ممر النقل الدولي {شمال ـ جنوب} يغيّر خريطة التجارة في آسيا

يتيح للهند وصولاً أفضل إلى قلب أوراسيا

ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
TT

ممر النقل الدولي {شمال ـ جنوب} يغيّر خريطة التجارة في آسيا

ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب

في سابقة هي الأولى من نوعها في مجال التجارة العابرة للقارات، تبدأ الهند في تصدير حاويات البضائع إلى روسيا مروراً بإيران وأذربيجان اعتباراً من الشهر الحالي.
والانطلاقة الرسمية للممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب International North - South Transportation Corridor (INSTC)، الذي طال انتظاره، والذي يربط العاصمة التجارية الهندية مومباي بإقليم أوراسيا مترامي الأطراف، سوف تبدأ في 16 يناير (كانون الثاني) الحالي بهدف تخفيض تكاليف النقل إلى النصف. ومن شأن النقل المنتظم للسلع والبضائع أن يبدأ في غضون بضعة أشهر من ذلك التاريخ.

ماهية المشروع الجديد
تتألف الشبكة متعددة الطرق، التي تبلغ 7200 كيلومتر، من السفن، والسكك الحديدية، والطرق البرية، وتهدف إلى نقل البضائع، والمرور عبر أراضي الهند، وإيران، وأفغانستان، وأرمينيا، وأذربيجان، وروسيا، وآسيا الوسطى، ثم أوروبا الشرقية.
والمشروع الجديد يأتي في وقت تصارع فيه الصين الزمن لإتمام مشروعها التنموي لإحياء «طريق الحرير»، وبينما تهدف الاستراتيجية الصينية إلى ربط 60 دولة عبر قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ بغية تعزيز التجارة والصلات الاقتصادية على طول طريق الحرير البحرية التقليدية... فمن شأن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب في آسيا أن يربط المحيط الهندي والخليج العربي مع بحر قزوين مروراً بإيران، ثم التوجه إلى سان بطرسبرغ الروسية إلى شمال أوروبا عبر الشبكة متعددة الطرق البحرية، والبرية، والسكك الحديدية لنقل البضائع.
وتهدف الخطة إلى نقل السلع والبضائع من ميناءي «جواهر لال نهرو» و«كاندلا» على الساحل الغربي الهندي إلى ميناء «بندر عباس» الإيراني عن طريق البحر. وانطلاقاً من ميناء «بندر عباس» تنتقل السلع والبضائع إلى ميناء «بندر أنزلي» الإيراني على بحر قزوين بطريق البر ثم تتجه من هناك إلى ميناء «استراخان» الروسي المطل على بحر قزوين بطريق البحر. ثم يتم نقل السلع والبضائع بعد ذلك إلى داخل الاتحاد الروسي وأوروبا عن طريق شبكة السكك الحديدية الروسية.
ووفقاً لتصريحات المسؤولين الحكوميين الهنود، فإن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من شأنه المساهمة في تخفيض توقيت وتكاليف النقل والتسليم بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة.
وقال المفوض الجمركي الهندي إس. كومار: «لقد أجرينا ثلاث عمليات تشغيل تجريبية حتى الآن لاختبار فاعلية وجدوى الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب. وأظهرت التجربتان المنفذتان في عام 2014 أن الطريق الجديدة أرخص فعلياً بواقع 30 في المائة وأقل في التوقيت بواقع 40 في المائة من الأسلوب الراهن للنقل بطريق البحر فقط. ومن شأن الممر الجديد أن يقلل من الوقت المستهلك في نقل البضائع إلى النصف بواقع 18 يوماً تقريباً؛ وذلك باستخدام الطريق البحرية فحسب. وسوف يعبر الممر خلال إيران وأذربيجان، ثم يصل إلى روسيا في غضون 22 يوماً بدلاً من 40 يوماً التي يستغرقها حالياً».
وقال أحد المسؤولين الحكوميين الهنود، مطالباً عدم الكشف عن هويته، إن بلاده تعتمد حالياً على الطريق البحرية عبر روتردام إلى سان بطرسبرغ. وللوصول إلى آسيا الوسطى لا بد من توجيه السلع والبضائع عبر الصين، وأوروبا أو إيران. لكن الطرق المارة بالصين أو بأوروبا طويلة، ومكلفة، وتستهلك وقتاً طويلاً؛ مما يدعونا إلى ضرورة العثور على طريق أقصر نسبياً، وأرخص من حيث التكلفة، وأكثر أماناً.
وأضاف المسؤول الهندي يقول: «من شأن الممر الجديد أن يساعد الهند على تجاوز باكستان للوصول إلى آسيا الوسطى ثم روسيا، وربما الحصول على ميزة تنافسية؛ نظراً لانخفاض التكاليف والفترة الزمنية القصيرة».
ويعود تصور الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب إلى عام 1993، ومع ذلك، لم توقع كل من روسيا وإيران والهند على اتفاقية تنظيم شحنات البضائع عبر الممر الجديد إلا في عام 2000، ولقد تم التصديق على الاتفاقية من قبل جميع الأطراف في عام 2002، وانضمت أذربيجان إلى الاتفاقية اعتباراً من عام 2005. ومنذ ذلك الحين، انضمت 10 دول أخرى إلى المشروع، وهي: أرمينيا، وروسيا البيضاء، وبلغاريا (في وضعية المراقب)، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وسلطنة عمان، وسوريا، وطاجيكستان، وتركيا، وأوكرانيا.
ولقد ألقت أذربيجان بثقلها في المشروع الجديد؛ إذ تعمل في الوقت الراهن على تشييد خطوط السكك الحديدية والطرق البرية الجديدة لاستكمال الروابط اللازمة في الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب. ولا تعتبر دولة تركمانستان من الأعضاء الرسميين في الاتفاقية، لكن من المرجح أن توفر الربط البري إلى شبكة الممر. ولقد وجّه رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، خلال زيارته الرسمية إلى تركمانستان، الدعوة الرسمية للحكومة هناك لأن تصبح عضواً رسمياً في الاتفاقية.
ولقد تم تشغيل خط السكك الحديدية الرابط بين كازاخستان وتركمانستان وإيران بطول يبلغ 677 كيلومتراً اعتباراً من عام 2014 بتكلفة بلغت 620 مليون دولار، وهو من الطرق المستخدمة في الممر الجديد. والممر الجديد هو الممر الهندي الثاني بعد ميناء جابهار. وفي الآونة الأخيرة، صدّرت الهند أطناناً من القمح إلى أفغانستان باستخدام الممر الاقتصادي الثلاثي بين الهند وإيران وأفغانستان عبر ميناء جابهار الإيراني بعد تدشينه وافتتاحه للعمل.

