هودجسون أحبط المشككين وكان على قدر التحدي في كريستال بالاس

أصبح مدرباً متخصصاً في إنقاذ الفرق المتعثرة بعد تجاربه في الإنتر وفولهام وبروميتش

لاعبو كريستال بالاس حققوا انتفاضة تحت قيادة روي (رويترز)  -  روي هودجسون نجح في التحدي مع بالاس
لاعبو كريستال بالاس حققوا انتفاضة تحت قيادة روي (رويترز) - روي هودجسون نجح في التحدي مع بالاس
TT

هودجسون أحبط المشككين وكان على قدر التحدي في كريستال بالاس

لاعبو كريستال بالاس حققوا انتفاضة تحت قيادة روي (رويترز)  -  روي هودجسون نجح في التحدي مع بالاس
لاعبو كريستال بالاس حققوا انتفاضة تحت قيادة روي (رويترز) - روي هودجسون نجح في التحدي مع بالاس

«عندما جاء، كنا في ورطة وكانت الأمور شديدة الصعوبة. لم يكن يشعر بالذعر، لكنه كان هادئا وجعلنا نشعر بالهدوء. لقد ساعدنا على تجنب الكوارث في أكثر الأوقات أهمية. لقد أنقذنا».
هذه هي الكلمات التي قد يقولها رئيس نادي كريستال بالاس، ستيف باريش، عن المدير الفني للنادي روي هودجسون في نهاية الموسم. وفي الواقع، كانت هذه هي الكلمات التي سمعها هودجسون في صيف عام 1997، عندما أنهى مسيرته التي امتدت لعامين مع نادي إنتر ميلان. وكان مالك النادي الإيطالي، ماسيمو موراتي، يلخص تأثير المدرب الإنجليزي على النادي الذي كان يعاني بشكل دائم، والذي كان قد غير سبعة مديرين فنيين في السنوات الخمس التي سبقت وصوله، والذي غير أيضا سبعة مديرين فنيين آخرين خلال السنوات الخمس التالية لرحيل هودجسون عن النادي.
وخلال عمله مع 15 نادياً وأربعة منتخبات، كان هودجسون لديه طريقة تميزه عن باقي المدربين في العمل. وما نراه خلال تجربته الحالية مع نادي كريستال بالاس يشبه إلى حد كبير التجربة التي قضاها مع نادي إنتر ميلان الإيطالي.
لقد تولى هودجسون تدريب إنتر ميلان بعد فترة قصيرة من بداية الدوري الإيطالي الممتاز لموسم 1995 / 1996 وكان أول موسم من الموسمين اللذين قضاهما مع النادي الإيطالي يعمل على مساعدة الفريق الذي لم يكن به نجوم سوى بول إنس وروبرتو كارلوس على الارتقاء من مؤخرة جدول ترتيب الدوري الإيطالي الممتاز إلى المركز السابع بنهاية الموسم.
وفي الموسم الثاني، قاد النادي لاحتلال المركز الثالث والوصول للمباراة النهائية للدوري الأوروبي، التي خسرها النادي الإيطالي بركلات الترجيح أمام شالكه الألماني، قبل أن يرفض التوقيع على عقد جديد ويعود لإنجلترا ليقضي تجربة قصيرة وغير سعيدة مع نادي بلاكبيرن روفرز.
وبعد 10 سنوات كاملة من الرحيل عن إنتر ميلان، تلقى عرضا من محمد الفايد لإنقاذ نادي فولهام، الذي كان في منطقة الهبوط بالدوري الإنجليزي الممتاز عندما تم إقالة لوري سانشيز من منصبه كمدير فني للفريق قبل أسبوع واحد من نهاية ديسمبر (كانون الأول).
وخلال أول شهر له مع فولهام، تعرض هودجسون لثلاث هزائم وتعادل في الدوري الإنجليزي الممتاز قبل أن تتحسن نتائج الفريق بالفوز على ملعبه أمام أستون فيلا. وبعد ذلك، تعرض الفريق لثلاث هزائم متتالية أخرى لتؤكد صعوبة المهمة التي جاء من أجلها هودجسون. ورغم ذلك، أنهى فولهام الموسم بالفوز في أربع مباريات من آخر خمس مباريات بالموسم، وتمكن من البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز بفارق ضئيل للغاية عن أقرب منافسيه.
وفي الموسمين التاليين، قاد هودجسون نادي فولهام لإنهاء الدوري الإنجليزي الممتاز في المركز السابع - أعلى مركز يصل إليه النادي في تاريخه في المسابقة - والمركز الثاني عشر. وعلاوة على ذلك، قاد هودجسون نادي فولهام للوصول إلى المباراة النهائية للدوري الأوروبي عام 2010، والتي خسرها في الوقت الإضافي أمام أتليتكو مدريد. وكان الفوز على يوفنتوس الإيطالي بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد في مباراة الذهاب لدور الستة عشر والتأهل لدور الثمانية بعد الخسارة في تورينو بثلاثة أهداف مقابل هدف هو الليلة الأكثر بهجة وسعادة في تاريخ النادي الممتد عبر 139 عاما.
