د. الحاج آدم يوسف: لا أسرار في علاقتنا مع إيران.. ولن تكون على حساب الخليج

قال نائب الرئيس السوداني الدكتور الحاج آدم، إن علاقات بلاده مع إيران في حدود المصالح المشتركة و«لا أسرار فيها».. و«لن تكون على حساب العلاقات التاريخية مع دول الخليج». وأشار آدم في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى «أواصر الصداقة» مع السعودية والدول الخليجية، وقال إنها ممتدة عبر التاريخ، مشيدا بالمواقف...
قال نائب الرئيس السوداني الدكتور الحاج آدم، إن علاقات بلاده مع إيران في حدود المصالح المشتركة و«لا أسرار فيها».. و«لن تكون على حساب العلاقات التاريخية مع دول الخليج». وأشار آدم في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى «أواصر الصداقة» مع السعودية والدول الخليجية، وقال إنها ممتدة عبر التاريخ، مشيدا بالمواقف...
TT

د. الحاج آدم يوسف: لا أسرار في علاقتنا مع إيران.. ولن تكون على حساب الخليج

قال نائب الرئيس السوداني الدكتور الحاج آدم، إن علاقات بلاده مع إيران في حدود المصالح المشتركة و«لا أسرار فيها».. و«لن تكون على حساب العلاقات التاريخية مع دول الخليج». وأشار آدم في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى «أواصر الصداقة» مع السعودية والدول الخليجية، وقال إنها ممتدة عبر التاريخ، مشيدا بالمواقف...
قال نائب الرئيس السوداني الدكتور الحاج آدم، إن علاقات بلاده مع إيران في حدود المصالح المشتركة و«لا أسرار فيها».. و«لن تكون على حساب العلاقات التاريخية مع دول الخليج». وأشار آدم في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى «أواصر الصداقة» مع السعودية والدول الخليجية، وقال إنها ممتدة عبر التاريخ، مشيدا بالمواقف...

قال نائب الرئيس السوداني الدكتور الحاج آدم، إن علاقات بلاده مع إيران في حدود المصالح المشتركة و«لا أسرار فيها».. و«لن تكون على حساب العلاقات التاريخية مع دول الخليج». وأشار آدم في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى «أواصر الصداقة» مع السعودية والدول الخليجية، وقال إنها ممتدة عبر التاريخ، مشيدا بالمواقف السعودية تجاه السودان في المحافل الدولية والإقليمية. وأوضح أن مساعدات الدول الخليجية والعربية والصديقة «مكنت السودان من الوقوف على رجليه».
وتحدث آدم عن العلاقات مع مصر، مؤكدا أنها تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وقال إن حكومته لا تمانع من القيام بأي دور يوكل إليها لإصلاح ذات البين بين الحكومة المصرية والإخوان المسلمين، تحت مظلة الجامعة العربية أو الاتحاد الأفريقي أو منظمة التعاون الإسلامي. وكشف نائب الرئيس السوداني عن أن دولة أفريقية - لم يسمها - «قبضت» 250 مليون دولار، لئلا تستقبل الرئيس عمر البشير (الملاحق دوليا بتهم جرائم ضد الإنسانية)، مؤكدا أن الاتحاد الأفريقي قطع الطريق أمام المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة أي رئيس أفريقي، مبينا أن «المحكمة باتت أداة لتركيع الأفارقة فقط». وبشأن القرار الأميركي بتجديد العقوبات على السودان، قال إن «واشنطن تمارس ازدواجية المعايير، وتؤكد تسييس قرارها»، بغية إجبار حكومته على تغيير منهجها السياسي، «وهذا لن يحدث». وأقر بأن العقوبات أثرت في المؤسسات التي أنشئت بالتكنولوجيا الأميركية، كالخطوط الجوية السودانية، وقطاع السكك الحديدية، بجانب قطاع الاستثمار والإنتاج الزراعي، منوها إلى أن عجلة التنمية لم تتوقف، حيث بلغ النمو الاقتصادي نسبة 3.6 وفق البنك الدولي.