تعزيز التجارة من خلال المشروع الجديد
إن إمكانات هذا المشروع متعددة الجوانب. بمجرد التشغيل الفعلي، فإن السعة الاستيعابية لهذا الممر سوف تكون نقل ما بين 20 و30 مليون طن من البضائع سنوياً. الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير وجه الجغرافيا السياسية والاقتصادية لهذه المنطقة بأسرها.
ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة «سبوتنيك» الإخبارية الروسية، فإن المشروع سوف يساعد الهند وروسيا على زيادة التجارة الثنائية بين البلدين إلى مستوى 30 مليار دولار المستهدف خلال السنوات العشر المقبلة.
وفي الوقت الحاضر، فإن مستويات التجارة البينية بين البلدين منخفضة للغاية ولم تتجاوز حد 9.51 مليار دولار سنوياً فقط.
غير أن التجارب التشغيلية للممر الجديد تقول: إن التكاليف قد انخفضت بمقدار 2500 دولار أميركي لكل 15 طناً من البضائع باستخدام الممر الجديد.
وتعمل شركة «آر زي دي» الروسية للخدمات اللوجيستية على تسهيل تنفيذ هذا المشروع. ووفقاً للشركة الروسية، فإن هذا الممر سوف يكون أرخص بمقدار 30 في المائة من طريق تركمانستان - كازاخستان، وأسرع بمقدار الضعف من الطريق الحالية، والتي تمر عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. ويستغرق نقل البضائع عبر قناة السويس نحو 45 إلى 60 يوماً كاملة حتى الوصول إلى أوروبا. بيد أن الطريق الجديدة لن تتأثر بالأحوال الجوية السيئة، وسوف تتم تغطية المسافة بين ميناء «نافا شيفا» في مومباي الهندية وحتى ميناء «بندر عباس» الإيراني في غضون 8 أيام فقط.
وتشير التقديرات إلى أن الممر الجديد سوف يسهل من نقل 20 إلى 30 مليون طن من السلع والبضائع سنوياً. الأمر الذي يشكّل دفعة قوية للاقتصاد الهندي، مع توقعات بارتفاع الصادرات الهندية بشكل كبير خلال السنة التقويمية المقبلة.
ووفقاً إلى سوبهاسيس غوش، المدير التنفيذي في شركة «الخدمات البحرية العالمية»: «من شأن طريق ميناء جابهار بالإضافة إلى الممر الجديد أن يعززا كثيراً من التجارة من الهند إلى أوراسيا وصولاً إلى مستوى 170 مليار دولار (بواقع 60.6 مليار دولار من الصادرات و107.4 مليار دولار من الواردات)».
ومن شأن طريق التجارة الجديدة أن تتيح للهند وصولاً أفضل إلى قلب أوراسيا، في حين أنها تتجاوز باكستان بصورة كاملة؛ الأمر المفضل للغاية لدى الحكومة الهندية، ولا سيما مع تحرك الصين على مسار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ويُنظر في الوقت الراهن إلى الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من زاوية أنه الرد الهندي على مبادرة «الحزام والطريق» الصينية من حيث إن الممر الهندي خضع للتصور والتصميم قبل فترة وجيزة من المبادرة الصينية.

