اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

تقدر أعدادهم بنحو 200 ألف... ويفضلون وصف «عالقين» بدلاً من «لاجئين»

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
TT

اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})

تتفاوت ظروفهم المعيشية داخل أروقة المدن المصرية الكبرى، ما بين «نازحين» هاربين من جحيم الحرب في بلادهم، و«عالقين» جاءوا للعلاج ولم يتمكنوا من العودة، ورجال أعمال لديهم استثمارات في مجالات كثيرة، وآخرين جاءوا قبل سنوات بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، يعيش اليمنيون في مصر والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو الخوف من كابوس الحرب الذي تتصاعد حدته يوماً بعد يوم.
ورغم ما تتعرض له المدن اليمنية من صراعات دموية، فإن حلم العودة يمثل لليمنيين المقيمين في مصر «وصفة وطنية»، يتشاركون فيها جميعاً، ويستمدون منها العون لمواجهة ظروف معيشية صعبة خارج وطنهم الأصلي. «الشرق الأوسط» رصدت أوضاع اليمنيين في مصر، والتقت بعدد كبير منهم، وألقت الضوء على بعض جوانب حياتهم اليومية داخل أحياء القاهرة والجيزة، بالإضافة إلى أنشطتهم الاقتصادية والتجارية.
ينتشر اليمنيون في كثير من المحافظات المصرية، أبرزها العاصمة القاهرة، ومدينة الإسكندرية (200 كيلومتر شمال القاهرة)، وأسيوط (جنوب القاهرة)، ومدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية (وسط دلتا مصر)، لكن العدد الأكبر منهم يتركز في القاهرة.
ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية مصرية عن أعداد اليمنيين في مصر، فإن قيادات بالجالية اليمنية تقدر بأنهم يتراوحون بين 180 و200 ألف يمني.
ويواجه اليمنيون في مصر مشكلات، أهمها ضرورة الحصول على تأشيرة للدخول، وتحديد مدة الإقامة، بعد أن ظلوا نحو 60 عاماً يُسمح لهم بالدخول من دون تأشيرة، لكن مصر واليمن أقرتا نظاماً جديداً للدخول. فحسب الاتفاقية الموقعة في مارس (آذار) 2015، أصبح لزاماً عليهم الحصول على تأشيرة للدخول من السفارات المصرية في أي من العواصم العربية أو الأوروبية، أو عند الوصول إلى مصر، بالإضافة إلى طلب إقامة يتم تجديده كل 6 أشهر.
وأسفرت النقاشات بين الجانبين المصري واليمني عن تقديم بعض التسهيلات الخاصة التي أضيفت إلى الاتفاق، منها إعفاء كل من تجاوز عمره 60 عاماً، أو من كان عمره دون 16 عاماً، من رسوم الإقامة وغرامات تأخر التجديد، وإعفاء حاملي الجوازات «الدبلوماسية - الخاصة - المهمة» من شرط التأشيرة المسبقة، على أن تنطبق عليهم قواعد الإقامة نفسها التي تطبق على حاملي جوازات السفر العادية، مع منح المواطنين اليمنيين ميزة عن سائر الجنسيات الأخرى بإقامة أول 6 أشهر من دون رسوم، ومنح المتزوجين بمواطنات مصريات، ومن لديهم أبناء يحملون الجنسية المصرية، إقامة سنوية متجددة.
كما يمنح اليمنيون الذين يمتلكون شققاً سكنية تزيد قيمتها عن 50 ألف دولار، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، ويمنح الدارسون بالمدارس والجامعات والمعاهد المصرية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة حتى الانتهاء من الدراسة، ويمنح أيضاً من لديهم أعمال وسجلات تجارية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، وكذلك المستثمرون عبر الهيئة العامة للاستثمار، يمنحون وأقاربهم من الدرجة الأولى إقامة لمدة 5 سنوات متجددة.

