ممر النقل الدولي {شمال ـ جنوب} يغيّر خريطة التجارة في آسيا

يتيح للهند وصولاً أفضل إلى قلب أوراسيا

ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
TT

ممر النقل الدولي {شمال ـ جنوب} يغيّر خريطة التجارة في آسيا

ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب
ميناء جواهر لال نهرو في الهند يعد إحدى النقاط المهمة على ممر النقل الدولي شمال - جنوب

في سابقة هي الأولى من نوعها في مجال التجارة العابرة للقارات، تبدأ الهند في تصدير حاويات البضائع إلى روسيا مروراً بإيران وأذربيجان اعتباراً من الشهر الحالي.
والانطلاقة الرسمية للممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب International North - South Transportation Corridor (INSTC)، الذي طال انتظاره، والذي يربط العاصمة التجارية الهندية مومباي بإقليم أوراسيا مترامي الأطراف، سوف تبدأ في 16 يناير (كانون الثاني) الحالي بهدف تخفيض تكاليف النقل إلى النصف. ومن شأن النقل المنتظم للسلع والبضائع أن يبدأ في غضون بضعة أشهر من ذلك التاريخ.

ماهية المشروع الجديد
تتألف الشبكة متعددة الطرق، التي تبلغ 7200 كيلومتر، من السفن، والسكك الحديدية، والطرق البرية، وتهدف إلى نقل البضائع، والمرور عبر أراضي الهند، وإيران، وأفغانستان، وأرمينيا، وأذربيجان، وروسيا، وآسيا الوسطى، ثم أوروبا الشرقية.
والمشروع الجديد يأتي في وقت تصارع فيه الصين الزمن لإتمام مشروعها التنموي لإحياء «طريق الحرير»، وبينما تهدف الاستراتيجية الصينية إلى ربط 60 دولة عبر قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ بغية تعزيز التجارة والصلات الاقتصادية على طول طريق الحرير البحرية التقليدية... فمن شأن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب في آسيا أن يربط المحيط الهندي والخليج العربي مع بحر قزوين مروراً بإيران، ثم التوجه إلى سان بطرسبرغ الروسية إلى شمال أوروبا عبر الشبكة متعددة الطرق البحرية، والبرية، والسكك الحديدية لنقل البضائع.
وتهدف الخطة إلى نقل السلع والبضائع من ميناءي «جواهر لال نهرو» و«كاندلا» على الساحل الغربي الهندي إلى ميناء «بندر عباس» الإيراني عن طريق البحر. وانطلاقاً من ميناء «بندر عباس» تنتقل السلع والبضائع إلى ميناء «بندر أنزلي» الإيراني على بحر قزوين بطريق البر ثم تتجه من هناك إلى ميناء «استراخان» الروسي المطل على بحر قزوين بطريق البحر. ثم يتم نقل السلع والبضائع بعد ذلك إلى داخل الاتحاد الروسي وأوروبا عن طريق شبكة السكك الحديدية الروسية.
ووفقاً لتصريحات المسؤولين الحكوميين الهنود، فإن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من شأنه المساهمة في تخفيض توقيت وتكاليف النقل والتسليم بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة.
وقال المفوض الجمركي الهندي إس. كومار: «لقد أجرينا ثلاث عمليات تشغيل تجريبية حتى الآن لاختبار فاعلية وجدوى الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب. وأظهرت التجربتان المنفذتان في عام 2014 أن الطريق الجديدة أرخص فعلياً بواقع 30 في المائة وأقل في التوقيت بواقع 40 في المائة من الأسلوب الراهن للنقل بطريق البحر فقط. ومن شأن الممر الجديد أن يقلل من الوقت المستهلك في نقل البضائع إلى النصف بواقع 18 يوماً تقريباً؛ وذلك باستخدام الطريق البحرية فحسب. وسوف يعبر الممر خلال إيران وأذربيجان، ثم يصل إلى روسيا في غضون 22 يوماً بدلاً من 40 يوماً التي يستغرقها حالياً».
وقال أحد المسؤولين الحكوميين الهنود، مطالباً عدم الكشف عن هويته، إن بلاده تعتمد حالياً على الطريق البحرية عبر روتردام إلى سان بطرسبرغ. وللوصول إلى آسيا الوسطى لا بد من توجيه السلع والبضائع عبر الصين، وأوروبا أو إيران. لكن الطرق المارة بالصين أو بأوروبا طويلة، ومكلفة، وتستهلك وقتاً طويلاً؛ مما يدعونا إلى ضرورة العثور على طريق أقصر نسبياً، وأرخص من حيث التكلفة، وأكثر أماناً.
وأضاف المسؤول الهندي يقول: «من شأن الممر الجديد أن يساعد الهند على تجاوز باكستان للوصول إلى آسيا الوسطى ثم روسيا، وربما الحصول على ميزة تنافسية؛ نظراً لانخفاض التكاليف والفترة الزمنية القصيرة».
ويعود تصور الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب إلى عام 1993، ومع ذلك، لم توقع كل من روسيا وإيران والهند على اتفاقية تنظيم شحنات البضائع عبر الممر الجديد إلا في عام 2000، ولقد تم التصديق على الاتفاقية من قبل جميع الأطراف في عام 2002، وانضمت أذربيجان إلى الاتفاقية اعتباراً من عام 2005. ومنذ ذلك الحين، انضمت 10 دول أخرى إلى المشروع، وهي: أرمينيا، وروسيا البيضاء، وبلغاريا (في وضعية المراقب)، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وسلطنة عمان، وسوريا، وطاجيكستان، وتركيا، وأوكرانيا.
ولقد ألقت أذربيجان بثقلها في المشروع الجديد؛ إذ تعمل في الوقت الراهن على تشييد خطوط السكك الحديدية والطرق البرية الجديدة لاستكمال الروابط اللازمة في الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب. ولا تعتبر دولة تركمانستان من الأعضاء الرسميين في الاتفاقية، لكن من المرجح أن توفر الربط البري إلى شبكة الممر. ولقد وجّه رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، خلال زيارته الرسمية إلى تركمانستان، الدعوة الرسمية للحكومة هناك لأن تصبح عضواً رسمياً في الاتفاقية.
ولقد تم تشغيل خط السكك الحديدية الرابط بين كازاخستان وتركمانستان وإيران بطول يبلغ 677 كيلومتراً اعتباراً من عام 2014 بتكلفة بلغت 620 مليون دولار، وهو من الطرق المستخدمة في الممر الجديد. والممر الجديد هو الممر الهندي الثاني بعد ميناء جابهار. وفي الآونة الأخيرة، صدّرت الهند أطناناً من القمح إلى أفغانستان باستخدام الممر الاقتصادي الثلاثي بين الهند وإيران وأفغانستان عبر ميناء جابهار الإيراني بعد تدشينه وافتتاحه للعمل.