تعزيز الروابط الهندية مع آسيا الوسطى
من شأن الممر الهندي الجديد أن يعزز من التواجد الهندي في آسيا الوسطى باعتبارها لاعباً اقتصادياً رئيسياً. وكان الوصول الهندي إلى إقليم آسيا الوسطى وما وراءه يلقى الكثير من العقبات بسبب وجود باكستان المعادية والأحوال غير المستقرة في أفغانستان.
ومن شأن الشركات الخاصة التي كانت حتى الآن تتجاوز إقليم آسيا الوسطى بصفتها سوقاً تجارية واقتصادية محتملة لبضائعها أن تتطلع من جديد إلى مزيد من الاستثمارات في المنطقة.
ولقد سلطت السياسة التجارية الخارجية الهندية للفترة بين أعوام 2015 - 2020 الأضواء على أهمية الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من زاوية توسيع الروابط التجارية والاستثمارية بين الهند وآسيا الوسطى.
وعبر الممر الهندي الجديد، سوف تتجاوز الهند المرور عبر باكستان، وسوف تصل السلع والبضائع الهندية إلى أسواق آسيا الوسطى، حيث يعتبر الطلب على المنتجات الهندية جيداً إلى حد معقول.
وكما أشار كل من بيبول شاترجي وسورندار سينغ في صحيفة «ذي ديبلومات»، فإن المحفز الرئيسي للجهود الهندية لتحسين الروابط مع آسيا الوسطى يتجاوز الاعتبارات الجيو - سياسية المجردة والزيادة في شحنات السلع والبضائع. إذ إن الهند تحتل المرتبة الرابعة على العالم كأكبر مستهلك للطاقة، مع الطلب الداخلي عليها الذي يرتفع بوتيرة سريعة يوماً بعد آخر، وتعتبر آسيا الوسطى من الأقاليم التي تتوفر فيها هذه الموارد الطبيعية بكثرة.
وإجمالاً للقول، سوف يترك الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب أثراً عميقاً على المشاركة الهندية مع إقليم أوراسيا الواسع ومنطقة آسيا الوسطى على الصعيدين الجيو - اقتصادي والجيو - استراتيجي، مع التطلعات الهندية الرامية إلى تعزيز وترسيخ الروابط والعلاقات في كلا المنطقتين، على نحو ما أفاد به مارتاند جها، الباحث البارز في كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو الهندية في نيودلهي.



ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)

أعلن رئيس وزراء ماليزيا، أنور إبراهيم، الأحد، أن الحكومة رفعت حجم الدعم المالي من نحو 700 مليون رينغيت (177.7 مليون دولار) إلى 3.2 مليار رينغيت (0.81 مليار دولار) خلال أقل من أسبوع، في أعقاب الارتفاع الكبير بأسعار النفط العالمية الناجم عن الصراع في غرب آسيا.

وقال أنور إبراهيم: «إن حماية رفاهية المواطنين والتجار تبقى أولوية للحكومة في ظل حالة عدم اليقين»، مبيناً أن الدعم يتيح للماليزيين دفع أقل من أسعار السوق الكاملة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط مرتبط بتعطل مضيق هرمز، وهو من الطرق الرئيسية لنقل النفط العالمي، مشيراً إلى أن ماليزيا - رغم أنها دولة منتجة للنفط - تتأثر بالأزمة؛ لأنها تستورد كميات نفط أكبر مما تصدر.


العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
TT

العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)

تمرُّ سوق الطاقة العالمية بلحظة فارقة، حيث تشير التقارير إلى أنَّ الدول المستورِدة للغاز الطبيعي المسال ستواجه فراغاً حاداً في الإمدادات خلال الأيام الـ10 المقبلة. هذا التاريخ يمثل الموعد النهائي لوصول آخر الناقلات التي غادرت المواني الخليجية قبل اندلاع العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». ومع وصول هذه الشحنات المتبقية إلى وجهاتها، ستنقطع الصلة تماماً بقطر التي تمد العالم بنحو خُمس احتياجاته من الغاز، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد أمام خيارات صعبة ومكلفة للغاية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

فقد اضطرت قطر، التي تنتج خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، إلى وقف صادراتها بعد أن فرضت إيران حصاراً على مضيق هرمز عند مدخل الخليج، في الأيام الأولى من النزاع. ومنذ ذلك الحين، تكبَّدت قطر أضراراً جسيمة في محطة رأس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تعرَّضت لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا بشكلٍ حاد.

لكن وفقاً لتحليل أجرته شركة الوساطة البحرية المستقلة «أفينيتي»، فإن كثيراً من ناقلات الغاز الطبيعي المسال التي حمَّلت حمولتها في قطر والإمارات كانت في طريقها إلى وجهاتها قبل بدء الحرب، ما يعني أن بعض العملاء على وشك الشعور بأثر انقطاع الإمدادات.

وستضطر الدول التي تعتمد على الواردات لتشغيل اقتصاداتها إلى دفع أسعار باهظة للتنافس على إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وغيرها، أو التحوُّل إلى أنواع وقود أخرى، أو إجبار الأسر والشركات على ترشيد الاستهلاك، وفق تقرير «فاينانشال تايمز».

وقد فرضت كثير من الدول الآسيوية الفقيرة بالنفط والغاز إجراءات لتجنب النقص، مثل تطبيق نظام العمل 4 أيام في الأسبوع.

ولا تزال شحنة واحدة فقط من الغاز الطبيعي المسال من الخليج من المُقرر وصولها إلى آسيا، التي تستورد نحو 90 في المائة من إنتاج المنطقة، وفقاً لبيانات تتبع السفن. كما لا تزال 6 شحنات من الغاز الطبيعي المسال من المُقرر وصولها إلى أوروبا.

أسعار الوقود معروضة في محطة وقود بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا (رويترز)

باكستان من بين الأكثر تضرراً

تُعدُّ باكستان اليوم في واجهة الدول الأكثر تضرراً وهشاشة أمام هذه الأزمة، حيث كانت تعتمد في العام الماضي بنسبة تصل إلى 99 في المائة على واردات الغاز الطبيعي المسال المقبلة من قطر وحدها. ومع اندلاع الصراع، وصلت آخر الشحنات المقبلة من مجمع رأس لفان في اليومين الثاني والثالث من الحرب، لتبدأ بعدها مرحلة العد التنازلي القاسية؛ إذ اضطرت محطات الاستيراد في البلاد إلى خفض عملياتها إلى سُدس مستوياتها الطبيعية، وسط توقعات بتوقف ضخ الغاز تماماً بنهاية الشهر الحالي، وفقاً لمصادر مطلعة على الوضع الميداني لـ«فاينانشال تايمز».