تحويلات الأقارب
تشكل خريطة توزيع اليمنيين في القاهرة مدخلاً هاماً لفهم مشكلات جالية لها خصوصيتها الثقافية، ويرفض أبناؤها وصفهم بأنهم «لاجئون»، مفضلين تعبير «نازحين أو عالقين»، فالتوزيع الجغرافي يبرز في جانب منه تفاوتاً واضحاً ليس في المستوى المعيشي فحسب، وإنما في مستوى وقسوة المعاناة.
وفي جانب آخر، يبرز استمرار تدهور الأوضاع يوماً بعد يوم كلما طالت الحرب، فالذين انتقلوا فور وصولهم للسكن في الأحياء المصرية الراقية، مثل «المهندسين» و«الزمالك» و«مصر الجديدة»، اضطروا بفعل طول الأزمة ونفاد مدخراتهم إلى الانتقال لأحياء شعبية تكون كلفة الإيجار فيها أقل. أما الذين جاءوا مباشرة إلى الأحياء الشعبية، فاضطروا أيضاً للبحث عن مسكن مساحته أصغر وأقل كلفة في الأحياء نفسها، فيما عجز كثيرون عن سداد إيجار مسكنهم، وفقاً ليمنيين يعيشون في مصر منذ سنوات.
يقول فهد العريقي، رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد إحصائيات رسمية بعدد اليمنيين في مصر، لكن بحسب الإحصائيات التقريبية التي أجريناها، يصل العدد إلى ما بين 180 و200 ألف حتى نهاية 2017، بعد أن كان لا يتجاوز عددهم 100 ألف في عام 2016، والسبب في هذه الزيادة أن أعداداً كبيرة وصلت مصر من الأردن والسودان».
ويضيف: «عند بداية النزوح، عاش كثير من اليمنيين في الأحياء الراقية، كالمهندسين ومصر الجديدة والزمالك والعجوزة، لكن مع طول الأزمة وفقدان مدخراتهم اتجه معظمهم إلى الأحياء الشعبية، مثل فيصل والهرم. وفي بداية الأزمة، كانت الجمعيات الخيرية تقوم بدور كبير في مساعدة النازحين الفقراء، سواء الراغبين في العلاج أو المساعدة في تدبر النفقات الأساسية للمعيشة، لكن هذا الدور تقلص إلى حد كبير لأن العدد فاق إمكانيات الجمعيات، كما أن مساعدات رجال الأعمال اليمنيين تراجعت لأنهم فقدوا جزءاً كبيراً من مصدر دخلهم بسبب الحرب».
وتعتمد النسبة الأكبر من اليمنيين في مصر على المساعدات، ومساعدات أقاربهم وعائلاتهم في الخارج، بينما يمتلك عدد منهم مشروعات تجارية، معظمها متوسطة مثل المطاعم اليمنية والمحال التجارية، وتشكل تحويلات الأقارب من الخارج المصدر الرئيسي لمعظم الذين نفدت مدخراتهم، وهي تحويلات صغيرة تساعدهم على تسديد نفقات معيشتهم الأساسية.
ويتابع رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية قائلاً: «نحو 20 في المائة لديهم مشروعات تجارية، و80 في المائة يعيشون على مدخراتهم، والمصدر الأساسي لهذه الأسر هو المساعدات التي يتلقونها من أقاربهم وعائلاتهم من الخارج. ومع ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، يغطي مبلغ بسيط بالدولار النفقات الأساسية»، ولفت قائلاً: «رغم قسوة الحياة، فإن جميع اليمنيين لديهم حلم العودة إلى وطنهم، ولو انتهت الحرب سيعود جميع اليمنيين خلال شهر واحد».

