الاحتجاجات الشعبية في إيران تتمدد وخسائر في صفوف قوات الأمن

روحاني يلوح برد «الشعب» ضد المتظاهرين - تباين حول حصيلة القتلى - القضاء يعلن التأهب بعد موجة الاعتقالات- خلل في شبكة الإنترنت

متظاهرون يحرقون سيارة تابعة للشرطة بمدينة عبادان جنوب غرب إيران ليلة أمس  (مواقع التواصل)
متظاهرون يحرقون سيارة تابعة للشرطة بمدينة عبادان جنوب غرب إيران ليلة أمس (مواقع التواصل)
TT

الاحتجاجات الشعبية في إيران تتمدد وخسائر في صفوف قوات الأمن

متظاهرون يحرقون سيارة تابعة للشرطة بمدينة عبادان جنوب غرب إيران ليلة أمس  (مواقع التواصل)
متظاهرون يحرقون سيارة تابعة للشرطة بمدينة عبادان جنوب غرب إيران ليلة أمس (مواقع التواصل)

تجاهل المتظاهرون دعوات كبار المسؤولين أمس في خامس أيام الاحتجاجات على التوالي وذلك رغم محاولات الرئيس الإيراني حسن روحاني احتواء المتظاهرين بدعوتهم إلى التهدئة وتظاهروا في مختلف أنحاء البلاد وسط غموض حول حصيلة القتلى فيما أعلن متحدث باسم الشرطة الإيرانية أن شرطيا إيرانيا قتل وجرح ثلاثة آخرون بنيران أحد المتظاهرين في محافظة أصفهان.
واستمرت الاحتجاجات الغاضبة ليلة أمس في عموم الأراضي الإيرانية، احتجاجا على الضائقة الاقتصادية والبطالة والغلاء والفساد. وكان التظاهر لافتا في طهران وتبريز واردبيل وكرج وعبادان والأحواز ورشت على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة. كما امتدت المظاهرات إلى مدن عدة منها كرمنشاه وتشابهار وبندر عباس ودهدشت وياسوج وشاهين شهر، وتاكستان، وزنجان، وايذج.
وأعلنت السلطات الإيرانية أمس إغلاق أبواب المدارس في عدة مدن إيرانية لليوم الثالث على التوالي. ونشر ناشطون مقاطع تظهر اطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع والأعيرة النارية ضد متظاهرين وقال شهود عيان ان مواجهات عنيفة شهدتها المدينة بين الأمن والمتظاهرين.
ونشرت وكالة{فارس} التابعة للحرس الثوري صورة لسيارة محترقة ليل الاثنين، فيما ذكرت تقارير على مواقع التواصل الاجتماعي أن مجموعات صغيرة نسبيا من المتظاهرين أطلقت هتافات مناهضة للنظام في وسط العاصمة الإيرانية. وقال ناشطون من مدينة مشهد التي شهدت انطلاق الاحتجاجات الخميس الماضي إن مدينتهم تحولت إلى قاعدة عسكرية كبيرة بعد تواجد أمني مكثف للقوات العسكرية.
وجرت هذه المظاهرات ليلة أمس رغم أن السلطات حجبت تطبيق الرسائل لموقعي إنستغرام وتلغرام عن الهواتف المحمولة، في مسعى لتجنب تنظيم احتجاجات جديدة. وخلال الأيام الماضية لعب موقع «آمد نيوز» دورا أساسيا في تحريك الشارع الإيراني وتحول الموقع إلى مصدر للمعلومات والتنسيق بين المدن الإيرانية وكانت إدارة تلغرام حذفت حساباته في اليوم الثاني للتظاهر بدعوى تحريضه على العنف إلا أنها عادت في اليوم الثالث وأطلقت للموقع حسابا جديدا.
وفي أقل من 24 ساعة بلغ متابعوه أكثر من مليون. وردا على تقارير حول قطع شبكة الإنترنت في عدة مدن إيرانية وإمكانية قطع الخدمة بشكل نهائي، نشر الموقع معلومات تفيد بتوجه أميركي لإطلاق قمر صناعي يوفر الخدمة المجانية للإنترنت في إيران.
وأظهرت مقاطع مصوّرة بثّت على وسائل الإعلام ومواقع التواصل متظاهرين يهاجمون مباني عامة منها مراكز دينية ومصارف تابعة للباسيج (القوات شبه العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري) أو يضرمون النار بسيارات للشرطة وفق ما نقلت وكالة «الصحافة الفرنسية».
أعلن متحدث باسم الشرطة الإيرانية أن متظاهرا إيرانيا قتل واحدا وأصاب ثلاثة من عناصر الشرطة بجروح في نجف آباد بمحافظة أصفهان.