تعزيز التجارة من خلال المشروع الجديد
إن إمكانات هذا المشروع متعددة الجوانب. بمجرد التشغيل الفعلي، فإن السعة الاستيعابية لهذا الممر سوف تكون نقل ما بين 20 و30 مليون طن من البضائع سنوياً. الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير وجه الجغرافيا السياسية والاقتصادية لهذه المنطقة بأسرها.
ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة «سبوتنيك» الإخبارية الروسية، فإن المشروع سوف يساعد الهند وروسيا على زيادة التجارة الثنائية بين البلدين إلى مستوى 30 مليار دولار المستهدف خلال السنوات العشر المقبلة.
وفي الوقت الحاضر، فإن مستويات التجارة البينية بين البلدين منخفضة للغاية ولم تتجاوز حد 9.51 مليار دولار سنوياً فقط.
غير أن التجارب التشغيلية للممر الجديد تقول: إن التكاليف قد انخفضت بمقدار 2500 دولار أميركي لكل 15 طناً من البضائع باستخدام الممر الجديد.
وتعمل شركة «آر زي دي» الروسية للخدمات اللوجيستية على تسهيل تنفيذ هذا المشروع. ووفقاً للشركة الروسية، فإن هذا الممر سوف يكون أرخص بمقدار 30 في المائة من طريق تركمانستان - كازاخستان، وأسرع بمقدار الضعف من الطريق الحالية، والتي تمر عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. ويستغرق نقل البضائع عبر قناة السويس نحو 45 إلى 60 يوماً كاملة حتى الوصول إلى أوروبا. بيد أن الطريق الجديدة لن تتأثر بالأحوال الجوية السيئة، وسوف تتم تغطية المسافة بين ميناء «نافا شيفا» في مومباي الهندية وحتى ميناء «بندر عباس» الإيراني في غضون 8 أيام فقط.
وتشير التقديرات إلى أن الممر الجديد سوف يسهل من نقل 20 إلى 30 مليون طن من السلع والبضائع سنوياً. الأمر الذي يشكّل دفعة قوية للاقتصاد الهندي، مع توقعات بارتفاع الصادرات الهندية بشكل كبير خلال السنة التقويمية المقبلة.
ووفقاً إلى سوبهاسيس غوش، المدير التنفيذي في شركة «الخدمات البحرية العالمية»: «من شأن طريق ميناء جابهار بالإضافة إلى الممر الجديد أن يعززا كثيراً من التجارة من الهند إلى أوراسيا وصولاً إلى مستوى 170 مليار دولار (بواقع 60.6 مليار دولار من الصادرات و107.4 مليار دولار من الواردات)».
ومن شأن طريق التجارة الجديدة أن تتيح للهند وصولاً أفضل إلى قلب أوراسيا، في حين أنها تتجاوز باكستان بصورة كاملة؛ الأمر المفضل للغاية لدى الحكومة الهندية، ولا سيما مع تحرك الصين على مسار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ويُنظر في الوقت الراهن إلى الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من زاوية أنه الرد الهندي على مبادرة «الحزام والطريق» الصينية من حيث إن الممر الهندي خضع للتصور والتصميم قبل فترة وجيزة من المبادرة الصينية.