ويزداد المشهد قتامةً مع تصريحات رئيس مجلس إدارة شركة «باكستان غاز بورت» إقبال أحمد، الذي أكد أن إحدى المحطتين الرئيسيَّتين ستنفد تماماً من الغاز المخصص للمعالجة خلال الأيام القليلة المقبلة، محذراً من حالة «جفاف» كاملة في الإمدادات دون أي رؤية واضحة لموعد وصول شحنات جديدة.

ومن المفارقات المؤلمة أن إسلام آباد كانت، قبيل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تواجه فائضاً في الإمدادات، لدرجة أنَّها طلبت من شركتَي «قطر للطاقة»، و«إيني» الإيطالية إعادة توجيه عشرات الشحنات التي كانت مجدولة للوصول هذا العام.

ومع اندلاع الحرب وانعكاس الآية من الفائض إلى العجز الحاد، حاولت شركة الغاز الباكستانية الحكومية استعادة تلك الشحنات أو التواصل مع مورِّدين وتجار في عمان وأذربيجان وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أنَّ كل تلك الجهود باءت بالفشل نتيجة الأسعار الفلكية التي عرضها المورِّدون، والتي تجاوزت قدرة الاقتصاد الباكستاني على الاحتمال. فقد تضاعفت أسعار الغاز في آسيا وفق مؤشر «بلاتس جي كي إم» لتصل إلى 23 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يضاف إليها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتأمين المسارات الطويلة البديلة، مما جعل الشراء من السوق الفورية خياراً شبه مستحيل لباكستان في ظلِّ ظروفها الراهنة.

شخص يمر أمام لافتة تعرض أسعار الوقود في سان سلفادور (إ.ب.أ)

بنغلاديش تعيش حالة مشابهة

أما بنغلاديش، فهي تعيش حالة مشابهة من الهشاشة وإن كانت بدرجة أقل حدة بقليل، نظراً لامتلاكها بعض مصادر التوريد من خارج منطقة الخليج. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها اليوم في مواجهة عجز مالي خانق يمنعها من سداد الأسعار الجنونية المطلوبة لتأمين بدائل للغاز الخليجي المفقود، خصوصاً في ظلِّ افتقارها للوقود البديل. وقد دفعت هذه الأزمة السلطات إلى اتخاذ تدابير قاسية لترشيد الاستهلاك وتقنين توزيع الغاز، وصل صداها إلى القطاع التعليمي بقرارات شملت إغلاق الجامعات لمحاولة السيطرة على العجز المتفاقم.

وفي شرق آسيا، تبرز تايوان من أكبر المتضررين بصفتها من كبار مشتري الغاز الخليجي، حيث تجد نفسها اليوم في مأزق ناتج عن استراتيجيتها السابقة بالتحول من الفحم إلى الغاز النظيف بالتزامن مع التخلص التدريجي من الطاقة النووية. ورغم تحركها السريع لتأمين 22 شحنة بديلة فور اندلاع الحرب لضمان استقرار الإمدادات حتى نهاية أبريل (نيسان)، فإنَّ القلق الحقيقي يكمن في فصل الصيف؛ حيث يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، مما يضع البلاد أمام خطر حدوث نقص حاد في الطاقة إذا استمرَّ إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.

الصين والسيادة الطاقية

تتعامل الصين مع أزمة انقطاع إمدادات الخليج من موقع القوة النسبية مقارنة بجيرانها، رغم أنها تستورد نحو 30 في المائة من حاجتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز. وتعتمد بكين في مواجهة هذا النقص على قاعدة إنتاج محلية صلبة؛ حيث نجحت في رفع وتيرة استخراج الغاز الطبيعي من حقولها الداخلية لتغطي أكثر من نصف استهلاكها الإجمالي. هذا الاكتفاء الذاتي الجزئي يمنح الحكومة الصينية هامش مناورة واسعاً، ويجنبها الاضطرار للدخول في سباق محموم على الشحنات الفورية بأسعارها الفلكية التي ترهق ميزانيات الدول النامية.

علاوة على ذلك، تستفيد الصين من شبكة أنابيب برية عملاقة تربطها بروسيا ودول آسيا الوسطى، وهي مسارات إمداد تقع تماماً خارج نطاق التوترات البحرية في الخليج العربي. وفي حال تفاقم العجز، تمتلك بكين خياراً استراتيجياً جاهزاً يتمثل في العودة السريعة والواسعة لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم، مفضلةً تأمين استقرار التيار الكهربائي والمصانع على الالتزامات البيئية المؤقتة، مما يجعل اقتصادها الأكثر مرونة في وجه «حافة الهاوية» التي يواجهها قطاع الغاز العالمي.

شخص يملأ خزان وقود دراجته النارية في محطة وقود بمدينة سان سلفادور (إ.ب.أ)

المناورة اليابانية

أما في اليابان، التي تُعدُّ ثاني أكبر مستورِد للغاز المسال في العالم، فإنَّ الموقف يدار بحذر شديد وضبط دقيق للتكاليف. ورغم أنَّ نسبة ضئيلة نسبياً (نحو 6 في المائة) من إمدادات الغاز اليابانية تمرُّ عبر مضيق هرمز، فإن الحساسية العالية للاقتصاد الياباني تجاه أسعار الطاقة العالمية جعلت الحكومة تسرع في تفعيل بدائل استراتيجية. وقد برزت الطاقة النووية بوصفها طوق نجاة رئيسيّاً؛ حيث تزامن اندلاع الأزمة مع إعادة تشغيل عمليات في أكبر محطة نووية في العالم بمحافظة «نييغاتا»، وهي خطوة وفَّرت لليابان ملايين الأطنان من الغاز المسال التي كانت ستضطر لشرائها بأسعار مضاعفة.

وفي غضون ذلك، تتبنى شركات المرافق والتجار في اليابان استراتيجية «الانتظار والترقب»، معتمدين على المخزونات الاستراتيجية التي تمَّ تأمينها مسبقاً. وبدلاً من الاندفاع نحو السوق الفورية المشتعلة، بدأت اليابان بالفعل في زيادة الاعتماد على محطات الفحم لضمان استمرارية الطاقة بأسعار معقولة. هذا التوجُّه الحذر يهدف إلى حماية المستهلكين من تضخم فواتير الكهرباء والحفاظ على استقرار الين الياباني، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات في الممرات الملاحية الدولية.

علاوة على القلق اللحظي من توقف الملاحة، تواجه سوق الطاقة العالمية آفاقاً قاتمةً تمتد لسنوات، حيث تُرهَن عودة الاستقرار بفتح مضيق هرمز من جهة، وبقدرة المنشآت الإنتاجية على التعافي من جهة أخرى. وحتى في حال السماح للسفن بالمرور مجدداً، سيبقى المعروض العالمي من الغاز المسال محدوداً ومضغوطاً بشكل كبير؛ وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القطرية، والتي أخرجت جزءاً أصيلاً من الإمدادات العالمية عن دائرة الخدمة.

وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)

وقد جاءت تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، لتعمِّق هذه المخاوف، حيث كشف عن أن نحو 17 في المائة من طاقة قطر الإنتاجية للغاز المسال ستظل متوقفةً لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات؛ نتيجة الهجمات التي استهدفت مجمع رأس لفان. هذا الانقطاع الطويل الأمد يعني أن السوق لن تستعيد توازنها بمجرد انتهاء الصراع العسكري، بل ستعاني من فجوة مزمنة في الإمدادات تفرض واقعاً جديداً على الدول المستهلكة التي كانت تعتمد على العقود القطرية المستقرة.

