هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

البازعي في مجموعة مقالات ومحاضرات تتناول قضايا العصر

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات
TT

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

هموم العقل في عصر انفلات اللاعقلانيات

لا يأبه الدكتور سعد البازعي كثيراً لضعف التفاعل مع ما يشارك به من محاضرات وما ينشره من مقالات أو كتب متتالية تحمل طابعاً فكرياً تنويرياً متقدماً، ويصر على المضيّ قدماً في نشر مزيد منها لتضيف رصيداً رصيناً إلى المكتبة العربية، إذ إنه «سيظل هناك مَن يستحق أن يحفّز الاطلاع والاستجابة، مَن يستحق أن يكتب له وإن آثر الصمت وتوارى خلف ستر التردد أو الحيرة أو ضعف القدرة على التعبير»، كما يقول في مقدمة كتابه «هموم العقل»، الصادر عن المركز الثقافي العربي، عام 2016.
وكما جرت العادة مع كثير من كتبه، وهو ما أشار إليه في مقدمة كتابه أيضاً، يضم هذا الكتاب مجموعة من المقالات والمحاضرات التي سبق نشرها، وجُمعت بين دفتي كتاب هو أشبه بالبوتقة متجانسة الأفكار والرؤى والمنطلقات إلى حد كبير، يجمع فيما بينها مناقشة بعض الهموم الفكرية التي تطرق إليها عدد من أهم المفكرين والفلاسفة من ثقافات عالمية مختلفة.
- هموم العقل الأكاديمي
الكتاب مقسم إلى 8 محاور، جاء المحور الأول منها تحت عنوان «هموم العقل الأكاديمي»، ويضم 3 أوراق: الورقة الأولى حملت عنوان «الإنسانيات في عالم استهلاكي» وفيها ينعى الكاتب الحالة البائسة التي وصلت إليها حالة الدراسات الإنسانية في الجامعات التي أصبحت «آلات إنتاج موظفين وموظفات في القطاعين العام والخاص»، متحولة ومتخلية عن دورها المعرفي التثقيفي التنويري لتصبح مجرد ماكينة تفريخ موظفين وموظفات يسعون للحصول على شهادات تمكّنهم من الالتحاق بسوق العمل الطاحنة. ولأنه ليس إنساناً حالماً أو واهماً، فإن البازعي يدعو، للخروج من هذا المأزق، إلى أن تتخذ الإنسانيات موقفاً براغماتياً توفيقياً «لا تفقد فيه وجودها، المهدد أساساً، وذلك بأن تتوازن بين الاستجابة لحاجات سوق العمل وتعميق دورها الأساس وهو تقديم فكر ورؤية أعمق»، ثم يمضي لتأكيد ضرورة أن تتصف تلك الرؤية بالقدرة على إقناع المؤسسة الرسمية والأكاديمية ويراها المجتمع.
وتحت عنوان «الدراسات البينية وتحديات الابتكار»، يوجه صاحب كتاب «استقبال الغرب» مجدداً سهام نقده إلى الطريقة التي انتقلت فيها الدراسات البينية «أي الدراسات التي تلتقي في إطارها علوم مختلفة منها العلوم الإنسانية والاجتماعية» من محاضنها في الغرب إلى العالم العربي كما هي دون تغيير أو تعديل أو حتى تبيئة، فهي ليست نتيجة حاجة علمية معرفية لدينا بقدر ما هي محض استنساخ لما يحدث لديهم، أي في الغرب تحديداً. صحيح أن كثيراً من تلك الدراسات البينية كعلم النفس اللغوي وعلم الاقتصاد السياسي قد انتقلت إلينا، ولكن ما لم ينتقل -كما يرى البازعي- هو الدافع الأساس وراء امتزاج العلوم، ومن ثم فهو يؤكد أن ما تحتاج إليه الدراسات البينية هي «الروح النازعة للتفكير المختلف»، ويعني بذلك «النظر فيما ربط العلوم أو التخصصات المختلفة حسب التجارب العالمية للإفادة منها، مع عدم الوقوف عند تلك الأنماط من الربط، سعياً إلى أنماط جديدة، ليس لأنها جديدة أو مختلفة ولكن لأنها قد تكون الأكثر ملاءمة لاحتياجات علمية وبحثية نابعة من صميم الأوضاع الثقافية والاجتماعية وأكثر كفاءة في التعامل معها».