مدارس يمنية
يشكل الطلاب نسبة كبيرة من الجالية اليمنية في مصر، وهم ينقسمون إلى شرائح مختلفة، فطلاب التعليم الجامعي يتوزعون ما بين طلاب منح التبادل الثقافي بين مصر واليمن، وهم الطلاب المبعوثون رسمياً من قبل الحكومة اليمنية، وطلاب المنح الخاصة التي تمولها جمعيات خيرية يمنية أسستها عائلات كبرى، بينما يدرس العدد الأكبر من الطلاب في جامعات خاصة على نفقتهم بنسبة تتراوح بين 60 إلى 70 في المائة، بحسب مسؤولين في الجالية.
ويرتاد الطلاب في مرحلة التعليم قبل الجامعي مدارس خاصة، بعدما قام رجال أعمال يمنيون بتبني مشروع لإنشاء مدارس يمنية خاصة في مصر، بدأ بمدرستين في القاهرة.
وتتركز معاناة طلاب التعليم الجامعي في عدم قدرتهم على سداد المصروفات الدراسية، خصوصاً مع تكرار تأخر المخصصات التي ترسلها الحكومة اليمنية للطلاب المبعوثين، وهو ما دفع الطلاب المبعوثين إلى الاعتصام داخل مقر السفارة في القاهرة عدة مرات خلال عام 2017، للمطالبة بصرف قيمة منحهم المتأخرة، وقامت الحكومة المصرية بإعفاء كثير من الطلاب أصحاب الحالات الخاصة من سداد الرسوم الدراسية، واستقبل الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، في أغسطس (آب) الماضي، عبد الملك المخلفاوي وزير الخارجية اليمني، حيث اتفقا خلال اللقاء على بحث المزيد من الإعفاءات للطلاب غير القادرين على سداد الرسوم الدراسية.
ومن جهته، يقول صهيب محمود، طالب في إحدى الجامعات المصرية الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر قبل 3 سنوات، وأدرس في إحدى الجامعات الخاصة، وأسرتي تعيش منذ سنوات في إحدى الدول العربية، ويقومون بإرسال مبلغ شهري يكفي رسوم الدراسة ومصروفاتي، من سكن وطعام ومصروفات شخصية، وأنا أفضل حالاً من طلاب كثيرين يعانون مشكلات مادية بسبب عدم قدرتهم على سداد الرسوم الدراسية، لذلك أستضيف اثنين من زملائي اليمنيين في شقتي بمنطقة الدقي، لأن تحويلات أسرهم تتأخر كثيراً»، وأوضح أنه «يوجد كثير من الطلاب يعانون من عدم قدرتهم على تدبير نفقاتهم الأساسية».

البحث عن حياة أفضل
في السياق نفسه، يعيش كثير من اليمنيين في مصر منذ سنوات طويلة، بعضهم رجال أعمال أنشأوا مشروعات في مجالات كثيرة، بينها المطاعم اليمنية التي لاقت رواجاً واسعاً بين المصريين.
ويقول رجل الأعمال نبيل سهيل، الذي يمتلك سلسلة مطاعم يمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر عام 2005، وأنشأت مطعماً يمنياً تطور إلى سلسلة مطاعم حققت نجاحاً كبيراً، فالتقارب الثقافي بين مصر واليمن ينعكس على الطعام، فأساتذتنا في المدارس والجامعات اليمنية كانوا مصريين، كما أن الجالية المصرية في اليمن كانت كبيرة العدد».
ويضيف: «معظم اليمنيين يتفهمون فرض مصر تأشيرة دخول، بعد أن كنا ندخل دون تأشيرة، وندرك أنها احتياطات أمنية بسبب الميليشيات، فلا توجد سلطة حكومية حقيقية في العاصمة اليمنية صنعاء حالياً، وهناك تلاعب كبير في إصدار الأوراق الثبوتية، لذلك نتفهم موقف مصر، ويوجد وعود بأن يعود نظام الدخول من دون تأشيرة فور استقرار الأمور».
وأوضح سهيل قائلاً: «أبرز المشكلات التي تواجه اليمنيين في مصر هي صعوبة اندماجهم في سوق العمل، لأن أغلبهم غير مؤهل علمياً أو مهنياً، ونحن كرجال أعمال نشارك في كثير من المبادرات لمساعدة غير القادرين، فجميع اليمنيين، مهما اختلفت ظروفهم، لديهم حلم بالعودة إلى وطنهم، فنحن شعب لديه ارتباط كبير بالأرض، وأكاد أجزم أنه بمجرد استقرار الأوضاع، سيعود معظم اليمنيين خلال شهر واحد».
إلى ذلك، لم يقتصر النجاح الذي حققه كثير من اليمنيين في مصر على رجال الأعمال، فالكثيرون حضروا إلى مصر منذ سنوات بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل لأسرهم، وحققوا نجاحاً كبيراً في مهن مختلفة.
من جهته، يروي سعيد محمد (51 سنة)، يعمل طباخاً في أحد المطاعم اليمنية الشهيرة بحي المهندسين، لـ«الشرق الأوسط» قصة استقراره في مصر، قائلاً: «حضرت إلى مصر عام 2010 بحثاً عن حياة أفضل، وكنت أعمل طباخاً في اليمن. وفور وصولي إلى مصر، عملت في أحد المطاعم اليمنية، وكنت أسافر إلى أسرتي باليمن كلما استطعت. لكن بعد الحرب، قمت بإحضار أسرتي، واستقروا معي في مصر قبل نحو عام».
ويضيف: «مصر بلد جميل، وعلاقتي بالمصريين، سواء زملائي في العمل أو جيراني، جيدة جداً، وقد لاقيت كثيراً من الدعم والمساندة من أصدقاء مصريين عند وصولي»، ولفت إلى أنه «يعد الأكلات اليمنية الشهيرة لبعض جيرانه من المصريين الذين يدعونه أيضاً لتناول الأطعمة المصرية».