تعزيز الروابط الهندية مع آسيا الوسطى
من شأن الممر الهندي الجديد أن يعزز من التواجد الهندي في آسيا الوسطى باعتبارها لاعباً اقتصادياً رئيسياً. وكان الوصول الهندي إلى إقليم آسيا الوسطى وما وراءه يلقى الكثير من العقبات بسبب وجود باكستان المعادية والأحوال غير المستقرة في أفغانستان.
ومن شأن الشركات الخاصة التي كانت حتى الآن تتجاوز إقليم آسيا الوسطى بصفتها سوقاً تجارية واقتصادية محتملة لبضائعها أن تتطلع من جديد إلى مزيد من الاستثمارات في المنطقة.
ولقد سلطت السياسة التجارية الخارجية الهندية للفترة بين أعوام 2015 - 2020 الأضواء على أهمية الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب من زاوية توسيع الروابط التجارية والاستثمارية بين الهند وآسيا الوسطى.
وعبر الممر الهندي الجديد، سوف تتجاوز الهند المرور عبر باكستان، وسوف تصل السلع والبضائع الهندية إلى أسواق آسيا الوسطى، حيث يعتبر الطلب على المنتجات الهندية جيداً إلى حد معقول.
وكما أشار كل من بيبول شاترجي وسورندار سينغ في صحيفة «ذي ديبلومات»، فإن المحفز الرئيسي للجهود الهندية لتحسين الروابط مع آسيا الوسطى يتجاوز الاعتبارات الجيو - سياسية المجردة والزيادة في شحنات السلع والبضائع. إذ إن الهند تحتل المرتبة الرابعة على العالم كأكبر مستهلك للطاقة، مع الطلب الداخلي عليها الذي يرتفع بوتيرة سريعة يوماً بعد آخر، وتعتبر آسيا الوسطى من الأقاليم التي تتوفر فيها هذه الموارد الطبيعية بكثرة.
وإجمالاً للقول، سوف يترك الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب أثراً عميقاً على المشاركة الهندية مع إقليم أوراسيا الواسع ومنطقة آسيا الوسطى على الصعيدين الجيو - اقتصادي والجيو - استراتيجي، مع التطلعات الهندية الرامية إلى تعزيز وترسيخ الروابط والعلاقات في كلا المنطقتين، على نحو ما أفاد به مارتاند جها، الباحث البارز في كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو الهندية في نيودلهي.