وفي ما يلي نص الحوار:
* جددت أميركا العقوبات على السودان لعام جديد.. ما المغزى؟
- أميركا تمارس ازدواجية المعايير وتسييس قراراتها، وتقوم بتمريرها على بعض المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتتبع معايير تتعلق ببعض السياسات في هذين الجسمين الاقتصاديين تحديدا، لتجدد بها هذه العقوبات أو ترفعها. غير أن السودان من ناحية فنية استوفى جميع الشروط المستحقة التي تمكنه من الخروج من عنق زجاجة العقوبات، بشهادة هذه المؤسسات نفسها. فأميركا تعاقب السودان ليس لأدائه الاقتصادي، لكن لأدائه السياسي، وتريد تغيير منهجه في ذلك، وهذا لن نسمح به. فالعقوبات لن توقف عجلة التنمية ولن تطوع السودان، والمساعدات التي تأتينا من الدول العربية والخليجية والصديقة بما فيها الآسيوية، فضلا عن صناديق التمويل العربي؛ مكنت السودان من أن يقف على رجليه.
* ما الآثار التي تترتب على تجديد هذه العقوبات؟
- العقوبات الأميركية أثرت في المؤسسات التي أنشئت بالتكنولوجيا الأميركية، مثل الخطوط الجوية السودانية، وقطاع السكك الحديدية، خاصة القطارات والرؤوس الساحبة، والسيارات الناقلة والخطوط الحديدية، علما بأن الاستثمارات في هذين المجالين ضخمة جدا. ولذلك فإن هذين القطاعين أكثر القطاعات تأثرا بهذه العقوبات. وقس على ذلك مرافق التعليم العالي التي لدينا، من بينها جامعات ومعاهد بحثية ترتبط بأميركا، إذ إنها حجبت عنها حتى الدوريات والكتب العلمية، ومعلومات شبكة الإنترنت. وفي مجال الزراعة، هناك كثير من المشاريع محرومة من التقنية الأميركية من حيث المعدات والآليات، مما أخر الاستثمار والإنتاج الزراعي في البلاد.
* ما تحوطاتكم للمقاطعة الأميركية؟
- المقاطعة الأميركية دفعتنا نحو النهوض بقطاع البترول باستخدام تقنيات غير أميركية، جئنا بها من دول أخرى مثل الصين وماليزيا وغيرهما، فأحدثنا تنمية كبيرة في هذا المجال، وأتوقع أن يكون له شأن عظيم في تنمية البلاد مستقبلا. كما أن هناك مجالات متعددة لم نربطها بالتقنية الأميركية، مثل المطارات الدولية الجديدة الضخمة التي تنمو بخطى متصاعدة، وبتقنية أوروبية وآسيوية، ولدينا جامعات تقوم على نمط تقني جديد غير أميركي، ومشاريع جديدة أخرى بتعاون دول متقدمة، فضلا عن أن الحكومة وضعت 10 موجهات للمعالجات الاقتصادية، بجانب السياسات الاقتصادية التي اتبعتها وحققت قفزة تنموية، حيث أكد البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني ينمو بنسبة 3.6%، رغم ما اعتراه من صعوبات.
* ما مخرجات سياسات رفع الدعم الاقتصادي في ظل تهديد وزارة المالية بعدم التزامها دفع الزيادات في الأجور؟
- تساعدنا سياسة رفع الدعم عن المحروقات على مواجهة آثار المقاطعة الأميركية، والمضي قدما في زيادة عجلة التنمية في عدد من المجالات، كإنتاج البترول وبناء السدود وتوليد الكهرباء وخطوط نقل برية ونهرية وموانئ، ومطارات وجامعات ومستشفيات، وغيرها. كما أن الوزارة لم تعجز عن سداد مستحقات العاملين في الدولة، فقرار رفع الدعم يأتي في إطار حماية الاقتصاد من الانهيار وحماية المواطن من آثاره، وذلك بإعادة توزيع حصيلة رفع الدعم في شكل زيادة أجور وخدمات مختلفة. أما فيما يتعلق بعجز أو تهديد وزير المالية بعدم صرف زيادات الأجور فذلك غير وارد؛ لأن وضع الوزير حاليا أفضل من أي وقت مضى، وأؤكد أن أجور العاملين زيدت بنسبة وصلت إلى 55%، فهي بدأت منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 100%، وستمضي الدولة بالتزامها صرف مستحقات العاملين كاملة، بل الدولة تعد بزيادة المرتبات وليس بنقصانها أو عدم صرف زياداتها.