وفي ظلِّ هذه الظروف القسرية، أكد الكعبي أن الدوحة ستجد نفسها مضطرةً لإعلان حالة «القوة القاهرة» على بعض عقود توريد الغاز المسال طويلة الأجل لمدة قد تصل إلى 5 سنوات. هذا الإجراء القانوني يعفي المورد من التزاماته التعاقدية؛ بسبب ظروف خارجة عن إرادته، ولكنه يترك المشترين حول العالم في مواجهة مباشرة مع أسواق فورية متقلبة وأسعار مرتفعة، مما يعيد صياغة أمن الطاقة العالمي ويجعل من البحث عن بدائل دائمة أمراً لا مفر منه للاستقرار الاقتصادي.


«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
TT

«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)

أطلقت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، صرخة تحذير مدوية، كاشفةً عن فاتورة اقتصادية باهظة تتصاعد وتيرتها في المنطقة العربية بشكل غير مسبوق. ففي غضون أسبوعين فقط، تبخَّر نحو 63 مليار دولار من الناتج المحلي للمنطقة (1.6 في المائة)، وسط اضطرابات عاصفة ضربت أسواق الطاقة وممرات التجارة الدولية والملاحة الجوية؛ مما يضع الدول الـ21 الأعضاء في اللجنة أمام أحد أعنف الاختبارات الاقتصادية في تاريخها الحديث.

ويذهب تقرير «إسكوا» تحت عنوان «الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية»، والمبني على تحليل دقيق للسيناريوهات، أبعد من ذلك في حال طالت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران واستمرَّت شهراً واحداً فقط. إذ إن خسائر المنطقة قد تقفز، وفق تقديراتها، إلى 150 مليار دولار، ما يعادل 3.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة؛ مما يحول الصدمات العابرة إلى أزمات هيكلية مزمنة.

وتضم «إسكوا» في عضويتها 21 دولة عربية هي: الأردن، والإمارات، والبحرين، وتونس، والجزائر، وجيبوتي، والسعودية، والسودان، وسوريا، والصومال، والعراق، وعمان، وفلسطين، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، واليمن.

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

دول الخليج في عين العاصفة

أكد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحمل العبء الأكبر من الخسائر المالية المباشرة. فعلى الرغم من المتانة الهيكلية لهذه الاقتصادات، فإن الصراع أدى إلى نزف في القيمة السوقية للبورصات المحلية، مع اتساع ملحوظ في فروقات العائد السيادي، وهو ما يعكس قفزة في تقييم المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، استندت تقديرات «إسكوا» إلى فرضية انخفاض حاد في إنتاج النفط بالدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الأولين؛ نتيجة الشلل اللوجيستي الذي أصاب ممرات التصدير. كما برزت حالة الارتباك في إمدادات الغاز المسال، لا سيما من قطر التي تؤمِّن 19 في المائة من احتياجات العالم؛ إذ تسببت تحديات الشحن والتصدير في قفزة جنونية بأسعار الغاز في أوروبا بنسبة 80 في المائة، مدفوعةً بمخاوف دولية من انقطاع طويل الأمد لسلاسل التوريد الحيوية.

مضيق هرمز... شلل في شريان التجارة العالمية

وثَّقت «إسكوا» تراجعاً تاريخياً في حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى 97 في المائة؛ إذ انخفض عدد السفن التي تصل إلى مواني المنطقة من 137 سفينة يومياً إلى 5 سفن فقط. هذا التعطُّل الاستراتيجي أدى إلى توقف تدفق بضائع تقدَّر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار يومياً، وارتفاع خيالي في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. وخلال الأسبوعين الأولين فقط، بلغت الخسائر التجارية المتراكمة نحو 30 مليار دولار، وهو رقم مرشح للوصول إلى 60 مليار دولار في حال استمرَّ التصعيد لشهر كامل، وفق التقرير.