«توتال» تحذر من ارتفاع كبير في أسعار الغاز إذا استمر إغلاق «هرمز»

وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
TT

«توتال» تحذر من ارتفاع كبير في أسعار الغاز إذا استمر إغلاق «هرمز»

وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)

قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز»، باتريك بويان، يوم الاثنين، إنه يتوقع ارتفاعاً «كبيراً جداً» في أسعار الغاز الطبيعي المسال بحلول الصيف إذا لم يُعَدْ فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران بسبب الحرب.

أضاف المسؤول الفرنسي خلال مؤتمر «سيراويك» السنوي للطاقة في مدينة هيوستن الأميركية: «إذا لم يُفتح مضيق هرمز مجدداً، فإنني أتوقع ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغاز الطبيعي المسال بحلول الصيف وسبتمبر (أيلول) المقبل، عندما نبدأ تجديد مخزونات الغاز في أوروبا».

وأوضح أن العواقب «لن تقتصر على ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل ستُلحق الضرر أيضاً بعناصر اقتصادية أخرى، كسلاسل التوريد على سبيل المثال».


وزير الطاقة الأميركي: اضطرابات سوق النفط «مؤقتة»

وزير الطاقة الأميركي يتحدث في مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث في مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)
TT

وزير الطاقة الأميركي: اضطرابات سوق النفط «مؤقتة»

وزير الطاقة الأميركي يتحدث في مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث في مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، يوم الاثنين، إن اضطرابات سوق النفط «مؤقتة»، وذلك في ظلِّ ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، مما يُشكِّل ضغطاً على المستهلكين.

ورداً على سؤال حول كيفية تفاعل الأسواق مع اضطرابات الإمدادات، قال رايت: «الأسواق تتصرف وفقاً لآلياتها»، مضيفاً أن الأسعار ارتفعت «لإرسال إشارات إلى جميع الجهات القادرة على الإنتاج: نرجو منكم زيادة الإنتاج».

وأوضح رايت -خلال مؤتمر «سيراويك» السنوي في هيوستن- أن «الأسعار لم ترتفع بعد إلى مستوى يُؤدِّي إلى انخفاضٍ كبير في الطلب».

وشدَّد على أن واشنطن اتخذت «حلولاً عملية» لتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الذي يتم شحنه فعلاً، ما يسمح بدخوله إلى السوق. وأكَّد قائلاً: «لكن هذه إجراءات تخفيفية لوضعٍ مؤقت».

وأضاف رايت أن الولايات المتحدة بدأت يوم الجمعة سحب النفط من احتياطياتها الاستراتيجية. وأوضح أن الكمية المُفرج عنها، والتي أُعلن عنها سابقاً، ستصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً من المخزونات الأميركية، لتصل إلى ما يقارب 3 ملايين برميل إجمالاً.

ومن المتوقع حضور أكثر من 10 آلاف مشارك في هذا التجمع رفيع المستوى لقطاع الطاقة، والذي تهيمن عليه هذا العام اضطرابات إمدادات النفط والغاز الناجمة عن الحرب.

وأدت الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) إلى رد طهران الذي أدى إلى توقف شبه تام للملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.

ويمر عبر هذا الممر المائي الحيوي نحو خمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم خلال أوقات السلم، ويواجه المستهلكون الأميركيون الآن متوسط ​​أسعار بنزين يقارب 4 دولارات للغالون.

وقد فاقمت الهجمات على منشآت الطاقة الحيوية في إيران وقطر ودول خليجية أخرى من مشكلات إمدادات النفط والغاز العالمية.

وانخفضت أسعار النفط بشكل حاد يوم الاثنين، بعد أن أمر الرئيس دونالد ترمب فجأة بوقف الضربات التي تستهدف البنية التحتية الإيرانية عقب محادثات «جيدة جداً»، على الرغم من نفي طهران إجراء أي مفاوضات.


«هدنة الخمسة أيام»... الأسواق العالمية تستعيد توازنها وتعكس مسارها

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«هدنة الخمسة أيام»... الأسواق العالمية تستعيد توازنها وتعكس مسارها

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

عكست الأسواق العالمية اتجاهها سريعاً يوم الاثنين، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه تعليق الضربات العسكرية على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام. هذا القرار خفّف من حدة التوترات الجيوسياسية، وطمأن المستثمرين، مما ساهم في تراجع المخاوف من حدوث صدمة كبيرة في أسعار النفط.

وفي دقائق معدودات، تلاشت حمى الشراء الدفاعي وانكسرت موجة الذعر؛ فبينما كانت شاشات التداول تصطبغ باللون الأحمر تأهباً لنفط قد يتجاوز الـ 50 دولاراً، انقلبت الموازين رأساً على عقب. وبعد زلزال صباحي هبوطي سجلته الأسواق وسط مخاوف التصعيد، هوت أسعار النفط بنحو 15 في المائة، وتنفس الذهب والأسهم الصعداء، وانخفضت عوائد السندات، بحيث لم يكتفِ «قرار الخمسة أيام» بتبريد محركات الحرب، بل أعاد ضبط بوصلة الاقتصاد العالمي الذي كان يترنح على حافة الكساد التضخمي.

وقالت استراتيجية الأصول المتعددة للأسواق العالمية في «ميزوهو»، إيفلين غوميز-ليشتي، إن «قرار ترمب تعليق الضربات لمدة خمسة أيام أطلق ما يمكن وصفه بحركة انعكاس حادة في الأسواق، حيث تراجعت الأصول عالية المخاطر بالتوازي مع تحسن ملحوظ في شهية المستثمرين للمخاطرة».

ضابط أمن هندي يقف حارساً بالقرب من تمثال برونزي لثور في مبنى بورصة مومباي (إ.ب.أ)

تهاوي النفط

دفعت تصريحات ترمب إلى هبوط فوري وحاد لأسعار النفط، بنحو 15 في المائة، بحيث بات الفارق بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الأميركي أكثر من 10 دولارات في البرميل.

وبلغ سعر العقود الآجلة لخام برنت نحو 101.9 دولار للبرميل، أو بانخفاض قدره 9.2 في المائة، عند الساعة 12:55 بتوقيت غرينتش، بعد أن كان انخفض بنسبة تصل إلى 15 في المائة إلى أدنى مستوى له خلال الجلسة عند 96 دولاراً للبرميل.

كما انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 8 في المائة إلى 89.55 دولار بعد أن خسر 13.5 في المائة إلى أدنى مستوى له خلال الجلسة عند 85.28 دولار.

وكان محللون حذروا من أن توجيه ضربات إلى محطات الطاقة على إيران وبالتالي البنى التحتية للطاقة في المنطقة، سيرفع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً، ولم يستبعدوا 200 دولار خلال فترة قصيرة.

تراجع الدولار وقفزة الأسهم

سجّل الدولار الأميركي تراجعاً ملحوظاً، منخفضاً بنسبة 0.7 في المائة مقابل اليورو و0.6 في المائة أمام الين، قبل أن يقلّص جزءاً من خسائره لاحقاً، لكنه أنهى الجلسة على انخفاض أمام العملتين.

وقفزت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بأكثر من 2 في المائة، حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 712 نقطة، أو 1.5 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.4 في المائة، وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنسبة مماثلة.

وفي أوروبا، محا مؤشر «ستوكس 600» خسائره المبكرة ليتحول إلى المنطقة الإيجابية، مرتفعاً بنسبة 0.7 في المائة بعد أن كان قد تراجع بأكثر من 2.2 في المائة في بداية التداولات. كما صعد مؤشر «فوتسي 100» في لندن بنسبة 0.6 في المائة، بينما سجلت بورصتا باريس وفرانكفورت مكاسب تجاوزت 1 في المائة.

أحد المارة أمام لوحة إلكترونية تعرض أسعار أسهم مؤشر «نيكي» في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

تراجع مؤشر الخوف

كما تراجع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، وهو مقياس الخوف في «وول ستريت»، بعد أن سجل في وقت سابق أعلى مستوى له في أسبوعين، ليُسجل ارتفاعاً طفيفاً قدره 0.30 نقطة عند 27.08.

