باكستان تصدر قائمة سوداء بالجماعات المسلحة المحظورة

العلاقات المتدهورة مع واشنطن قد ترمي بإسلام أباد في أحضان بكين

الزعيم المعارض عمران خان نجم الكريكت السابق والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل يطالب بفك الارتباط مع الولايات المتحدة (أ.ب)
الزعيم المعارض عمران خان نجم الكريكت السابق والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل يطالب بفك الارتباط مع الولايات المتحدة (أ.ب)
TT

باكستان تصدر قائمة سوداء بالجماعات المسلحة المحظورة

الزعيم المعارض عمران خان نجم الكريكت السابق والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل يطالب بفك الارتباط مع الولايات المتحدة (أ.ب)
الزعيم المعارض عمران خان نجم الكريكت السابق والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل يطالب بفك الارتباط مع الولايات المتحدة (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية الباكستانية عن قائمة سوداء ضمت أسماء المنظمات المسلحة التي قامت بتجميد أرصدتها المالية، معلنة أن أي تعامل مع أي من تلك المنظمات سيكون بمثابة جريمة وفق القانون الباكستاني. وشملت القائمة 72 منظمة محظورة، منها «جماعة الدعوة»، و«فلاح الإنسانية». وجاء الإجراء استجابة لطلب تقدمت به الإدارة الأميركية مؤخراً للحد من نشاط تلك الجماعات. ووفق البيان الصحافي الصادر عن وزارة الداخلية، فإن أي مساعدة أو عون يقدَّم لتلك المنظمات سيعدّ جريمة، وعليه يجب التوقف عن تقديم أي تبرعات لها. وقد صدرت القائمة بعد الإجراء الذي اتخذته الحكومة ضد تلك الجماعات التي استمرت في العمل سراً. وحظرت الحكومة جمع التبرعات وكل النشاطات الاجتماعية والسياسية والخيرية والدينية لتلك المنظمات وكذلك للأشخاص المنتمين إليها.
وجاءت إضافة جماعتي «الدعوة» و«فلاح الإنسانية» لتعكس تطوراً جديداً بعدما كانت الحكومة قد اكتفت بوضعهما تحت المراقبة. وكانت الحكومة الأميركية قد واصلت الضغط على الحكومة الباكستانية لحظر نشاطات حافظ سعيد وغيره من القادة. وعقب الإفراج عن حافظ سعيد في الأسبوع الأخير من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً طالبت فيه الحكومة الباكستانية بحظر الحركة. وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، أفادت مصادر في باكستان بأن الإدارة الأميركية أبلغت الحكومة الباكستانية أيضاً بطلبها اعتقال قادة شبكات «حقاني» المقيمين في المناطق القبلية بباكستان.
وأفاد مسؤولون بأن الخطوات التي اتُّخذت لإحكام القبضة على المنظمات المحظورة تهدف إلى منع التدهور في العلاقات الأميركية الباكستانية. وقال مسؤولون باكستانيون إن هناك إجماعاً في الحكومة الباكستانية على عدم الرد بقوة على تغريدة ترمب التي قال فيها «لذلك جاء رد فعلنا مدروساً على الاستفزازات». وانتقدت وزارة الخارجية الباكستانية ما وصفته بتغير الأهداف بعد أن أكدت الولايات المتحدة أنها ستعلق كل المساعدات الأمنية التي يُعتقد أن قيمتها 900 مليون دولار على الأقل، إلى أن تكفّ باكستان عن مساعدة المتشددين.
وقال وزير الخارجية الباكستاني خواجة آصف، إن الولايات المتحدة تتصرف تجاه باكستان كأنها «صديق دائماً ما يخون»، وذلك بعد أن علقت واشنطن مساعدات لإسلام أباد، وبعد أن اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب باكستان بالكذب والخداع لسنوات طويلة. وقال آصف لتلفزيون «كابيتال المحلي»: «سلوك الولايات المتحدة ليس سلوك حليف أو صديق. إنها صديق دائماً ما يخون».
وكتب ترمب في تغريدته الأولى لعام 2018: «إن الولايات المتحدة وبحماقة أعطت باكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات في السنوات الـ15 الأخيرة، في حين لم يعطونا سوى الأكاذيب والخداع معتقدين أن قادتنا أغبياء». وأضاف: «إنهم يقدمون ملاذاً آمناً للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان. انتهى الأمر!».
