هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

البازعي في مجموعة مقالات ومحاضرات تتناول قضايا العصر

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات
TT

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

لا يأبه الدكتور سعد البازعي كثيراً لضعف التفاعل مع ما يشارك به من محاضرات وما ينشره من مقالات أو كتب متتالية تحمل طابعاً فكرياً تنويرياً متقدماً، ويصر على المضيّ قدماً في نشر مزيد منها لتضيف رصيداً رصيناً إلى المكتبة العربية، إذ إنه «سيظل هناك مَن يستحق أن يحفّز الاطلاع والاستجابة، مَن يستحق أن يكتب له وإن آثر الصمت وتوارى خلف ستر التردد أو الحيرة أو ضعف القدرة على التعبير»، كما يقول في مقدمة كتابه «هموم العقل»، الصادر عن المركز الثقافي العربي، عام 2016.
وكما جرت العادة مع كثير من كتبه، وهو ما أشار إليه في مقدمة كتابه أيضاً، يضم هذا الكتاب مجموعة من المقالات والمحاضرات التي سبق نشرها، وجُمعت بين دفتي كتاب هو أشبه بالبوتقة متجانسة الأفكار والرؤى والمنطلقات إلى حد كبير، يجمع فيما بينها مناقشة بعض الهموم الفكرية التي تطرق إليها عدد من أهم المفكرين والفلاسفة من ثقافات عالمية مختلفة.
- هموم العقل الأكاديمي
الكتاب مقسم إلى 8 محاور، جاء المحور الأول منها تحت عنوان «هموم العقل الأكاديمي»، ويضم 3 أوراق: الورقة الأولى حملت عنوان «الإنسانيات في عالم استهلاكي» وفيها ينعى الكاتب الحالة البائسة التي وصلت إليها حالة الدراسات الإنسانية في الجامعات التي أصبحت «آلات إنتاج موظفين وموظفات في القطاعين العام والخاص»، متحولة ومتخلية عن دورها المعرفي التثقيفي التنويري لتصبح مجرد ماكينة تفريخ موظفين وموظفات يسعون للحصول على شهادات تمكّنهم من الالتحاق بسوق العمل الطاحنة. ولأنه ليس إنساناً حالماً أو واهماً، فإن البازعي يدعو، للخروج من هذا المأزق، إلى أن تتخذ الإنسانيات موقفاً براغماتياً توفيقياً «لا تفقد فيه وجودها، المهدد أساساً، وذلك بأن تتوازن بين الاستجابة لحاجات سوق العمل وتعميق دورها الأساس وهو تقديم فكر ورؤية أعمق»، ثم يمضي لتأكيد ضرورة أن تتصف تلك الرؤية بالقدرة على إقناع المؤسسة الرسمية والأكاديمية ويراها المجتمع.
وتحت عنوان «الدراسات البينية وتحديات الابتكار»، يوجه صاحب كتاب «استقبال الغرب» مجدداً سهام نقده إلى الطريقة التي انتقلت فيها الدراسات البينية «أي الدراسات التي تلتقي في إطارها علوم مختلفة منها العلوم الإنسانية والاجتماعية» من محاضنها في الغرب إلى العالم العربي كما هي دون تغيير أو تعديل أو حتى تبيئة، فهي ليست نتيجة حاجة علمية معرفية لدينا بقدر ما هي محض استنساخ لما يحدث لديهم، أي في الغرب تحديداً. صحيح أن كثيراً من تلك الدراسات البينية كعلم النفس اللغوي وعلم الاقتصاد السياسي قد انتقلت إلينا، ولكن ما لم ينتقل -كما يرى البازعي- هو الدافع الأساس وراء امتزاج العلوم، ومن ثم فهو يؤكد أن ما تحتاج إليه الدراسات البينية هي «الروح النازعة للتفكير المختلف»، ويعني بذلك «النظر فيما ربط العلوم أو التخصصات المختلفة حسب التجارب العالمية للإفادة منها، مع عدم الوقوف عند تلك الأنماط من الربط، سعياً إلى أنماط جديدة، ليس لأنها جديدة أو مختلفة ولكن لأنها قد تكون الأكثر ملاءمة لاحتياجات علمية وبحثية نابعة من صميم الأوضاع الثقافية والاجتماعية وأكثر كفاءة في التعامل معها».
