرفة الباحث أوسع من معرفة المناقِش وهو ما يعد كارثة بكل المقاييس)».
ويلفت الضبع إلى أن الكثيرين يعتقدون أن القضية تنعكس على الإبداع فحسب، وإنما هناك ما هو أهم، فقد يستطيع الإبداع أن يعيش دون نقدٍ، وكم من كاتب متحقق لم يشغل نفسه بالنقد، بل هناك كتاب لا يتقبلون فكرة النقد من الأساس، والأهم من وجهة نظري أن غياب النقد تسبب غياب الوعي النقدي المتمثل في توسيع مفهوم النقد لينسحب على كل مناحي الحياة. وعلى الرغم من تفاقم الأزمة، يرى الضبع أن «الحلول ليست مستحيلة، وإنما ممكنة عبر هي منظومة تتوزع فيها الأدوار، ويكون على كل ضلع فيها القيام بدوره للخروج من الأزمة. فعلى الأدباء ألا يقفوا مكتوفي الأيدي أو أن يسعى البعض لحل المشكلة بصورة فردية، بأن يسعى لاستكتاب أكبر عدد من النقاد، ويعتقد أن المشكلة قد حُلّت، وإنما على البعض التخلي عن نرجسيته، وذلك باقتراح حلول وتقديم أفكار لتطوير المنظومة.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».