وأعلن مسؤول حكومي أميركي كبير أول من أمس (الجمعة)، أن قرار الرئيس دونالد ترمب تجميد المساعدات لباكستان قد يشمل مبالغ يصل مجموعها إلى نحو ملياري دولار، وهو رقم أعلى بكثير مما كان يُعتقد في البداية، في خطوة اعتبرتها إسلام أباد «ستأتي بنتائج عكسية». وقال المسؤول الأميركي، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية من واشنطن، إن القرار يشمل «معدات وتمويل دعم التحالف بنحو ملياري دولار» في حال لم تلاحق باكستان شبكة «حقاني»، إحدى فصائل «طالبان». وأضاف وزير الدفاع جيمس ماتيس: «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» بما فيها تجريد باكستان من وضعها «كحليف أساسي خارج حلف الأطلسي» أو تعطيل قروض في صندوق النقد الدولي.
في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسبب تصريح مشابه قوي اللهجة للرئيس ترمب في تصعيد حدة التوتر بين واشنطن وإسلام أباد.
وتلقت وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً أمراً بوقف تسديد الدفعات من «صندوق دعم التحالف» المخصص لتمويل نفقات باكستان لعمليات مكافحة الإرهاب. وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت، تجميد التمويل «حتى اتخاذ الحكومة الباكستانية إجراءات حاسمة ضد (حركة) طالبان الأفغانية وشبكة حقاني».
بيد أن الدولتين واصلتا التعاون على مدار الأسبوع الماضي عقب الاتصالات التي جرت بين القادة العسكريين في الدولتين. وأدى التعاون بين باكستان والولايات المتحدة على الحدود الأفغانية الباكستانية إلى مقتل عدد من أخطر المسلحين أبرزهم عمر خالد خراساني، زعيم «جماعة الأحرار» الإرهابية، التابعة لجماعة «تحريك إي طالبان باكستان». وفي 4 هجمات منفصلة شنتها طائرات درون في 20 أكتوبر 2017، قُتل 31 مسلحاً على الأقل في عمليات جرت على الجانب الأفغاني من الحدود، والتي أبلغ الجانب الباكستاني بها عن طريق القوات الأميركية المنتشرة على الحدود. وأعلن الجيش الباكستاني أن التعاون وتبادل المعلومات بين الجانبين الباكستاني والأميركي قد عاد إلى سابق عهده بعد فترة انقطاع عقب زيارة قائد الجيش الجنرال عمر جواد باجو لكابل، حيث التقى نظيرة الأفغاني وكبار مسؤولي الجيش الأميركي، لمناقشة إمكانية مواصلة التعاون الاستخباراتي لمكافحة الإرهاب.
وكان التعاون الاستخباراتي بين باكستان والولايات المتحدة قد تدهور إثر الغارة الأميركية التي استهدفت منطقة أبوت أباد، التي أدت إلى مقتل أسامة بن لادن عام 2011، وبعد تلك الفترة، عبّر المسؤولون الأميركيون عن مخاوفهم من أن المعلومات التي يجرى تبادلها مع الجيش الباكستاني ربما يتم تسريبها إلى الجماعات المسلحة التي قالت الولايات المتحدة إنها على صلة بقوات الأمن الباكستانية. وفي أعقاب الضربات الأخيرة التي شنتها 4 طائرات درون، أعلن الجيش الباكستاني مواصلة التعاون الاستخباراتي بين الجانبين.
وقد تدفع العلاقات المتدهورة باكستان أكثر فأكثر إلى الاقتراب من الصين التي دعمت إسلام أباد بعد الأزمة التي أعقبت تغريدة ترمب. ويقول محللون إن دعم بكين الدبلوماسي والمالي يعزز أيضاً موقف باكستان.
وقال الزعيم المعارض عمران خان، نجم الكريكت السابق والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل، إن الوقت قد حان لفك الارتباط مع الولايات المتحدة وتقليص الوجود الدبلوماسي والمخابراتي الأميركي في منطقة استراتيجية حساسة. وقال خان إن تغريدة ترمب وتعليقات أميركية أخرى جزء من «محاولات متعمدة لإذلال وإهانة الأمة الباكستانية». وأضاف في بيان: «حان الوقت لكي تفك باكستان ارتباطها بالولايات المتحدة»، داعياً إلى التخلص فوراً من الأعداد الزائدة بشكل مفرط من الدبلوماسيين وغير الدبلوماسيين وأفراد المخابرات الأميركيين في باكستان.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.