- في نقد الحضارة
في 3 مقالات متتابعة وتحت عنوان واحد يشكل أحد أقسام الكتاب هو «إدغار موران: في نقد الحضارة»، يقدم البازعي ما يشبه الخلاصة التعريفية بأهم أفكار وأطروحات المفكر الفرنسي إدغار موران الذي يُعد من أبرز المفكرين الغربيين الذين قدموا نقداً صريحاً وقاسياً للحضارة الغربية المتغولة التي لم تكن نعيماً كلها، كما يصر على ذلك كثير من المفتونين بها. ويرتبط موران، كما يشير البازعي، لدى كثيرين بمفهوم الفكر المركب الذي يعني الدعوة إلى «رؤية متزامنة ومتجاوزة للظواهر في المجتمعات الحديثة ولحركة التاريخ»، بمعنى أن موران يرى أن ظواهر مثل التحضر والبربرية تتزامن، «فالمجتمع الذي يُعد متحضراً قد يكون كذلك في جوانب منه وبربرياً في جوانب أخرى، وفي الوقت نفسه». إن التنمية الصناعية التي بشّر بها الغرب وكرس لها كل طاقاته وموارده «وطاقات وموارد مَن خضعوا لاستعماره» باتت -حسب موران- تشكل خطراً يتهدد البشرية على مستويين: خارجي يتمثل في التدهور البيئي، وداخلي يتمثل فيما يسميه «جودة الحياة»، ولا يقصد هنا المعنى المادي، بل المعنوي المتمثل في العلاقات الإنسانية القويمة والتوازن النفسي الفردي.
الفكرة الأساس التي ينقلها البازعي عن موران هي أن الحضارة الغربية قابلة للنقد والتفكيك والمساءلة، وهو ما يكاد يغيب لدينا نحن العرب الذين نواجه الغرب إما بخطاب هجائي لا يرى فيه إلا مصدراً للشرور، أو خطاب تمجيدي لا يرى في الغرب إلا كل ما هو إيجابي، وكلتا النظرتين تجانب الصواب، ومنبعهما ما يسميه البازعي «العمى الثقافي» الذي هو «اسم آخر للتعصب، سواء أكان مع الذات أم ضدها، ومع الآخر أو ضده».
- مَن هم المفكرون؟
بعد قسم-مقالة خُصص لعرض كتاب إدوارد سعيد الأخير «حول الأسلوب المتأخر»، ننتقل إلى قسم يضم 4 مقالات جاءت كلها تحت إطار-عنوان «مَن هم المفكرون؟»، تفتتح بمقالة تمحورت حول عبارة أدلى بها الكاتب خورخي لويس بورخس في حوار أُجري معه عام 1976. وصف بورخس نفسه في ذلك الحوار بأنه «مجرد أديب»، نافياً صفة المفكر التي ألحقها محاوره به. ولا يخفي البازعي بدوره دهشته من نفي بورخس لتلك الصفة عن نفسه، ويرى أن ذلك ينمّ عن تواضع كبير لدى بورخس «والأمر كذلك حقاً»، ولكن ألا تنمّ تلك الدهشة نفسها عن تقليل وحط من صفة ومكانة الأديب بشكل من الأشكال وبزاوية من الزوايا؟