* لكن، كيف للمواطن أن يتحمل تبعات رفع الدعم عن المحروقات في ظروفه الحالية؟
- إن الهدف من رفع الدعم عن المحروقات هو تحقيق توازن اقتصادي في الدولة، متبعة منهج التحرير الاقتصادي، ذلك أن كل السلع حرة باستثناء مشتقات البترول والقمح وجزء من الأدوية، فالدولة مصممة على المضي في رفع الدعم بالتدرج إلى أن تتخلص كليا من الدعم في كل السلع، إذ إن الدول التي حققت اقتصادا مستقرا اتبعت هذه السياسة لتوفر موارد لدعم الفقراء والتنمية، بعكس سياسة الدعم التي يستفيد منها الغني بدرجة أكبر من الفقير، فالعدالة تقتضي أن يرفع الدعم تماما عن السلع، بمعنى أن أكثر فاتورة ترهق الفقير هي فاتورة الغذاء وليس فاتورة الوقود والطاقة، وهذه السياسة تسهم في خفض الاستهلاك للمواطن وتزيد الإنتاج الذي يخفض الأسعار.
* هناك حديث حول رفع سعر غالون البنزين من 20 إلى 40 جنيها، يعني بنسبة 100%.. ما حقيقة ذلك؟
- إن الدولة ماضية في تنفيذ سياسة التحرير الاقتصادي، وهذه سياسة مقررة في برنامج ثلاثي، وبدأت في عام 2012. علما بأن جزءا من الدعم رفع في شهر يونيو (حزيران) من العام نفسه، واستمرت الدولة في اتباع هذه السياسة، حيث رفع الدعم مرة أخرى في شهر سبتمبر (أيلول) في عام 2013. والبرنامج الثلاثي ينتهي بعام 2014. فإذا تبقى أي دعم فيجب أن يرفع في العام المقبل، علما بأن سعر البترول في السودان مرتبط بالسعر العالمي، فإن انخفض الأخير ينخفض سعره في السودان حتى لو كان أقل مما كان عليه سابقا قبل رفع الدعم.
* كثر الجدل حول صياغة الدستور.. أين الموقف منه؟
- لكل سوداني حق المشاركة في بناء البلد وحمايته من كيد التآمر، وفق دستور شامل لا يقصي أحدا كيفما كان توجهه ومتى ما التزم القواسم الوطنية العليا التي تعبر عن حق المواطن في المواطنة ومستحقاتها كاملة. لكن بطبيعة الحال، يحتاج ذلك لأمن يطمئن المواطن في ممارسة حقوقه، سواء على مستوى الشعب أو مستوى الأحزاب السياسية، فحماية الدستور وضمان إنفاذه يحتاجان إلى أمن، وهذا ما تسعى الحكومة لتوفيره، من أجل ضمان الحق السياسي ومن بعده الوفاق السياسي، والدولة ماضية قدما لتحقيق ذلك بدءا من وضع الدستور والمواثيق والآليات الكفيلة بسلامة الانتخابات ونزاهتها.
* إلى أين تذهب العلاقة بين دولتي السودان وجنوب السودان في ظل الاتفاقات التي أبرمها رئيسا البلدين أخيرا، وما ضمانات تنفيذها؟
- العلاقة بين الدولتين تذهب في الاتجاه الصحيح وتبشر بمستقبل زاهر لشعبي البلدين على المستويات كافة، بما فيها السياسية والاقتصادية، وهذا الواقع الذي حققه الرئيسان أتى عقب تجارب عملية للطرفين، بعد فترة من الصراع والتشاكس. ولكن بعظة وعبرة من الماضي، نجح الجانبان في القمتين الأخيرتين في الوصول إلى مخرجات مهمة نعض عليها بالنواجذ؛ لأنها ستجهض مشروعات أصحاب أجندة خارجية وأخرى أطماعا شخصية كانت وراء التوتر، حيث اتضح أن إبعاد أصحاب هذه الأجندة عن صناعة المشهد السياسي سرع بترميم هذه العلاقة، وتحقيق الاتفاق الأخير بين الرئيسين، والمناخ أصبح صحيا لتطوير العلاقة، ولذلك عكف السودان على تكوين آليات من اللجنة العليا برئاسة الرئيس عمر البشير، تنزلت إلى كل الوزارات والجهات المعنية لتنفيذ هذه الاتفاقات، وفي المقابل بادلنا الرئيس سلفا كير بذات الإحساس وتكوين آليات ولجان أخذت في الشروع في اجتماعات متصلة، لتحقق وفاقا شاملا كاملا، في ظل حرص كل من الحكومتين على صون هذه العلاقة من أيدي العابثين.
* كيف تنظر إلى مستقبل «الحركة الشعبية قطاع الشمال» في ظل الواقع الجديد؟
- نحن لا نعترف بأي تنظيم اسمه «الحركة الشعبية قطاع الشمال»؛ لأنه ليس لدينا قانونيا ما يوصف بهذا الاسم الآن، لكن لدينا نزاع مع بعض المتمردين في جنوب كردفان والنيل الأزرق الذين يسمون أنفسهم هذا الاسم، ويسعون للارتباط بحزب «الحركة الشعبية» في دولة جنوب السودان، في حين قرر الرئيس سلفا كير مقاطعته أي علاقة بهذا الجسم وعدم دعمه في أي مرحلة من مراحل نشاطه على الإطلاق، ومن خلال متابعتنا نستطيع أن نتعرف إن كان هناك دعم أم لا. ولكن للتاريخ، فإن الدعم تحجم بشكل كبير جدا، فقط تبقت الممارسات الشخصية لبعض القيادات في الأجهزة الأمنية، وهي تحت متابعتنا وسيطرتنا. ومع ذلك، أؤكد أن لهم الحق كسودانيين في أن ينشئوا من الأحزاب السياسية كيفما يريدون، ولهم أن يسموها كما يشاؤون، وفق القانون الذي يحكم عمل الأحزاب في السودان، لكن ما نرفضه هو الارتباط بالأجنبي، سواء كان حزبا أو دولة أو حركة.
* ما خطتكم لمعالجة موقف الحكومة من الاستفتاء الأحادي الذي قامت به بعض دينكا «نوك»؟
- إن هذا الاستفتاء لا يمثل بالنسبة لنا شيئا، وما نركز عليه هو مستقبل الحل لمنطقة أبيي، ونحن في ذلك متفقون مع دولة الجنوب على أن نقيم الجسم الإداري وننشئ المجلس التشريعي وننشئ شرطة للمنطقة، ثم من بعد ذلك نرتب لاستفتاء حقيقي يرضي الطرفين ويحدد مصير المنطقة. ويقيننا أن أهم مستحقات إقامة استفتاء حقيقي هو تحقيق استقرار للسكان بعد إقامة أجسام مدنية لتدير هذه العملية وتبسط الخدمات اللازمة لهم، وهذا ما نسعى إليه، حيث إن الأمن فيها حاليا يقع تحت مسؤولية «اليونسفا»، وبعد تحقيق كل ذلك سنتفق مع حكومة جنوب السودان على إجراء الاستفتاء وفق بروتوكول الاتفاقات المنصوص عليها في برتوكول «أبيي»؛ ذلك لأنها محكومة ببروتوكول موقع مع الـ«سي بي أ»، إذ إننا متفقون بموجب اتفاقية السلام على أن ذلك هو المرجع لحل هذه القضية، ولن نتخطاه إلى شكل مختلق جديد. أما تحديد تاريخ جديد للاستفتاء، فيجري بعد إنشاء الأجسام المدنية التي ذكرتها سلفا، خاصة أن هناك استقطابا حادا بالنسبة لمواطني المنطقة، مما يعني أن عودتهم واستقرارهم شيء مهم جدا لمعالجة الموقف فيها، لعلمنا أن أي حديث عن استفتاء بغير هذا الشكل لن يساعد على حل هذه القضية.
* دعا الاتحاد الأوروبي إلى التحاور بين الحكومة السودانية و«الجبهة الثورية» التي تتجول في عدد من الدول الأوروبية.. ما موقفكم من ذلك؟
- الحكومة لا تعترف بما يسمى «الجبهة الثورية»، كل ما في الأمر أن لدينا مناطق فيها نزاع في دارفور، وخصصنا لذلك منبرين للسلام والحوار، أولهما في الدوحة، والأخير وقعنا من خلاله اتفاقية مضت مخرجاتها حاليا في عملية السلام والبناء الوطني، في حين وقعت اتفاقية أخيرا مع حركة كانت متمردة فانضمت الآن إلى ركب السلام أيضا. وسيظل منبر الدوحة مفتوحا لصناعة الحوار وصناعة السلام للحركات التي لم تجنح بعد للسلام. أما بالنسبة لمنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، فهناك منبر في أديس أبابا بقيادة الاتحاد الأفريقي، وبرئاسة الرئيس ثابو أمبيكي رئيس جنوب أفريقيا، وسيظل هذا المنبر أيضا مفتوحا لأبناء المنطقتين، ولن نقبل بغير هذين المنبرين المخصصين بالأساس للحوار وصناعة السلام. وما يسمى «الجبهة الثورية» التي تطوف حاليا في أوروبا تعيش حالة من اليأس والقنوط بسبب جدية حكومة دولة جنوب السودان في حجب المساعدات عنها ومحاصرتها جغرافيا وزمانيا وعسكريا، في ظل الجهود الإيجابية التي قامت بها أوغندا، علما بأن أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا وإثيوبيا وإريتريا أوصدت أبوابها أمامها، ولذلك فإن ذهابها إلى أوروبا نتيجة لما تعانيه من حصار خانق وعزلة تعيشها حاليا، بجانب قدرة الجيش السوداني على فرض سيطرته على الوضع. ونصيحتي لهم أن ينضموا إلى ركب السلام عبر أحد المنبرين، علما بأن للدول الأوروبية نفسها مندوب فيهما، فالجنوح للسلام أفضل لهم من تسول مساعدات مشروطة تكون نتائجها عواقب وخيمة.
* البعض ينظر إلى العلاقة بين السودان وإيران بعين الريبة وأنها مهددة للعلاقة مع الخليج.. ما ردكم على ذلك؟
- علاقتنا بإيران علاقة طبيعية تقوم على مصالح مشتركة ومعروفة، لكنها بأي حال من الأحوال ليست قائمة على حساب الدول الخليجية؛ لأنها لا تنضوي على أي ضرر يمكن أن يهدد مصالح الخليج من بعيد أو قريب، علما بأن هناك علاقات قوية تجمع إيران مع عدد من دول العالم، مثل أميركا والدول الغربية ودول عربية، ولم ينظر إليها بعين الريبة والشك، ولذلك أؤكد أن علاقتنا مع الخليج علاقة قرب جغرافي ورحم ودين، وهي علاقة أزلية واستراتيجية ومصيرية مشتركة، نحرص ونحافظ على تطويرها.
* كيف تنظرون إلى العلاقات السودانية - السعودية، وما حقيقة ما يشاع من فتور فيها؟
- العلاقة بين السودان والسعودية علاقة التاريخ بالأرض، فهي ضاربة في القدم، وفي تطور مستمر؛ لأنها علاقة مصير مشترك، والسودان حريص جدا على صون هذه العلاقة وتنميتها باستمرار، كما السعودية أيضا، فهناك كثير من المصالح القائمة الآن بين البلدين، من بينها الاستثمارات السعودية الضخمة في السودان، فضلا عن مساهماتها المقدرة في مختلف القطاعات، سواء من صندوق التنمية السعودي أو غيره من المؤسسات المثيلة، وليس لدينا سبب في أن تتأثر هذه العلاقة سلبا بأي حال من الأحوال، بل ننظر إلى المواقف السعودية الدولية والإقليمية والعربية والإسلامية بشكل عام، ومع السودان بشكل خاص، بكل إعزاز وبعين الرضا، حيث وقفت إلى جانب السودان في كل مراحله وعند الشدائد تحديدا، فهي بمثابة الظهير الداعم لموقف السودان في المحافل الدولية والإقليمية. ومن هنا، فكل ما يشاع عن فتور في العلاقة بين البلدين يدخل في خانة الغرض الخبيث من جهات تسعى لأن تلعب في الماء العكر. وما أؤكده هنا، أن علاقتنا تتجاوز كل المخططات والشائعات وتبقى صامدة، فعندما قاطعتنا أميركا وتوقفت الدول الغربية عن دعم مشاريع السودان، واصلنا زيادة عجلة التنمية بدعم كبير من الدول الخليجية والعربية بشكل عام والسعودية وقطر والكويت بشكل خاص، وبفضلها شيدت الطرق والجسور والمطارات، ومن ثم لا توجد قطيعة عربية أو خليجية، بل العكس هناك تطور إيجابي متصاعد مع الأيام، ونحن نثق بحكمة قيادة البلدين في تجاوز كل ما يعكر صفو العلاقة بين بلدينا، ونؤكد أن المستقبل مطمئن جدا لعلاقة قوية، وليس أدل على ذلك من القمة الاقتصادية بالرياض التي توجت بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، خاصة بإنتاج الغذاء العربي والإنتاج الزراعي في السودان، وهي أصبحت الآن تحت رعاية ومتابعة القمة العربية بأجمعها، ويعكف السودان على تصميم البرامج التنفيذية لهذه المبادرة، وهذا ينم عن حب وتقدير خادم الحرمين الشريفين للسودان وإصراره على المواصلة في دعمه، كما كان لقادة الدول العربية الآخرين وقفة كبيرة ثمنت هذه المبادرة ودفعت بها بقوة لتجد طريقها نحو التنفيذ.
* هناك من يعتقد أن موقف الحكومة السودانية من الواقع الجديد في مصر يكتنفه بعض الغموض.. ما حقيقة ذلك؟
- الشعب المصري هو امتداد للشعب السوداني، والعكس بالعكس، والشعب المصري هو وحده المخول في اختيار قيادته؛ لأن ذلك شأن مصري داخلي، وليس للسودان أي شكل من أشكال التدخل في شؤون مصر الداخلية، ومن هنا فأي حكومة قرر الشعب المصري أن تحكمه فالسودان حينها يحترم خياره، وهذا موقف ثابت للسودان تجاه مصر وشعبها على الدوام، مما يفسر طبيعة علاقة الحكومة السودانية مع الحكومة المصرية، وعدم جنوحها لأي نوع من الخلافات والاختلافات. ونحن نؤكد دعم وتطور العلاقة بين الشعبين والحفاظ على مقدراتهما وتنفيذ الاتفاقات كافة التي أبرمت لصالح الشعبين على مر التاريخ والحقب الحاكمة.
* هل للحكومة السودانية أي نية لإصلاح ذات البين بين الحكومة المصرية والإخوان المسلمين في مصر؟
- الحكومة المصرية هي التي تتولى هذا الأمر، لأنها صاحبة الشأن، لكن متى ما طلب من الحكومة السودانية أن تلعب دورا في اتجاه المصالحة، فإنها لن تتأخر في أن تقوم بهذا الدور في إطار المنظومات الإقليمية، سواء كان تحت مظلة الجامعة العربية، أو الاتحاد الأفريقي، أو منظمة التعاون الإسلامي، طالما يمكن أن يحقق ذلك نوعا من الاستقرار لأمن وسلامة مصر وشعبها، غير أنه على الحكومة المصرية إدارة شأنها بالداخل وتبادر هي بما تراه مناسبا.
* في الوقت الذي أجمعت فيه غالبية الدول الأفريقية على انسحابها من «ميثاق روما» ومقاطعتها أي صلة بالمحكمة الجنائية، فإن بعض الدول الأفريقية رفضت المضي في هذا الاتجاه.. ما السر في ذلك؟
- موقف القمة الأفريقية الأخير من المحكمة الجنائية يعبر عن إرادة شعوبها بأن المحكمة الجنائية صممت لانتهاك حرمة سيادة وقادة أفريقيا، بدليل أن هناك ممارسات وفق الأحكام الواردة في أمر التأسيس للمحكمة يطال قادة في دول أخرى، بما في ذلك أميركا، التي تريد تحصين نفسها عنها حتى لا تحاسبها على جرائمها التي ترتكبها في مختلف أنحاء العالم، في حين تحرص على أن تكون لها سلطات تطال دولا أخرى، حتى لو لم توقع على «ميثاق روما»، فأميركا نفسها، التي تدفع بالمحكمة لتطال الأفارقة وقادتهم، نأت بنفسها عن أن تكون عضوا في المحكمة حتى لا تجد من يحاسبها على جرائمها، في حين أنه ليس فقط قادتها، بل حتى جنودها الذين ارتكبوا فظائع وجرائم تقشعر لها الأبدان، سواء في أفغانستان أو في العراق وغيرها من دول كثيرة أخرى، تمنع أن تطالهم هذه المحكمة. وفيما يخصنا، فإن السودان لم يوقع أصلا على «ميثاق روما»، لذا فهو غير معني بمساءلتها. وليس من حق أميركا بنص القانون تسليط مجلس الأمن والأمم المتحدة لتلاحق بهما الرئيس عمر البشير، وهو رئيس دولة، في حين تمنعهما من محاكمة حتى جندي أميركي، مما يعني إصرارها على تمرير سياسة ازدواجية المعايير، وتحقير القادة الأفارقة. أما فيما يتعلق ببعض الدول الأفريقية التي تريد المضي قدما في «ميثاق روما»، وهي قليلة جدا، فلم يكن ذلك بإرادتها التي رهنتها للغرب بالمساعدات، وقد عبرت عن ذلك قيادة دولة أفريقية بأنها لن تستطيع أن تستقبل الرئيس البشير؛ لأنه في هذه الحال ستقطع عنها المعونات التي تبلغ 250 مليون دولار فقط، ومن ثم عدم قدرتها على الاستمرار في الحياة وإدارة شؤون البلاد إن أوقفت عنها هذه المعونات، ولذلك أقول على الدول الحرة والأحرار في العالم أن تحرر مثل هذه الدولة لدراسة حاجتها المادية ودفع مستحقاتها عوضا عن الدعم الذي يأتيها مسموما ومشروطا، لإنقاذها من قبضة الهيمنة الغربية واستعادة إرادتها لتعود حرة للحضن الأفريقي.
* يشاع أن الحكومة تتجاذبها تيارات متنافرة وأنها ليست على قلب رجل واحد.. ما حقيقة ذلك؟
- أؤكد لك أن هذه الحكومة منسجمة، وليس هناك وجود لأي شكل من أشكال التنافر والتناحر السياسي في داخل جسمها، وأنا شخصيا لم ألمس ذلك، وليس هناك دليل يؤكد ما ذهبت إليه؛ وذلك لأن هناك مجلس وزراء برئاسة الرئيس، وهناك قطاعات للمجلس تعمل، ووزراء يعملون، وكل العمل الحكومي يسير وفق ما خطط له بصورة جيدة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.