حلم العودة
مقاهي حي الدقي بالجيزة تحول عدد منها إلى ملتقى لليمنيين، وفرصة لتبادل الأخبار واستعادة الذكريات، وهي تشكل بطبيعتها تجمعاً يكاد يغطي فئات وأعمار الجالية اليمنية كافة، من طلاب وباحثين عن العلاج وعمال في مطاعم وتجار ونازحون دون عمل، وكأنها خريطة إنسانية لأوضاع اليمنيين في مصر.
بدوره، يقول بليغ المخلافي، المستشار الإعلامي لسفارة اليمن في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أن كثيراً من اليمنيين في مصر حققوا نجاحات كبيرة في أنشطة اقتصادية مختلفة، مثل المطاعم اليمنية والعقارات والسياحة والنقل، فإن حلم العودة إلى الوطن يسكن وجدان الجميع على اختلاف معاناتهم».
سهيل عبد الله، 35 سنة، أحد رواد مقاهي الدقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن قصة تلقيه العلاج في مصر، قائلاً: «أصبت العام الماضي بقذيفة في مدينة تعز أدت إلى بتر ساقي اليسرى، وحضرت للعلاج في مصر بصحبة شقيقي، ومن وقتها وأنا عالق لا أستطيع العودة، وقد وجد شقيقي عملاً في أحد المطاعم اليمنية بالمنطقة كي نتمكن من دفع الإيجار وتكاليف المعيشة، ورغم كوابيس الحرب التي توقظني من نومي فزعاً، فإنني أحلم بالعودة إلى بلدي».
ووفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن الحرب اليمنية قد خلفت منذ بدايتها عام 2015 أكثر من 3 ملايين نازح، بينهم أكثر من مليون فروا إلى دول الجوار. وذكر التقرير أن الحرب خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل، إضافة إلى أكثر من 40 ألف جريح.
وقام عدد من الأطباء اليمنيين في مصر بتأسيس لجنة طبية لخدمة المرضى اليمنيين، وتقوم اللجنة بمساعدة اليمنيين مجاناً من خلال عيادات مختلفة لأطباء يمنيين ومصريين، كما تقوم اللجنة بالتنسيق مع بعض المستشفيات ومراكز الأشعة والتحاليل التي تقدم تخفيضات كبيرة للعالقين اليمنيين.
ومن جانبه، يقول الدكتور السيد علي رضوان، الباحث المتخصص في دراسات الشأن اليمني والخليجي، لـ«الشرق الأوسط»: «مصر بالنسبة لليمنيين هي الوطن الثاني، وليست مجرد بلد للنزوح، خصوصاً أن معظم اليمنيين تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات اليمنية على يد أساتذة مصريين، فاليمنيون يعشقون مصر».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.