في المقالة التالية «تساؤلات في زحمة المفكرين» يشن البازعي هجوماً على شيء من القسوة المستحقة بشأن التساهل في إطلاق مسمى «المفكر» على مَن لا يستحقه من الكتاب والمثقفين، وهذه الصفة أيضاً، أعني المثقف، غير بعيدة عن صفة المفكر، في التساهل في إطلاقها على من يستحقها ومن لا يستحقها. أما المقالة الثالثة فهي عرض لكتاب المثقف التنويري المعروف أحمد أمين الذي تناول فيه سيرته «حياتي». ويختتم هذا القسم بمقالة يعرض فيها الكاتب كتاب «الاضطهاد وفن الكتابة» لمؤلفه ليو شتراوس.
- حوارات فلسفية
وتحت عنوان «حوارات وتأملات فلسفية»، نقرأ عرضاً لكتاب احتوى حواراً بين اثنين من أهم الأسماء الفلسفية المعاصرة وهما الفرنسي آلان باديو «1937 - » والسلوفيني سلافوي جيجيك «1949 - ». ويخوض الفيلسوفان المتناقضان ليس في مواقفهما فحسب، بل حتى في طريقة حديثهما وهيئتهما، في حديث ممتد حول بعض أهم القضايا التي تشغل الفلاسفة المعاصرين مثل دور الفلسفة في قضايا الحاضر، وطبيعة الدور المنوط بالفيلسوف من مسائل عصره التاريخية والسياسية والاجتماعية، كما يدخلان في نقاش محتدم حول الديمقراطية التي تحولت إلى «صنم»، كما يشير جيجيك، إذ إن ثمة سعياً وحرصاً شديدين على المحافظة على قواعد وضوابط الديمقراطية بغض النظر عن النتائج التي تؤدي إليها حتى حين تكون غير مقنعة أو تنطوي على غش، إذ يجب القبول بها حفاظاً على اللعبة الديمقراطية نفسها.
- إشكاليات إثنية
في أطول أقسام الكتاب، وتحت عنوان «إشكاليات إثنية وعبر ثقافية»، يدرج البازعي 7 موضوعات ذات مساس بتصور الآخر لدى العرب والغربيين، وبمفهوم العدو وارتباطه بالثقافة، واختراع فكرة العدو كما يحللها أمبرتو إيكو، فضلاً عن التعريف بقراءة الفيلسوف الفرنسي آلان باديو للربيع العربي، ومناقشة مفهوم العنصرية في الفكر الأوروبي، بالإضافة إلى مقالتين حملتا عنواني «رسالة أوروبا وطموحات مفكريها»، و«ماركس واليهود».
ولأن الترجمة لا تكاد تغيب عن مؤلفات البازعي النقدية والفكرية، فقد تضمن هذا الكتاب قسماً خاصاً بالترجمة ضم مقالتين مطولتين ناقش فيهما الكاتب كتابين يتناولان بعض أكثر المسائل المرتبطة بالترجمة تعقيداً وإثارة للإشكاليات: الأول هو «مفردات في الفلسفة الأوروبية: معجم لما يقبل الترجمة»، والآخر هو «الترجمة والقوة»، ويضم أبحاثاً لعدد من الاختصاصيين بالترجمة «بوصفها نشاطاً فكرياً وتطبيقياً».
- معايشات الحرية
القسم الثامن والأخير من الكتاب احتوى على قراءة وعرض مطول لكتاب «معايشات الحرية» الصادر قبل 4 أعوام، وهو معنيّ بموضوع الحرية في الآداب والثقافات الما بعد كولونيالية «الما بعد استعمارية»، ويُقصد بها تلك التي عاشت التجربة الاستعمارية ومن ثم مرحلة التحرر من الاستعمار. ويسلط البازعي الضوء على عدد من الأبحاث الثلاثين التي ضمها الكتاب في 6 محاور، منها: الفكر الأسود، وفلسفة المقاومة، وخطابات المقاومة، وثقافة المستعمر في السودان، ومقاومة الكاتبات. أما المقالة الثانية والأخيرة في الكتاب فخُصصت لعرض ومناقشة كتاب «جدل العولمة» للكاتب الكيني نغويي وا ثيونغو، الذي صدر عام 2013. وصدرت ترجمة الدكتور البازعي له عام 2014 عن مشروع «كلمة» في أبوظبي.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).