وقلص المستثمرون رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقب تصريحات ترمب، لتصل هذه الرهانات الآن إلى 20 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنةً بأكثر من 50 في المائة قبل ذلك.

وقفزت أسهم شركات الطيران، حيث ارتفعت أسهم «أميركان إيرلاينز» و«يونايتد إيرلاينز» بأكثر من 4 في المائة لكل منهما. وصعدت أسهم البنوك، التي شهدت انخفاضاً حاداً خلال فترة النزاع، بشكل طفيف، حيث ارتفعت أسهم «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس» بنسبة 1.6 في المائة لكل منهما.

انخفاض عوائد السندات

في أسواق السندات، تراجعت العوائد بشكل ملحوظ بعد موجة صعود حادة سبقت تصريحات ترمب. وانخفضت عوائد السندات البريطانية لأجل عامين، التي كانت من الأكثر تأثراً، بنحو 11 نقطة أساس خلال اليوم.

كما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بما يتراوح بين نقطتين وخمس نقاط أساس، فيما انخفض العائد على السندات لأجل 10 سنوات بنحو 4 نقاط أساس، ليصل إلى 4.35 في المائة.

تراجع رهانات الفائدة الأوروبية

وشهدت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو انخفاضاً حاداً عقب قرار ترمب، فيما أظهرت تسعيرات الأسواق أن سعر الفائدة على الودائع قد يبلغ 2.69 في المائة بنهاية العام، ما يعكس توقعات برفع الفائدة مرتين، مع احتمال بنسبة 75 في المائة لرفع ثالث. ويقارن ذلك بتوقعات سابقة عند 2.94 في المائة، كانت تشير إلى ثلاث زيادات محتملة واحتمال 70 في المائة لرفع رابع.

كما انخفض عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار الرئيسي لمنطقة اليورو، بمقدار 3 نقاط أساس، ليصل إلى 3.01 في المائة، بعد أن سجل 3.077 في المائة في بداية الجلسة، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2011.

وكان شبح الركود التضخمي الناجم عن تداعيات الحرب تسبب في محو أكثر من 2.5 تريليون دولار من قيمة السندات العالمية خلال شهر مارس (آذار) الحالي، لتسجل الأسواق أكبر خسارة شهرية لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، في مشهد يعيد للأذهان ذكريات «لعنة 2022». ورغم أن خسائر السندات بدت أقل حِدّة من النزيف الذي ضرب الأسهم العالمية والتي فقدت نحو 11.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية، فإنها كانت غير متوقعة.

لوحة إلكترونية لعرض أسعار مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

سوق المعادن

وفي سوق المعادن النفيسة، قلّص الذهب الفوري خسائره ليسجل تراجعاً بنسبة 1.3 في المائة إلى 4432.09 دولار للأونصة، فيما ارتفعت الفضة بنسبة 0.4 في المائة إلى 68.03 دولار للأونصة، مدعومة بتحسن معنويات المستثمرين عقب التراجع المفاجئ في التوترات الجيوسياسية.

وفي أسواق العملات المشفرة، ارتفعت البتكوين بنحو 4 في المائة لتتجاوز مستوى 71 ألف دولار، بينما سجّلت الإيثيريوم مكاسب أقوى، مرتفعة بنحو 6 في المائة.

أشخاص يتفقدون قطع الذهب بمحل مجوهرات داخل سوق الذهب في دبي (أرشيفية - إ.ب.أ)

تفاؤل حذر

ورغم هذا التحسن، لا يزال التفاؤل الحذر هو السمة الغالبة في الوقت الراهن. وقال كريس بيوشامب، المحلل الاستراتيجي في شركة «آي جي» إن «تعليق الضربات يقتصر على منشآت الطاقة، لكن ماذا عن بقية الأهداف؟ هل ستبقى إيران مكتوفة الأيدي؟ وماذا عن موقف إسرائيل؟ لا تزال هناك تساؤلات جوهرية دون إجابة».

وأضاف: «صحيح أن الأسواق رحّبت بالخبر، إلا أن ذلك لا يغيّر واقع أن المضائق لا تزال مغلقة، وهو ما يُبقي المخاطر قائمة».