وقال موقع «إيران واير» إن ثلاثة على الأقل قتلوا وأصيب تسعة آخرون برصاص قوات الأمن في مدينة نورآباد بمحافظة لرستان.
وليلة الأحد، قتل ستة أشخاص بـ«إطلاق نار مشبوه» على هامش أعمال عنف في مدينة تويسركان (غرب)، بحسب التلفزيون الرسمي، بعد أن كانت وسائل الإعلام أشارت قبل إلى سقوط أربعة قتلى في مدينتي ايذج (جنوب غرب) ودورود (غرب).
وقال التلفزيون الحكومي إن «أشخاصا ملثمين (...) شاركوا في الاضطرابات وهاجموا مباني عامة وأضرموا فيها النار» في تويسركان.
قال ممثل إيذج في البرلمان الإيراني، هدايت الله خادمي، إن اثنين على الأقل قتلا خلال مظاهرات ليلية، متهما المتظاهرين بالمبادرة في إطلاق النار على قوات الأمن.
ونقلت وكالة «إيلنا» عن خادمي قوله إن المتظاهرين قتلوا بعد إطلاق النار باتجاه قوات الأمن، كما رفض تأكيد أن تكون قوات الأمن هاجمت المتظاهرين بعد مهاجمة البنوك.
وأظهرت مقاطع نشرها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن تشديد الأجواء الأمنية في ايذج شمال الأحواز.
وادعى خادمي أن السلطات عثرت على متفجرات في منازل بعض الموقوفين خلال الاحتجاجات.
وقالت شبكة «خبر» الإيرانية إن قوات الأمن واجهت بقوة «فوضويين بعضهم يحمل السلاح حاولوا اقتحام القواعد العسكرية والمقرات التابعة للشرطة». وتباينت تصريحات المسؤولين الإيرانيين أمس حول حصيلة القتلى. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن 10 قتلوا في مظاهرات ليلة أول من أمس، لكن مسؤولا محليا أكد مقتل ثلاثة في مدينة تويسركان بمحافظة همدان. وقالت تقارير إن على الأقل 15 قتلوا.
وأحرق المتظاهرون الحوزة العلمية في قزوين وفق مقاطع نشرها ناشطون ليلة أول من أمس.
وتضاربت مواقف المسؤولين الإيرانيين حول إطلاق النار على المتظاهرين فالسلطات تقول بأنها لا تطلق النار على المتظاهرين وتتهم «مثيري الاضطرابات» و«أعداء الثورة» بالاندساس بين صفوف المتظاهرين.
من جهتها، ذكرت وكالة مهر للأنباء أن «شخصا مثيرا للشغب أضرم النار في سيارة وهرب على الفور». وأكدت وزارة الاستخبارات في بيان نقلته وكالة ايسنا أنه «تم تحديد هويات عناصر كانوا يثيرون الاضطرابات وتم اعتقال عدد منهم. وتتم ملاحقة الآخرين وسيجري قريبا التعامل معهم بشدة».
ولم تفلح الدعوة التي وجّهها الرئيس الإيراني حسن روحاني ليلا إلى الهدوء وإعلانه أنه يناصر توفير هامش أكبر من حرية الانتقاد، في تهدئة للأجواء.
وصباح الأحد، عاد وشدّد خطابه تجاه من سماهم «أقلية صغيرة» قائلا إن الشعب «سيرد على مثيري الاضطرابات ومخالفي القانون».
وحذر روحاني من المحتجين على الأوضاع المعيشية برد «الشعب» واصفا إياهم بـ«مثيري الشغب» وذلك بعدما دعا أول من أمس إلى توفير هامش أكبر من حرية الانتقاد في محاولة لاحتواء الاحتجاجات الشعبية.
وقال روحاني في ثاني موقف في أقل من 24 ساعة تنقله وسائل الإعلام الرسمية، إن «الاحتجاجات الأخيرة تهديد يجب أن يتحول إلى فرصة» لافتا إلى أن المطالب الشعبية تشمل «انفتاح الأجواء في الحريات إضافة إلى القضايا الاقتصادية».
وتوجه روحاني أمس إلى مقر البرلمان الإيراني وأجرى مشاورات بحضور رؤساء اللجان البرلمانية لبحث آخر التطورات في البلاد. وأضاف روحاني «اقتصادنا بحاجة إلى عملية جراحية كبيرة، وعلينا أن نتحد جميعا»، مؤكدا أن الحكومة عازمة على «تسوية مشكلات المواطنين».
وكان روحاني أقر الأحد بضرورة منح السلطات مواطنيها «مساحة للانتقاد»، ومحذّرا المتظاهرين من أي أعمال عنف.
وفشل الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ إعادة انتخابه لولاية ثانية في مايو (أيار) الماضي، بتلبية مطالب أنصاره كما واجه انتقادات خلال الشهر الماضي انتقادات من حلفائه الإصلاحيين.