وبعد تسعة أشهر من الرحيل عن فولهام، وبعد نصف موسم كارثي مع ليفربول، تلقى هودجسون عرضا لتولي القيادة الفنية لنادي وست بروميتش ألبيون، الذي كان يبتعد عن منطقة الهبوط بفارق الأهداف. وخلال المباريات الـ12 المتبقية من الموسم، قاد هودجسون وست بروميتش ألبيون لتحقيق خمسة انتصارات (بما في ذلك الفوز على ليفربول)، والتعادل في خمس مباريات وأنهى الموسم في المركز الحادي عشر، ثم المركز العاشر في الموسم الثاني والأخير له مع النادي.
وكان من الغريب أن تحيط الشكوك حول تعيين هودجسون مديرا فنيا لكريستال بالاس في سبتمبر (أيلول) الماضي ليصبح المدير الفني الحادي عشر للنادي خلال عشرة مواسم، بعدما بدأ الفريق الموسم بالخسارة في أربع مباريات متتالية في الدوري الإنجليزي الممتاز بقيادة المدير الفني الهولندي فرانك دي بور. وكانت سمعة هودجسون التدريبية لا تزال متأثرة بفشله في قيادة المنتخب الإنجليزي لتحقيق نتائج إيجابية في كأس العالم 2014 وكأس الأمم الأوروبية 2016. لكنها سبق وتأثرت أيضا بتجربتيه في كل من بلاكبيرن روفرز وليفربول، لكن التاريخ يثبت أنه يحقق نجاحا كبيرا في حال توفر الظروف المناسبة.
وقد توفرت تلك الظروف المناسبة للعمل في ملعب سيلهرست بارك، بالقرب من مسقط رأسه في مدينة كرويدون، حيث كان يلعب وهو صغير، كما نجح هودجسون في جلب راي ليوينغتون الذي سبق له العمل كمدير فني للفريق الأول بالنادي وكمدرب مؤقت في كريستال بالاس في منتصف التسعينات من القرن الماضي. وربما كانت طبيعة التحدي هي العامل المثالي بالنسبة لهودجسون، إلى جانب الظروف المناسبة التي تحدثنا عنها سابقا.
وبدأ هودجسون العمل مع كريستال بالاس بثلاث هزائم، بما في ذلك الهزيمة بخماسية نظيفة على ملعب الاتحاد أمام مانشستر سيتي وبرباعية نظيفة على ملعب أولد ترافورد أمام مانشستر يونايتد. وعندما أعقب تلك الانتكاسات الفوز على تشيلسي بهدفين مقابل هدف وحيد، قال لاعب خط الوسط السابق داني ميرفي، الذي سجل الهدف الحاسم الذي أبقى فولهام في الدوري الإنجليزي الممتاز عام 2008، إنه بدأ يرى بصمات هودجسون على أداء كريستال بالاس، حيث كان هناك شكل منظم للفريق يجعلك تشعر بأن كل لاعب يعرف دوره جيدا داخل الملعب، وهو ما يعكس العمل الذي يقوم به المدير الفني ومساعدوه يوميا في التدريبات.
ومنذ الفوز على تشيلسي، نجح كريستال بالاس في تحقيق الفوز في أربع مباريات والتعادل في سبع مباريات أخرى ليرتقي من المركز العشرين إلى المركز الرابع عشر في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، رغم خسارته في سبع مباريات أخرى. صحيح أن الفريق ليس في مركز آمن بعيدا عن منطقة الهبوط، لكنه على الأقل يلعب بشكل يؤهله لتحقيق نتائج إيجابية خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل وجود ويلفريد زاها - الذي استعاد مستواه الطبيعي بعد عودته إلى كريستال بالاس، بغض النظر عن وجهة نظر وكيل أعماله - فإن كريستال بالاس لديه سلاح قوي لتعويض كريستيان بنتيكي، الذي كان مجهوده البدني يرهق مدافعي الفرق الأخرى لكنه لم يكن يمتلك الفعالية الهجومية والقدرة على إنهاء الهجمات بشكل مناسب، وهو ما كان يعني أن هودجسون يدخل المباريات بعشرة لاعبين ونصف وليس 11 لاعبا. لقد نجح كريستال بالاس في تحقيق التعادل أمام مانشستر سيتي في ليلة رأس السنة بفضل التنظيم التكتيكي والتهديد الذي يمثله زاها للمدافعين والروح التي يلعب بها خط دفاع ووسط الفريق.
ورغم ذلك، فإن هودجسون ينقصه الكثير والكثير من حيث الكياسة واللباقة، فلم يكن من الحكمة على سبيل المثال أن يقارن مسيرته التدريبية بمسيرة المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون.
كما أعطى هودجسون الفرصة لمنتقديه لكي يشنوا عليه هجوما لاذعا بعدما غادر المؤتمر الصحافي الأخير له خلال توليه قيادة المنتخب الإنجليزي وهو يقول: «أنا لا أعرف ما الذي أفعله هنا». وعلاوة على ذلك، ينتمي هودجسون لجيل المديرين الفنيين الذين ينفعلون بشدة وتتغير قسمات وجوههم بعد الهزيمة، ولذا عانى كثيرا من كاميرات التلفزيون التي تركز عليه في حال خسارة فريقه للمباريات.
ربما لا تنجح طريقة هودجسون في اللعب مع الفرق الكبرى التي يحتاج فيها النجوم إلى ما هو أكثر من مجرد التدريبات العادية للاستحواذ على اهتمامهم وتركيزهم، لكن يجب على الجميع أن يعترف بما قدمه هذا المدير الفني القدير في عالم كرة القدم.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.