- في نقد الحضارة
في 3 مقالات متتابعة وتحت عنوان واحد يشكل أحد أقسام الكتاب هو «إدغار موران: في نقد الحضارة»، يقدم البازعي ما يشبه الخلاصة التعريفية بأهم أفكار وأطروحات المفكر الفرنسي إدغار موران الذي يُعد من أبرز المفكرين الغربيين الذين قدموا نقداً صريحاً وقاسياً للحضارة الغربية المتغولة التي لم تكن نعيماً كلها، كما يصر على ذلك كثير من المفتونين بها. ويرتبط موران، كما يشير البازعي، لدى كثيرين بمفهوم الفكر المركب الذي يعني الدعوة إلى «رؤية متزامنة ومتجاوزة للظواهر في المجتمعات الحديثة ولحركة التاريخ»، بمعنى أن موران يرى أن ظواهر مثل التحضر والبربرية تتزامن، «فالمجتمع الذي يُعد متحضراً قد يكون كذلك في جوانب منه وبربرياً في جوانب أخرى، وفي الوقت نفسه». إن التنمية الصناعية التي بشّر بها الغرب وكرس لها كل طاقاته وموارده «وطاقات وموارد مَن خضعوا لاستعماره» باتت -حسب موران- تشكل خطراً يتهدد البشرية على مستويين: خارجي يتمثل في التدهور البيئي، وداخلي يتمثل فيما يسميه «جودة الحياة»، ولا يقصد هنا المعنى المادي، بل المعنوي المتمثل في العلاقات الإنسانية القويمة والتوازن النفسي الفردي.
الفكرة الأساس التي ينقلها البازعي عن موران هي أن الحضارة الغربية قابلة للنقد والتفكيك والمساءلة، وهو ما يكاد يغيب لدينا نحن العرب الذين نواجه الغرب إما بخطاب هجائي لا يرى فيه إلا مصدراً للشرور، أو خطاب تمجيدي لا يرى في الغرب إلا كل ما هو إيجابي، وكلتا النظرتين تجانب الصواب، ومنبعهما ما يسميه البازعي «العمى الثقافي» الذي هو «اسم آخر للتعصب، سواء أكان مع الذات أم ضدها، ومع الآخر أو ضده».
- مَن هم المفكرون؟
بعد قسم-مقالة خُصص لعرض كتاب إدوارد سعيد الأخير «حول الأسلوب المتأخر»، ننتقل إلى قسم يضم 4 مقالات جاءت كلها تحت إطار-عنوان «مَن هم المفكرون؟»، تفتتح بمقالة تمحورت حول عبارة أدلى بها الكاتب خورخي لويس بورخس في حوار أُجري معه عام 1976. وصف بورخس نفسه في ذلك الحوار بأنه «مجرد أديب»، نافياً صفة المفكر التي ألحقها محاوره به. ولا يخفي البازعي بدوره دهشته من نفي بورخس لتلك الصفة عن نفسه، ويرى أن ذلك ينمّ عن تواضع كبير لدى بورخس «والأمر كذلك حقاً»، ولكن ألا تنمّ تلك الدهشة نفسها عن تقليل وحط من صفة ومكانة الأديب بشكل من الأشكال وبزاوية من الزوايا؟
في المقالة التالية «تساؤلات في زحمة المفكرين» يشن البازعي هجوماً على شيء من القسوة المستحقة بشأن التساهل في إطلاق مسمى «المفكر» على مَن لا يستحقه من الكتاب والمثقفين، وهذه الصفة أيضاً، أعني المثقف، غير بعيدة عن صفة المفكر، في التساهل في إطلاقها على من يستحقها ومن لا يستحقها. أما المقالة الثالثة فهي عرض لكتاب المثقف التنويري المعروف أحمد أمين الذي تناول فيه سيرته «حياتي». ويختتم هذا القسم بمقالة يعرض فيها الكاتب كتاب «الاضطهاد وفن الكتابة» لمؤلفه ليو شتراوس.