أما نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري قال عبر حسابه في «تويتر» إن «مسؤوليتنا المشتركة هي الدفاع عن الحرية ومواجهة العنف. كلنا يجب أن نفكر بأمن البلد وليس تشديد الأجواء الأمنية. يجب أن نفكر بقبول النقد والاحتجاج وليس التخريب والفوضى».
من جهة ثانية، قال المتحدث للحرس الثوري رمضان شريف إن «الحرس الثوري تلقى طلبات من الشرطة للحصول على دعم قوات الباسيج» مضيفاً أن «الأوضاع لا تشير إلى ضرورة تدخل الحرس الثوري». وتابع أن الحرس الثوري «لم يحصل على طلب من الحكومة الإيرانية». وحول ما إذا كان الحرس الثوري ينوي التدخل لتهدئة الأوضاع في العاصمة طهران، قال شريف، إن قاعدة «ثارالله مسؤولة عن أمن طهران»، مضيفاً أنها «اتخذت التدبيرات اللازمة».
من جانبه، قال نائب محافظ طهران في الشؤون الأمنية محسن همداني في تصريح لوكالة «ايلنا» إن «الرئيس الإيراني وكبار المسؤولين في الوزارة الداخلية أصدروا أوامر لتفادي قصص السنوات الماضية حول المعتقلين» في إشارة إلى مقتل أربعة من المتظاهرين في سجن كهريزك في شرق طهران عام 2009.
وكان القضاء الإيراني أدان المدعي العام في طهران سعيد مرتضوي بالسجن عامين على خلفية تلك الأحداث.
ولم يذكر المسؤول الإيراني عدد المعتقلين في طهران وقال في هذا الصدد إن «وزارة الداخلية مسؤولة عن الإعلان الرسمي للإحصائيات والتقارير».
وقال همداني ليلة أول من أمس في تصريح لوكالة «تسنيم» إن السلطات «تسيطر على الأوضاع في طهران». وقال عن المتظاهرين إنهم «أشخاص انتهازيون تعرفنا على هويتهم» مشيرا إلى ترديد هتافات معادية للنظام في مظاهرة ليلة أول من أمس.
وبحسب الإحصائيات التي أعلنها أول من أمس قائممقام طهران فإن السلطات اعتقلت يوم الأحد 200 متظاهر في الحد الفاصل بين شارع انقلاب وولي عصر حيث خرج المتظاهرون بكثافة.
وادعى بدور المساعد الأمني لقائممقام طهران أن قوات الأمن اعتقلت أكثر من 40 شخصا في طهران وقال إنهم «يقودون الاحتجاجات».
ويتفاخر روحاني بمساهمته في خروج إيران من عزلتها مع رفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
وعقد الإيرانيون آمالا كبيرة أن يؤدي الاتفاق التاريخي مع الدول الكبرى حول الملف النووي إلى انتعاش اقتصادي، لكن ثمار هذا الاتفاق لم تظهر بعد.
وهذه الحركة الاحتجاجية هي الأكبر في إيران منذ المظاهرات المعترضة على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا في العام 2009. والتي قمعتها السلطات بعنف.
وأطلقت الشرطة القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات صغيرة من المتظاهرين الذين أطلقوا شعارات ضد الحكم وفق مقاطع انتشرت من مدن إيرانية تشهد احتجاجات.
ووقعت اضطرابات في مدن نوراباد ودورود وخوراماباد، وقد «أوقفت السلطات مسببي الاضطرابات» بحسب ما أعلن مسؤول محلي. وأوقف 200 متظاهر في العاصمة، وأوقف 200 آخرون في مدن أخرى، بحسب وسائل الإعلام المحلية. وهذه الحركة الاحتجاجية هي الأكبر في إيران منذ المظاهرات المعترضة على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا في العام 2009. التي قمعتها السلطات بعنف وأوقعت 36 قتيلا بحسب الحصيلة الرسمية و72 قتيلا بحسب المعارضة. من جهته، أكد رئيس السلطة القضائية آية الله صادق لاريجاني أن «على من لديهم مطالبات محقة أن يعبروا عنها بالطريقة القانونية» وأن المطلوب «التعامل بقوة ضد أولئك الذين يرتكبون أعمال تخريب وينشرون الفوضى»، بحسب وسائل إعلام تلفزيونية.



تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.


تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

رأت تركيا أن هناك فرصة سانحة لتعزيز مركزها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا، بعد المشاكل التي ظهرت نتيجة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن تركيا وسوريا أمام «فرصة استراتيجية» في سوق الطاقة مع ظهور المشكلات التي بدأت في مضيق هرمز عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة يمنح فيها تركيا حصة أكبر، وأن أزمة الطاقة التي برزت مؤخراً، بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تدفع تدفق الطاقة نحو الخطوط البرية التي تمر من تركيا في الشمال، أو نحو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط، أو إلى خطوط بديلة تمتد من العراق إلى سوريا.

فرصة سانحة وعوائق

وتابع يلماظ، خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، السبت، أن «هذا يمثل في الواقع فرصة مهمة لكل من تركيا وسوريا»، عادّاً أن أقصر الطرق وأكثرها أماناً واستقراراً أماناً وأقلها تكلفة حالياً هي تركيا.

السفير التركي في دمشق نوح يلماظ خلال جلسة في منتدى أنطاليا (إعلام تركي)

ولفت إلى أن البديل الثاني نتيجة المشكلات في الخليج هو خط سوريا - العراق، وأن بعض الظروف المناسبة لهذا المسار بدأت تتشكل تدريجياً، وأنه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً في سوريا يسمح باستثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار و«الأنشطة الإرهابية» تشكل عوائق أمام ذلك، وأنه يمكن لسوريا أن تصبح فاعلاً مهماً، لكن وصولها إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتاً، ربما لا يقل عن 10 سنوات؛ لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، ثم استثمارات، وتشكيل تحالفات.

كما ذكر يلماظ أن تطوير التجارة بين تركيا وسوريا، بما يشمل الجمارك والمعابر الحدودية والاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، هي عملية تستغرق وقتاً، مشيراً إلى أن المفاوضات حول بعض السلع والرسوم الجمركية تُدار بما يخدم مصالح الطرفين.

ورأى أنه مع إصلاح الطرق، ومعالجة المشكلات المادية، وإزالة مشكلات النقل، فإن التجارة بين تركيا وسوريا ستصل على الأرجح إلى أعلى مستوياتها.

مساعٍ لشراكة استراتيجية

وبدأت تركيا وسوريا في الفترة الأخيرة تحركاً باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار بعد 14 عاماً من الحرب الداخلية.

وعقدت، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بهدف دفع التعاون بين البلدين الجارين في مختلف المجالات، حيث عقد المنتدى التركي - السوري للاستثمار في إسطنبول، في 7 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، وتم مناقشة تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتجارة والجمارك.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال منتدى الاستثمار التركي - السوري في إسطنبول في 7 أبريل (من حسابه في إكس)

وقال بولاط، خلال المنتدي، إن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، بعد انقطاع دام 10 سنوات.

كما وقَّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مع نظيريه الأردني نضال قطامين والسوري يعرب بدر، في عمّان، في اليوم ذاته، اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير البنية التحتية للنقل، وسط ظروف استثنائية تشهدها المنطقة بفعل حرب إيران وتداعياتها على سلاسل التوريد والتجارة.

انفتاح على التعاون

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، إن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار. إن العلاقات التاريخية والجغرافية مع تركيا تُسهم في تعزيز فرص الاستثمار، لافتاً إلى أن نظام الأسد تسبب في عزلة إقليمية، وأن تحرير سوريا يُمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقات، خصوصاً مع تركيا التي دعمت الشعب السوري خلال السنوات الماضية.

جانب من مباحثات إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف الشرع، الذي أجرى مباحثات شاملة حول العلاقات بين البلدين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش المنتدى، أن هناك جهوداً حثيثة لإنشاء منطقة حرة سورية - تركية في إدلب؛ حيث يجري العمل على نقل بعض الصناعات وتطوير مشروعات مشتركة، وستكون هذه المنطقة نقطة وصل استراتيجية بين إدلب ومناطق أخرى، مثل حلب ودمشق، ما يُسهل عمليات التجارة والنقل.

وقال إردوغان إن أجواء الصراع في المنطقة تُعد أكبر عائق أمام السلام والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري، بعدما تعرّض له من ظلم على مدى ما يقرب من 14 عاماً.

وأضاف أن إعادة نهوض سوريا تتطلب دعماً بناءً ومستمراً من الفاعلين الدوليين، وأن تركيا قدّمت، وتواصل تقديم، كل ما بوسعها من دعم لأشقائها السوريين، على أساس الوحدة الوطنية وسلامة أراضي البلاد.