حاويات على متن سفينة شحن في نهر باتابسكو (إ.ب.أ)

قطاع الطيران والسياحة

عدّ التقرير قطاع الملاحة الجوية والسياحة من أكثر القطاعات تأثراً بـ«الصدمات التشغيلية»؛ حيث تم إلغاء أكثر من 18400 رحلة جوية في 9 مطارات إقليمية رئيسية خلال 12 يوماً فقط. وقدَّرت «إسكوا» الخسائر الأولية لشركات الطيران بنحو 1.9 مليار دولار، مرشحة للوصول إلى 3.6 مليار دولار في حال استمرار الحرب لشهر. كما اضطرت الناقلات الكبرى لتغيير مساراتها، مما زاد من استهلاك الوقود وأطال أمد الرحلات، مسبباً «نزفاً تشغيلياً» حاداً، بينما تراوح الانخفاض في أعداد السياح بين 10 في المائة و95 في المائة بحسب الدولة.

مسافرون عند أكشاك تسجيل الوصول الذاتي بمكتب تذاكر الخطوط الجوية المتحدة داخل المطار الدولي في دنفر (أ.ب)

خريطة الضرر الإقليمي

لم تكن تداعيات الحرب الراهنة محصورةً في جبهات القتال، بل امتدت لتضرب العمقَين الاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء في «إسكوا»:

  • لبنان: يبرز بوصفه أحد أكثر الدول تأثراً بالصدمات المباشرة، حيث يواجه البلد أزمةً إنسانيةً كارثيةً مع نزوح أكثر من 816 ألف شخص بحاجة ماسة للمساعدة. وتأتي هذه الحرب لتزيد من حدة الانهيار القائم، إذ انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 40 في المائة منذ عام 2019، مما يضع البنى التحتية والخدمات الأساسية تحت ضغوط تفوق قدرة الدولة على الاحتمال.
  • مصر وتونس: تواجه الاقتصادات المُستورِدة للطاقة، وفي مقدمتها مصر وتونس، ضغوطاً ماليةً حادةً، وحالةً من التضخم المستمر. وكشف التقرير عن أن هذه الدول مُهدَّدة بارتفاع إجمالي فاتورة واردات الوقود في البلدين بنحو 6.8 مليار دولار سنوياً، وهي زيادة ضخمة تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانيات الوطنية وتزيد من إجهاد الحيز المالي المحدود أصلاً، مما يهدد الاستقرار المعيشي للمواطنين.
  • فلسطين والسودان واليمن والصومال: باغتت الأزمة الجديدة دولاً تعاني أصلاً من نزاعات ممتدة وأوجه ضعف هيكلية؛ حيث سجَّلت فلسطين والصومال والسودان واليمن معدلات فقر وبطالة مرتفعة تاريخياً.

وحذَّر التقرير من أن تفاقم الاحتياجات الإنسانية في المنطقة العربية كلها بات يطال 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة، في ظلِّ وجود 210 ملايين يعيشون في مناطق متضررة من النزاعات، مما يجعل قدرة هذه الدول على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية الجديدة شبه مستحيلة.

منشآت الغاز الطبيعي المسال في مدينة رأس لفان الصناعية بقطر (إ.ب.أ)

من «أزمة الشهر» إلى «التعطل الاستراتيجي»

خلصت «إسكوا» إلى وضع سيناريوهين مرجعيَّين؛ الأول يفترض استمرار الحرب لـ30 يوماً، مؤديةً لقفزة في التضخم وتباطؤ القطاعات غير النفطية في الخليج. أما السيناريو الثاني (صدمة إقليمية شاملة لمدة عام)، فيعد «الأكثر قتامة»، حيث يُتوقَّع انقطاع سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتقويض أهداف التنمية المستدامة، مما قد يعيد المنطقة عقوداً إلى الوراء على مستويات الفقر والتعليم.

ويخلص تقرير «إسكوا» إلى أنَّ احتمالات تحقق السيناريوهات الشاملة والمُدمِّرة، وإن كانت تبدو منخفضة حالياً، فإن تداعياتها تتطلب جهوزيةً إقليميةً عاليةً، وتنسيقاً دولياً عاجلاً للحدِّ من آثار هذا «التعطُّل الاستراتيجي» الذي يهدِّد استقرار النظام العالمي بأسره.