- حوارات فلسفية
وتحت عنوان «حوارات وتأملات فلسفية»، نقرأ عرضاً لكتاب احتوى حواراً بين اثنين من أهم الأسماء الفلسفية المعاصرة وهما الفرنسي آلان باديو «1937 - » والسلوفيني سلافوي جيجيك «1949 - ». ويخوض الفيلسوفان المتناقضان ليس في مواقفهما فحسب، بل حتى في طريقة حديثهما وهيئتهما، في حديث ممتد حول بعض أهم القضايا التي تشغل الفلاسفة المعاصرين مثل دور الفلسفة في قضايا الحاضر، وطبيعة الدور المنوط بالفيلسوف من مسائل عصره التاريخية والسياسية والاجتماعية، كما يدخلان في نقاش محتدم حول الديمقراطية التي تحولت إلى «صنم»، كما يشير جيجيك، إذ إن ثمة سعياً وحرصاً شديدين على المحافظة على قواعد وضوابط الديمقراطية بغض النظر عن النتائج التي تؤدي إليها حتى حين تكون غير مقنعة أو تنطوي على غش، إذ يجب القبول بها حفاظاً على اللعبة الديمقراطية نفسها.
- إشكاليات إثنية
في أطول أقسام الكتاب، وتحت عنوان «إشكاليات إثنية وعبر ثقافية»، يدرج البازعي 7 موضوعات ذات مساس بتصور الآخر لدى العرب والغربيين، وبمفهوم العدو وارتباطه بالثقافة، واختراع فكرة العدو كما يحللها أمبرتو إيكو، فضلاً عن التعريف بقراءة الفيلسوف الفرنسي آلان باديو للربيع العربي، ومناقشة مفهوم العنصرية في الفكر الأوروبي، بالإضافة إلى مقالتين حملتا عنواني «رسالة أوروبا وطموحات مفكريها»، و«ماركس واليهود».
ولأن الترجمة لا تكاد تغيب عن مؤلفات البازعي النقدية والفكرية، فقد تضمن هذا الكتاب قسماً خاصاً بالترجمة ضم مقالتين مطولتين ناقش فيهما الكاتب كتابين يتناولان بعض أكثر المسائل المرتبطة بالترجمة تعقيداً وإثارة للإشكاليات: الأول هو «مفردات في الفلسفة الأوروبية: معجم لما يقبل الترجمة»، والآخر هو «الترجمة والقوة»، ويضم أبحاثاً لعدد من الاختصاصيين بالترجمة «بوصفها نشاطاً فكرياً وتطبيقياً».
- معايشات الحرية
القسم الثامن والأخير من الكتاب احتوى على قراءة وعرض مطول لكتاب «معايشات الحرية» الصادر قبل 4 أعوام، وهو معنيّ بموضوع الحرية في الآداب والثقافات الما بعد كولونيالية «الما بعد استعمارية»، ويُقصد بها تلك التي عاشت التجربة الاستعمارية ومن ثم مرحلة التحرر من الاستعمار. ويسلط البازعي الضوء على عدد من الأبحاث الثلاثين التي ضمها الكتاب في 6 محاور، منها: الفكر الأسود، وفلسفة المقاومة، وخطابات المقاومة، وثقافة المستعمر في السودان، ومقاومة الكاتبات. أما المقالة الثانية والأخيرة في الكتاب فخُصصت لعرض ومناقشة كتاب «جدل العولمة» للكاتب الكيني نغويي وا ثيونغو، الذي صدر عام 2013. وصدرت ترجمة الدكتور البازعي له عام 2014 عن مشروع «كلمة» في أبوظبي.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً